تهدف المبادرة الوطنية طويلة المدى في دولة الإمارات، والتي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، تحت شعار "اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة"، إلى بناء اقتصاد أخضر وجعل دولة الإمارات أحد الرواد العالميين في هذا المجال، ومركزا لتصدير وإعادة تصدير المنتجات والتقنيات الخضراء، إضافة إلى الحفاظ على بيئة مستدامة تدعم نموا اقتصاديا طويل المدى حيث تشمل المبادرة مجموعة من البرامج والسياسات في مجالات الطاقة والمياه والاستثمار والنقل المستدام إضافة إلى سياسات بيئية وعمرانية جديدة تهدف لرفع جودة الحياة في الدولة.

ويحتاج العالم اليوم إلى مثل هذه المبادرات التي يمكن من خلالها اعتماد الطاقة المتجددة بدلاً من الوقود الأحفوري الذي يتم استخراجه من باطن الأرض، حيث تساهم المعدلات المرتفعة لعمليات استخراج واستهلاك الوقود الأحفوري في تغيير المناخ وتلوث الهواء والاضرار بالبيئة الطبيعية للمجتمعات بشكل مباشر. وأمام هذه التحديات تجد دبي نفسها مسؤولة عن البدء بدفع عجلة التحول إلى اعتماد مصادر الطاقة المتجددة كمصدر بديل للطاقة، الأمر الذي يتطلب بذل الكثير من الجهد لتحقيق التحول المطلوب في السياسات ذات الصلة وسلوك الاستهلاك وإدارة الطاقة بالشكل الأمثل والذي يؤمن الاستدامة في مجال الطاقة على المستوى العالمي.

وتسعى دولة الامارات لأن تكون مركزا عالميا ونموذجا ناجحا للاقتصاد الأخضر الجديد، بما يعزز من تنافسيتها واستدامة التنمية التي تعيشها ويحافظ على بيئتها للأجيال القادمة. وتشمل مبادرة الاقتصاد الأخضر التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ـ رعاه الله ـ ستة مسارات رئيسية تغطي مجموعة كبيرة من التشريعات والسياسات والبرامج والمشاريع حيث يشمل المسار الأول منها قطاع "الطاقة الخضراء"، وهو مجموعة من البرامج والسياسات الهادفة لتعزيز إنتاج واستخدام الطاقة المتجددة والتقنيات المتعلقة بها، بالإضافة لتشجيع استخدام الوقود النظيف لإنتاج الطاقة والعمل على تطوير المعايير وتعزيز الكفاءة في استهلاك الطاقة في القطاعين الحكومي والخاص.

وتعد دبي نمودجا ناجحا للاقتصاد الأخضر، ويظهر ذلك جليا من خلال مشاركاتها الفعالة على المستوى العالمي في العديد من الفعاليات، وسعيها الدائم إلى قيادة القطاع من خلال وضع الأطر التنظيمية عالمية المعايير، وعقد المنتديات والمؤتمرات التي تستقطب خبراء القطاع والمهتمين فيه من جميع المستويات ومن مختلف الأصعدة والمناطق الجغرافية، وإطلاق المبادرات عالمية المستوى لترسيخ مكانتها ولتؤكد اهتمامها بالبيئة واستدامة الطاقة.

مسيرة النمو

وضمن رؤية 2021، تهدف دولة الامارات إلى بناء اقتصاد متنوع وقائم على المعرفة والابتكار يتم من خلاله المحافظة على موارد الدولة الطبيعية والبيئية، الأمر الذي يعزز من موقعها التنافسي في الأسواق العالمية وخاصة في مجالات الطاقة المتجددة والمنتجات والتقنيات المعنية بالاقتصاد الأخضر. إن مسيرة النمو القادمة للدولة ستتركز في الطاقة الخضراء وعلى تنويع مصادر الطاقة والحفاظ على البيئة، حيث إن المسار الأول الطاقة الخضراء الذي يأتي ضمن المسارات الستة الرئيسية لـ"مبادرة الاقتصاد الأخضر" التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يهدف إلى تعزيز إنتاج واستخدام الطاقة المتجددة والتقنيات المتعلقة بها، بالإضافة إلى تشجيع استخدام الوقود النظيف لإنتاج الطاقة والعمل على تطوير معايير كفاءة إدارة الطاقة في القطاعين الحكومي والخاص.

وبالإضافة إلى المسار الأول، فهناك المسار السادس الذي لا يقل أهمية عنه في مبادرة الاقتصاد الأخضر، حيث يشمل قطاع "التكنولوجيا والتقنية الخضراء" ويركز على تقنيات التقاط وتخزين الكربون بالإضافة إلى تقنيات تحويل النفايات إلى طاقة، وبما يسهم في تلبية بعض احتياجات الطاقة، وهو ما يقلل من استخدامات الطاقة اليومية واستهلاكها بالنسبة للشركات أو الأفراد من دون التأثير في الإنتاج النهائي. وبدأت حكومة الامارات ممثلة بوزارة الاقتصاد بدراسة كيفية استقطاب الاستثمارات الاجنبية الى القطاعات المحركة للاقتصاد الأخضر وتحديداً في مجال التقنيات المتطورة الداعمة لهذا التوجه وتوظيف هذه التقنيات في خدمة المشاريع الوطنية في الدولة الداعمة لمفهوم الاقتصاد الأخضر.

الطاقة الخضراء

ومنذ تأسيسه عام 2009، يعد المجلس الأعلى للطاقة بدبي الجهة المسؤولة عن ضمان تأمين إمداد الطاقة لإمارة دبي والتخطيط الفعال لقطاع الطاقة، وتنظيم حقوق وواجبات مقدمي خدمات الطاقة وتعزيز فعالية التكلفة وجودة الخدمات المقدمة لإمداد الطاقة وترشيد استهلاكها والتأكيد على الاستدامة البيئية.

ويسعى المجلس إلى دعم النمو الاقتصادي في دبي من خلال تأمين إمدادات الطاقة وضمان فعالية استخدامها مع تلبية المتطلبات البيئية وتحقيق أهداف استدامة الطاقة من خلال رؤيته التي تسعى لجعل دبي مثالا يحتذي به العالم في أمن الطاقة وفعاليتها.

وينظم المجلس العديد من المبادرات العالمية في قطاع الطاقة، فقد احتضنت دبي الدورة الأولى من منتدى دبي العالمي للطاقة في العام 2011، والتي شهدت إقبالا كبيرا من الخبراء، والمسؤولين الحكوميين ورواد القطاع، وكان من بين المتحدثين الرئيسيين فيه آنذاك الرئيس الهندي السابق، البروفيسور أبو بكر زين العابدين عبد الكلام، والدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة، ومن المتوقع أن تكون دورة المنتدى الثانية والتي تعقد في الفترة ما بين الخامس عشر والسابع عشر من شهر أبريل المقبل برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أكثر أهمية وتنوعا. وسيناقش المنتدى في دورته لهذا العام أبرز قضايا الطاقة والبيئة والاستدامة بشكل أكثر تفصيلا حيث تأتي هذه الدورة من المنتدى استكمالا لمسيرة النجاح الذي حققه المنتدى في دورته السابقة.

واحتضنت دبي في اكتوبر الماضي منتدى الطاقة العالمي، الذي عقد لأول مرة خارج مقر الامم المتحدة في نيويورك تحت شعار "منتدى لقادة العالم"، وناقش المؤتمر الحاجة إلى طاقة آمنة ومستدامة ومتاحة لكافة شعوب العالم، بغرض ترسيخ دعائم التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة، حيث يعتبر توفر الطاقة شرطا أساسيا لدفع عجلة التقدم والتنمية، وخلص المنتدى حينها بالتوقيع على "وثيقة إعلان دبي"، التي تؤكد التزام زعماء الدول وصنّاع القرار باستدامة الطاقة، فيما تقرر أن يكون يوم الـ22 من أكتوبر من كل عام، يوماً عالمياً للطاقة المستدامة.

وتتكامل أهداف منتدى دبي العالمي للطاقة مع توصيات مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة "ريو + 20"، التي صدرت تحت عنوان "المستقبل الذى نريده"، لرسم خارطة طريق للتنمية المستدامة على الصعيد العالمي بالاعتماد على مفهوم "الاقتصاد الاخضر".

ومن الأولويات الاستراتيجية للمجلس الأعلى للطاقة بدبي السعي من خلال توجهه الاستراتيجي الفعال إلى تحقيق خفض في استهلاك الكهرباء والمياه، ودفع مشروعات الطاقة المتجددة التي تعود بالنفع الاقتصادي على البلاد الى الامام مع وضع الإطار التنظيمي وتطبيق التقنيات اللازمة. ويسعى المجلس إلى تحقيق ذلك من خلال وضع السياسات والأنظمة الخاصة بالقطاع وإدارة العرض والطلب.

ومن ضمن الإجراءات التي قام بها المجلس في هذا الخصوص، إطلاقه حزمة من الحوافز لأصحاب المباني بهدف إعادة تأهيل مبانيهم للتوافق مع نظام المباني الخضراء لتشجيعهم على نشر هذا النوع من الطاقة التي تساعد على تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، حيث أكد المجلس أن جميع المباني الجديدة بحلول عام 2014 ستكون خضراء إلزامياً، على اعتبار أن مصادر الطاقة الشمسية الموزعة على أسطح المباني يمكن أن تسهم بشكل عملي في سد جزء من احتياجات دبي من الطاقة، لذا تحرص الإمارة على منح حوافز تشجيعية لأصحاب المباني الذين يبادرون إلى استغلال هذه الطاقة.

وبما أن الطاقة الشمسية المصدر الاستراتيجي والمتجدد الأهم في الدولة، فمن هذا المنطلق تواصل إمارة دبي وضع الخطط اللازمة في مجال الطاقة الشمسية للاسهام بشكل كبير في توفير احتياجات دبي من الطاقة خلال السنوات القادمة.

ويضع المجلس الأعلى للطاقة بدبي حاليا استراتيجية دبي لخفض ثاني أكسيد الكربون والتغير المناخي، ووضع منظومة للمراقبة والتدقيق وإعداد التقارير، حيث يضع مركز دبي المتميز لضبط الكربون إطاراً عاماً لعملية الرصد والتدقيق في إمكانية إعداد التقارير الخاصة بالانبعاثات، التي ستمكن الجهات المعنية من رسم خط الأساس بالنسبة إلى مستويات الانبعاثات الحالية. كما يعمل على آلية التطوير النظيف، إلى جانب تطبيق أفضل الممارسات في مجال خفض الانبعاثات الكربونية في إمارة دبي.

 

أمن الطاقة

 

تتطلع الإمارات إلى تنويع مصادرها من الطاقة بهدف التقليل من الأثر البيئي وتحقيق أمن الطاقة. وتركّز دبي الآن على الغاز في إمدادات الطاقة، وذلك لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال تنويع مصادر الطاقة وإدراج مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 1 % في عام 2020 من إجمالي طاقة الإمارة، وبحلول عام 2030 من المقرر أن تصـــل نسبـــة استخــدام الطاقــة المتجـددة في مجــال توليــد الكهربـــاء إلــى 5 %، بالإضافة إلى 12 % للطاقة النووية و12 % للفحم النظيف والنسبة المتبقية 71 % باستخدام الغاز. كما يسعى المجلس الأعلى للطاقة إلى تحقيق مبادرة إدارة الطلب على الطاقة للوصول إلى خفض الطلـب بنسبــة 30 % بحلول عام 2030، وبالتالي تحقيق خفض كبير في الانبعاثات الكربونية.

 

المشاريع الخضراء بداية على درب الطاقة المستدامة

يظهر اهتمام إمارة دبي جليا في تحقيق رؤية القيادة الرشيدة في اقتصاد أخضر من خلال مجموعة المشاريع والمبادرات الخضراء عالمية المستوى التي تم تحقيقها خلال هذه الفترة القصيرة منذ انطلاق المبادرة. ومن أهم تلك الأمثلة المبنى المستدام التابع لـهيئة كهرباء ومياه دبي، والذي تم افتتاحه في منطقة القوز مؤخراً، حيث يعد أكبر مبنى حكومي في العالم يحصل على التصنيف البلاتيني الخاص بالمباني الخضراء، ويوفر هذا النوع من الأبنية الكثير من الطاقة.

ومن المشاريع الأخرى البارزة في هذا السياق، مشروع "مجمع الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية" الذي سيعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى ألف ميجاواط عند اكتماله، ويضم مركزا لأبحاث الطاقة وأكاديمية للطاقة المتجددة حيث يعد الأكبر من نوعه إقليمياً وإحدى العلامات البارزة في استراتيجية دبي المتكاملة للطاقة. إذ من المقرر أن تصل نسبة استخدام الطاقة المتجددة في دبي بحلول عام 2030 إلى خمسة في المائة.

أما بلدية دبي فتملك عدداً من البرامج الداعمة للبنية التحتية للاقتصاد الأخضر، فقد قامت بوضع معايير البناء الأخضر، واستخدامات الطاقة الشمسية، وإدارة وتدوير النفايات الصلبة والإلكترونية، ومعالجة المياه وغيرها من البرامج الرائدة في المنطقة.

في حين تعمل هيئة الطرق والمواصلات على إنجاز بناء شبكات طرق ووسائل نقل جماعي عالية الجودة، بالإضافة إلى البرامج التحفيزية الموجهة للجمهور لاستخدام المواصلات العامة وجائزة النقل المستدام لتحفيز الجهات الحكومية والخاصة للمشاركة في التخفيف من استخدام المركبات الخاصة وتشجيع الابتكار إلى جانب خططها الاستراتيجية لمضاعفة عدد مستخدمي المواصلات العامة وتحقيق أعلى معدلات كفاءة للطاقة.

وجاء الإعلان عن استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء ضمن منظومة تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة مع الاهتمام بالاعتبارات البيئية وصولا لأهداف التنمية المستدامة. وينبع من حرص الدولة على مستقبل الأجيال القادمة للبلاد الأمر الذي حدا بها إلى تبني سياسات الاقتصاد الأخضر لضمان بيئة مستدامة، حيث تدمج الاعتبارات البيئية في كل مراحل العملية الاقتصادية لينتج عنها تحسن في رفاهية الإنسان وتحقيق لمستويات أفضل من الرفاه الاجتماعي المرتبط باستدامة الموارد البيئية والطاقة المتجددة. وقد أولت رؤية الإمارات 2021 اهتماما كبيرا بالاقتصاد الأخضر باعتباره أداة رئيسية لتحقيق هدف الرؤية في أن تكون دولة الإمارات إحدى أفضل دول العالم في هذا القطاع بحلول عام 2021.

وتؤكد استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء على ضرورة تبني النماذج الاقتصادية الجديدة والاستفادة من نموذج تعتمد التنمية فيه على المعرفة والابتكار عن طريق الاستثمار في العلوم والتكنولوجيا والأبحاث، كما تؤكد على ضرورة تحقيق النمو المتوازن عبر حزمة من مصادر الطاقة المستدامة التي تساعد الإمارات في لعب دور مهم في مجال الطاقة البديلة والمتجددة.