اعتاد البعض اختيار الطريق السهل لتحقيق أحلامهم، لكنها امرأة مختلفة ومميزة دخلت مجالاً جديداً بالنسبة للإماراتيات، كان حكراً على الجنسيات الأجنبية، ويعد من أصعب المجالات وأكثرها تعقيداً. حلم راودها بأن تكون ممرضة فقررت دخول الميدان بعد سنوات من زواجها وإنجابها. درست بدعم من زوجها واجتهدت، ثم بدأت مشوارها العملي في عامه الثامن في قسم النساء والتوليد بمستشفى خورفكان. وأصبحت مسؤولة قسم الحضانة بعد عام من تعيينها، والآن تعمل على إنشاء قسم خاص بمساعدة النساء الأخريات في كيفية الولادة ونشر ثقافة الولادة والرضاعة الطبيعية لديهن.

هي سيدة من بنات هذا الوطن اللاتي مازلن يواصلن صنع النجاح كل يوم، وتسجيل علاماته اللافتة في التخصصات والأرجاء كافة، إنها واحدة من العصاميات اللاتي استطعن بقدراتهن على التحدي تحويل الأحلام إلى واقع ملموس ومعاش على أرض الواقع. إنها إيمان راشد النقبي في آواخر الثلاثينات من عمرها نحلةٌ دؤوبة، لن تنساها بابتسامتها التي لا تفارقها، وستعرفها برقتها وهدوئها وإنسانيتها.

مراحل مهمة

البدايات صعبة، فتروي إيمان قصتها في عالم التمريض التي كانت أشبه بالحفر في الصخر، خصوصا أنها تنتمي لعائلة لا تؤمن بمهنة التمريض وما يشابها من مجالات، لذا اقتحمت هذا المجال وأثبتت قدرتها على العطاء، تقول: "راودني حلم دراسة التمريض منذ نعومة أظفاري لكوني أعشق رعاية الأطفال والمسنين ومساعدتهم، وتطور الدافع الإنساني إلى تعلم ومعرفة كل ما يختص في عالم الطفل والمرأة وبالأخص الحامل وحديثة الإنجاب، واستطعت بحمد الله أن أحوله إلى واقع معاش وعلامة لافتة في حياتي برغم الصعوبات".

مضيفة: " كنت اقضم المراحل الدراسية الواحدة تلو الأخرى بنجاح، ولكن بمرارة كادت المرحلة الثانوية تكون النهاية، إلا أن إصراري وعنادي مكناني من إكمال الدراسة عام 2001. وأتممت مرحلة الدبلوم في التمريض وفي تخصص النساء والتوليد تحديدا أواخر 2005، وذلك بعد زواجي وإنجابي 4 من أبنائي أكبرهم "مهند" 16 سنة ويواصل دراسته في المدرسة الثانوية الجوية في مدينة العين، وآمنة 13 سنة ثم لولوة وعبدالله.

مساندة في الخفاء

وحول تجربتها قالت: الآن لدي ثمانية أطفال والثامن ولد حديثا في عطلة رأس السنة 2013. ففي بداية تجربتي العملية وأيضا الدراسية كانت تساعدني والدتي كثيرا، حتى في مشوار دراستي كانت الوحيدة التي تعلم بالتحاقي بالمعهد لدراسة التمريض وتشجعني على المواصلة في المجال الذي أرغب العمل فيه وتؤازرني طوال الأعوام الماضية. لافته إلى أن دعاءها كان السبيل لمواصلتي هذا الطريق وحمايتي من عواقب وخيمة وبالأخص في أن يلحظني أثناء ذهابي للمعهد معارضو توجهي، فبقيت أدرس أربع سنوات متواصلة. ففي سنة تخرجي كنت حاملا بابني الخامس "عبدالعزيز"، مؤكدة محافظتها على إرضاعه طبيعيا فور تعيينها مباشرة بعد 5 شهور من تخرجها.

وأشارت قائلة: والدي كان معارضا بشدة لفكرة دراسة التمريض وأيضا أخوتي مذ كنت في الثانوية عام 1993، حيث أخفقت في الالتحاق في دراسة آداب اللغة الانجليزية والعربية وأيضا بأن أصبح معلمة مجال أو رياض أطفال وبقيت أصارع رغبتي حيث تزوجت، إلا أن الحلم كان لايزال يراودني، بالرغم أن عددا من أشقائي وصديقاتي انتقدوني بشدة، والبعض أخبرني أن التمريض والزواج لا يجتمعان، لكنني أصررت على العمل. ومع مرور الوقت تقبل الجميع الأمر، وبالأخص والدي الذي أصبح أكبر داعم لي عبر مساندته وتقديم استفساراته عن كل شاردة وواردة تتعلق في نظامه الغذائي والصحي وحتى في كيفية تناول الأدوية ومواعيدها، وكل ما قد يختص في هذا الجانب. طموح وأمل

أكدت سعادتها بإثبات وجودها في مهنتها، وطموحها بأن تنهي دراستها الجامعية في التمريض، بقولها: " لم استطع إكمال دراستي الجامعية، لكوني أعمل بالمستشفى إلى جانب أني زوجة وأم، وهو ما يشكل ضغطا كبيرا لدي، لكن بالرغم من ذلك أنا طموحة جداً، وقد التحقت بالعديد من الدورات وورش العمل المهنية والمتخصصة في داخل المستشفى وخارجه، وقمت بتدريب عدة طالبات تمريض بالواقع العملي، وأطمح إلى جانب إيفائي بواجباتي تجاه زوجي وأبنائي ووظيفتي بأن أنال شهادة البكالوريس في المستقبل القريب".

كل امرأة هي في الأساس ممرضة

خدمة المجتمع شرف نعتز به

إن مهنة التمريض من المهن المرغوبة ولا غبار عليها رغم أن هناك من لا يقيم المهنة، فالمجتمع ينظر لهن كممرضات نظرة دونية ولكن هذا غير صحيح. وفي أحيان كثيرة نجد أن علاقة المريض بمريضه أقوى من علاقة الطبيب بالمريض. كما أن المرأة وبكل فخر هي ممرضة في الأساس وظهر دورها في هذا الجانب جليا في عهد الإسلام أثناء الفتوحات الإسلامية، لذا فهو اختصاص مهم لكل امرأة وفتاة، فالمرأة بطبيعتها يجب أن يكون لديها معرفة بالإسعافات الأولية، والأمور الطبية البسيطة لكونها مشروع أم مستقبلية.

وتنصح الممرضة إيمان كل الشابات وأيضا الشباب الذين يريدون الدخول أو اقتحام هذا المجال بضرورة وجود الضمير الحي. مضيفة إلى تعاملهم مع حياة الآخرين فوجود أقل خطأ سيؤثر عليهم بالطبع فلا بد من الحذر الشديد مصحوبا بالعطف.

ظهرت ابتسامة فخر واسعة على وجه النقبي، فيما برقت عيناها بلمعان اعتزاز واضح بانت في نبرتها، وهي تقول: " لم أكن أنزعج من أي طلب يأتيني لمساعدات النساء في الولادة أو حتى تعليمهن أو توعيتهن إلى ضرورة إرضاع وليدهن، فقد كنت أعتبر مهنتي "واجبا مقدسا" علي القيام به للحفاظ في كل عملية توليد على روحين إحداهما للوليد القادم لدنيانا والأخرى لأمه التي كنت أحاول أن تكون في أفضل حال". وقد نجحت في السواد الأعظم من الحالات التي باشرتها، حتى أزواجهن وأبناؤهن باتوا يعرفونها ويعتزون بأنها عرابة على شهادة ولادتهن إلى هذه الدنيا ".

وتتابع: " أعتبر أن خدمة مجتمعي من خلال أولئك المرضى شرف أعتز به، وليس عيباً كما ينظر إليه بعض الناس، وهذا ما ساعدني على تخطي صعوبات الاندماج والتأقلم السريع مع العمل". وختمت النقبي حديثها: المرأة الإماراتية سواء كانت موظفة أو ربة منزل فإنها قادرة على صنع النجاح، ولذلك لا بد من استثمارهن الأمثل لأوقات فراغهن، وتحقيق أحلامهن إلى واقع معاش وإن تأخرن في ذلك. لكن ذلك لن يتحقق إن لم تجد المرأة التعاون والمساندة الكافيين من بقية أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأزواج.

دعم الزوج يذلل الصعاب

وحول تفهم زوجها لطبيعة عملها بالتمريض، أكدت: زوجي "فهد عبدالله الخوري" أكبر داعم لي، فهو من دفعني للسعي وراء حلمي بالدارسة في معهد التمريض بالفجيرة، ويسر لي كل إجراءات الالتحاق به. مؤكدة مساندته لي في كل خطوة لتحقيق هدفي، بالرغم من معارضة أهلي لهذه المهنة حتى بعد زواجي. مضيفة: أن الضغط الكبير هو في كيفية توزيع مهامي وواجباتي المنزلية والعملية والدراسية، إلا أن إصراري ومعونة زوجي وتفهمه ساعدتني كثيراً على تجاوز ذلك. وأدين بقدرتي على توزيع أولوياتي ومتطلبات حياتي إلى والدتي وزوجي.

طريق وتحديات

العمل والضغط المتواصل لا يعنيان لي شيئا، إلا أن نظام الورديات "المناوبة" من أكبر الأمور المقلقة التي تواجه الممرضة، فضلا عن الراتب الذي لا يغطي الاحتياجات الأساسية بناء على تقسيم وقتي في العمل وجهدي وبدل تفرغي لإدارة بيتي ورعاية زوجي وأولادي الذين يكبرون وتكبر متطلباتهم واحتياجاتهم، ويصير الأمر أكثر تعقيدا بعد الحمل. مشيرة: أحيانا أواصل العمل لساعات طويلة، كما أن أوقات كثيرة تفرض ضغوط العمل ومتطلبات الأسرة على الممرضة أن تختار بين الوظيفة أو الأسرة، فتجد نفسها بين خيارين أحلاهما مر. علما أنني عانيت بادئ الأمر من صعوبة التواصل لغويا مع الممرضات والأطباء من الجنسيات الأخرى بالرغم من إلمامي بالحيثيات الأساسية لهذا المجال.

إن مهنة التمريض تتطلب القناعة بها كوظيفة، والارتياح النفسي في المقام الأول، وثانيا التركيز في العمل بضمير، والهدوء المطلق في الأعصاب حتى يتم التكيف معها منذ البداية لأنها مهنة إنسانية في المقام الأول، وإن عالم المرضى مليء بالأسرار، فالشفاء ليس بالدواء ولن يكون العلاج الكافي إذا لم يصاحبه عطف وحنان ودفء من قبل الأطباء والممرضين. فالتمريض مجال اقتحامه وممارسته ليس سهلا، وخصوصا أن أمزجة بعض المرضى ونفسياتهم قد تثور لأتفه الأسباب.

توجيه وتكافل

تواجه مهنة التمريض عزوف البعض عنها، والسبب الأساس في الانصراف عنها أنها مهنة تجعل المنتسبات إليها أمام تحدٍ كبير للبقاء لكون المنتسبة، أنثى وزوجة وأماً وربة بيت وعليها مسؤوليات كبيرة تجاه أسرتها وتربية أبنائها وعلاقاتها الاجتماعية، مما يتطلب توفر ظروف مناسبة للتوفيق بين كل ذلك والتعامل بروح المسؤولية معها، وتضع مكافآت عادلة لعطائها اللامحدود وعرفانا بخدماتها الكبيرة من دون أن تفرض عليها وعلى نفسها عزلة اجتماعية وتفصلها عن أقرب الناس إليها. وبالرغم من النمو المتسارع والتطور غير المسبوق لنظام الرعاية الصحية في البلاد، إلا أن ذلك لم يهون صعوبة هذه المهنة، لأنه ليس لدى كل شخص القدرة على العطاء، إلى جانب النظرة الخاطئة إزاء المهنة، كما أن الرواتب المخصصة لها لا تتناسب والمجهود المبذول فيها.

جهود وزارة الصحة الدافعة

جهود وزارة الصحة في هذا الشأن ملحوظة، حيث وضعت اختيارات أمام الممرضات المواطنات اللاتي تتعارض فترة عملهن مع أُسرهن، وذلك باختيار فترات صباحية للعمل داخل أقسام المستشفى. وعليه لا بد من تواصل دعم الدولة لتشجيع الكوادر الوطنية على العمل في مجال التمريض، من خلال الحوافز المادية والمعنوية وتغيير ثقافة المجتمع وبالأخص أولياء الأمور بالتعريف بدورها وأهميتها، لكونها مهنة إنسانية نبيلة وضرورية ومهمة، إلى جانب أنها مهنة تقدم الخدمة للمجتمع وممارستها تحتاج إلى خبرات أكاديمية وعملية كبيرة، فلم تعد مثلما كانت في الماضي تعتمد على الممارسين من غير المتعلمين أو حاملي الشهادات المتوسطة أو الجاليات الأجنبية، حيث هناك معاهد عليا متخصصة وكليات لتخريجهم. والتمريض ليس مهنة إنسانية فقط بل مهنة وطنية تحتاج إلى كوادر شابة تحب العمل بها في ظل النهضة الشاملة التي تشهدها الدولة التي بحاجة إلى كافة الكوادر المحلية والوطنية في المجال الطبي بمختلف تخصصاته.

أجمل المواقف

باشرت عملي في قسم النساء والتوليد في رأس السنة الميلادية الحالية وكنت في شهري الأخير من الحمل، حيث انتابتني أوجاع الولادة بشكل مفاجئ، لأشهد ولادة ابني الثامن في هذا اليوم ليكون ذا وقع خاص وغير متوقع.