مساعدة الناس شغف تتطلع له، وطموح جعلها تجوب العالم، وتبحث في ثناياه عما يخدمهم، فلم تجد أجمل من أن تنتشلهم من دوامة الضغوط التي يعاني منها الصغير والكبير، ومن دون الحاجة إلى زيارة مستشارين نفسيين وجلسات متعددة، هذا ما دأبت عليه الإماراتية هالة كاظم في مشروعها "رحلة التغيير" التي تهدف إلى تخفيف وطأة الضغوط التي تواجه الأشخاص في العمل والمنزل وفي مختلف مجالات الحياة، ومن منطلق مسؤوليتها المتعددة كجدة وزوجة وأم وموظفة وجدت أن المرأة أكثر من يتعرض للضغوط نظراً لمسؤولياتها الكثيرة والواجبات التي تقع على عاتقها، لذلك عملت على توجيه مشروعها لمساعدة المرأة.

دافع

وعن المشروع قالت كاظم إن هدفها أن تساعد المرأة نفسها، ورسالتها أن تحب المرأة ذاتها، لأن ذلك يعزز دافعية الإنجاز لديها في شتى مجالات الحياة، ويزيد من تفاؤلها وترابطها مع أبنائها وزوجها وأقاربها وجميع من حولها، مستندة بذلك على مقولة (فاقد الشيء لا يعطيه) فإذا الشخص افتقد حبه لنفسه فإنه لن يحب الآخرين، وعن تأثير الضغوط على المرأة أكدت أنها إذا لم تتخلص منها بصورة إيجابية فإن ذلك سوف يؤثر على إنتاجيتها وربما تتسبب في تصدع علاقاتها مع جميع من ترتبط بهم.

نمط الحياة

أكدت كاظم أن برنامج رحلة التغيير جاء لمساعدة المرأة لتغير نمط حياتها بصورة إيجابية عن طريق الاستشارات وورش العمل والمشي حول العالم، وتغيير مفهوم السفر الذي ربطه العديد بالتجول في المدن والمقاهي والمراكز والأسواق، مشيرة إلى أن برنامجها يقوم على اكتشاف الطبيعة والتجول في أرجائها والمشي لمسافات بعيدة بين الجبال والمنحدرات والثلوج حتى تتسم الرحلة بالمتعة والإثارة، ويكون فيها مجال لمراجعة النفس، وصفاء وإنعاش للذهن يتيح للإنسان إعادة ترتيب أولوياته وأفكاره.

وأشارت إلى أن مشروعها يعتمد بشكل أساسي على الس``فر إلى بعض الدول، وتسعى بذلك إلى فصل المرأة عن مختلف الضغوط والمشكلات التي تعاني منها، وإبعادها بشكل تام عن الروتين الذي تعيشه، لافتة إلى أن الإنسان إذا ابتعد عن الروتين أو الضــغوط التي يعاني منها بشكل نهائي يمكنه التركيز على نفسه بصورة أكبر. وأكدت أن الدول التي تضعها في خارطة برامجــها تقوم بزيارتها مسبقاً.

تجربة أولى

أول تجربة خاضتها هالة كاظم في هذا المجال كانت بمشاركة ثلاث نساء إماراتيات، وكانت الوجهة حينها إلى النمسا، حيث واجهت في هذه الرحلة تحديات كثيرة لكونها التجربة الأولى، ولكن بعزيمة من رافقنها تمكنت من تذليل الصعوبات واكتشفت العديد من النقاط التي لا بد من توفرها في الرحلات التالية، وفيما يخص الفروقات التي شهدتها تجربتها الأولى مقارنة مع رحلتها الأخيرة أكدت أن هناك فروقات كثيرة وتغيرات جذرية في مضمون رحلاتها، وفي كل رحلة تتعلم دروساً جديدة تساهم في تطوير قدراتها، مشيرة إلى أن خلال العامين المنصرمين تمكنت من اكتساب صداقات وخبرات أهلتها لعمل ورشات نظرية في الدولة.

 

تنظيم الوقت

أكدت هالة كاظم أن هناك العديد من الممارسات التي من الممكن أن يلجأ لها الشخص أو يلتزم بها للتخفيف من ضغوط الحياة، تبدأ بتحديد الأولويات، ورسم ملامحها بصورة واضحة، والنوم لساعات كافية، وتناول الغذاء الصحي المناسب، والمواظبة على تخصيص وقت للتمارين الرياضية والمشي، إضافة إلى ضرورة تخصيص ساعات يجلس فيها الشخص مع نفسه بعيداً حتى عن أقرب الأشخاص له، وذلك من أجل مراجعة النفس وترتيب الأولويات والأهداف، مشيرة إلى أن سوء تنظيم الوقت هو السبب الرئيسي للضغوط.

إيثار وصلابة

أشارت كاظم إلى أن أكثر ما أبهرها خلال رحلاتها، شخصية المرأة الإماراتية، التي يضرب بها المثل في قدرتها وقوة تحملها وعزيمتها في الوصول إلى الأهداف التي تضعها نصب عينيها، وهذا ما لمسته من خلال تحملهن للمشاق وبذلهن مجهودات كبيرة في هذه الرحلات ربما تفوق طاقاتهن التي يدركنها، إضافة إلى روح المودة والتعاون التي تبرز في هذه الرحلات، والكرم والحرص والخوف على بعضهن على الرغم من أنها قد تكون المرة الأولى التي يتقابلن فيها.

 

تركيز ومرونة

أضافت كاظم أن البرنامج يرتكز على زيارة لإحدى الدول لمدة لا تقل عن أسبوع، تتخلل هذه الزيارة بعض الورش والنقاشات والمشي الذي يزيد في بعض الأحيان على 100 كيلو متر وفي تضاريس مختلفة، إضافة إلى التعرف على عادات وتقاليد هذه الدول وطبيعتها الخلابة، مشيرة إلى أن المشي في الطبيعة بحد ذاته مهم جداً للحالة النفسية، حيث يطهر الجسم من كل السموم ويعمل على تحسين النفسية. وأما النساء التي تصطحبهن فأكدت أن عددهن لا يتجاوز العشرة، ومن أعمار مختلفة، وذلك حتى يتسنى لها التركيز عليهن بشكل أكبر وتحقق الأهداف من الرحلة بصورة مرنة، كما أنها تقابل النساء الراغبات في السفر معها قبيل موعد السفر بمدة زمنية، لتوضح لهن معالم الرحلة وبرامجها، وترشدهن لجميع التفاصيل قبل أن تبادر هؤلاء النساء بالسؤال عنها، كما توجههن لشراء احتياجاتهن بما يتناسب مع طبيعة الرحلة، مشيرة إلى أن كل رحلة تختلف عن الأخرى في نوع الأحذية والملابس والحقائب.

 

الاستمتاع بالحياة علم وفن  

من شمال ولاية نيويورك المكتظة أكتب لكم اليوم وكلي إعجاب واستعجاب بسيكولوجية الحياة التي يسلكها نخبة من الشعب الأميركي، لم أتوقع يوماً بأنني وبأية مرحلة من مراحل حياتي سوف أتجه لدراسة علم النفس بالتفصيل، لكنني اليوم وبمحض المصادفة أجدني أجلس وسط قاعتين إحداهما تُدرس علم النفس المختص بأنماط الشخصية والأخرى تتحدث عن فروعه كلها بمجملها، من الإكلينيكي إلى البيولوجي مروراً بالتجريبي. القاعة الأولى يديرها البروفيسور الرائع آندرو إيليوت، هذا البروفيسور محاضرته تعد من إحدى مُتع اليوم بالنسبة لي وسأكشف الستار عن السبب لاحقاً.

أما بالحديث عن المُتع أفَليست الحياة كلها مُتعُ بمُتع؟ وألسنا نعد الاستمتاع منهج حياة؟ لا تستهجن هذا التعبير أيها القارئ الجميل، نعم حياتنا قائمة على المتعة متى ما نحن أردنا ذلك فعلاً، مسألة الاستمتاع باليوم على وجه الخصوص والحياة ككل قرار شخصي نابع منك وحدك فأنتَ وأنتِ تحددونه متى ما قررتم العيش على قدر الجمال الذي تستحقونه، والذي أراده لنا ربنا، إنه أسلوب حياة به نبض وإيقاع، أن أستمتع يعني أن أعيش، أن أعيش يعني أن أستمتع حتى لو كنت مُجبراً!

ترفيه

بروفيسوري الأميركي آندرو يخصص فترتين منفصلتين في المحاضرة التي مُدتها ساعة واحدة فقط ليرفه بهما عن طلبته، الفترة الأُولى تحتوي على اعتراف؛ يعترف به أمام الطلبة لأول مرة ويقوم بذلك بشكل مستمر وعلى نحو يومي، فكان أول اعتراف أدلى به أمامنا؛ هو كيف التقى بزوجته الحالية وكيف تقدم لخطبتها، وظل يتحدث عنها وعن الموهبة الفذة التي تمتلكها هي كما أقر هو بنفسه وعلى درجة عبقريته ودهائه بعدم امتلاكه لمثلها بأي شكل من الأشكال، على الرغم من أنه نال شهادة الدكتواره وما فوقها لكنه أصر على أن زوجته ألمع وأكثر تميزاً منه. هي التي تعمل مدرسة للموسيقى أو "فوكاليست" .

كما يُحب أن يسميها هو باسم يليق بها عِنده لا سواه، كما أنه لا يزال وقد أنجزنا سوياً إلى الآن أكثر من عشر محاضرات متتابعة يتحدث عنهما سوياً وعن عائلته الصغيرة بتفاصيلها الأكثر بساطة وجمالاً من لحظة التقائه بتلك الزوجة إلى عفوية انجابهما طفله الأول، مع العلم بأنهما قد أتمّا أكثر من سبعة وعشرين عاما معاً لا يزال يتحدث بشغف بالغ عنها، وهو ولشدة الغرابة بذاكرته الاستثنائية هذه اعترف لنا يوماً بأنه لا يمتلك هاتفاً خلوياً، ولم يكن يمتلك واحداً من قبل، مع أنه شخص أنيق قلباً وقالباً ولا تنقصه مادة أو ذوق ليشتري لنفسه واحداً ويواكب خلق الله الذين لا شغل لديهم ولا عمل في يومنا هذا يعيقهم عن الالتهاء والانهماك التام في هذه الأجهزة التي وضعت لتيسير الحياة لا للتحكم فيها، وأظنه علم يقيناً ومسبقا بما تسلبه هذه الأجهزة من تفاصيل وبهاء لم يعد يُخلق مُجدداً على هذا العالم.

أما فترته الثانية فتكمن في عرض اختبار شخصية يساعد الطلبة على معرفة أنفسهم بعدسة أقرب، فكانت طريق الاستلقاء والتهيئ للنوم واحدة من تلك الطرق، ولها تحليلها، والطريقة الاخرى حول كيفية أكل بسكويت الأوريو، وهو اختبار آخر على حِدة، وغيرها من الاختبارات الممتعة حقاً، وكأنه بهذه التقسيمة يطرح على المنصة الفترة الأولى تكون له والأُخرى لنا، وبالواقع كل ما يقدمه هو لنا؛ لأنه يضرب مثالا حيا على رجل يعرف معنى الاستمتاع حق المعرفة، حتى استمتاعه بالماضي حاضراً.

مفاجأة

قاعتي الثانية ضجت بسرعة فائقة وسط استنكار بعض الطلبة في أول محاضرة لنا حينما فاجأتنا بروفيسورة علم النفس الاجتماعي خريجة جامعة دوك الشهيرة "إسترادا" برغبتها في اختبارنا ونحن لم نقرأ حرفاً من هذه المادة بعد، أمسكنا بالورق فكانت الأسئلة بالترتيب كالتالي: هل تظنون بأني متزوجة؟ كم عمري؟ ما نوع السيارة التي أمتلكها؟ ما هو فيلمي المفضل؟ وأخيراً ماذا أفعل في وقت فراغي؟ خمسة أسئلة لا أراها بعيني سخيفة بقدر ما أراها مضحكة لأنها مُذُ أن دخلت علينا وهي تحاول بقدر استطاعتها جعلنا نستمع للوائح والنظم التي تريدها داخل القاعة حتى أوهمتنا بأنها جدية لدرجة مخيفة ولكنها مسلية.

نكهة بيتيّة

إليوت" و"إسترادا" ليسا وحدهما من يمتلكان سيكولوجيا الأميركان اللذيذة، بل حتى جدة صديقتي التي كانت تعمل في وظيفتين مختلفتين في آن واحد، بعد وفاتها بفترة قام المطعم المجاور لمنزلها بإرسال باقة ورود ضخمة لأهل صديقتي كتعزية على رحيل الجدة؛ فاستغربوا الهدية غير المتوقعة، حيث إن الجدة لم تكن تعمل في هذا المطعم، ولا صلة لها به على حد معرفة اسرتها الأمر الذي دفعهم لسؤال المطعم عن ليفسر لهم إرسال الورود، فاتضح أن الجدة لم تكن تطبخ أبداً نظراً لانشغالها بالوظيفتين، وكلما جاء الأبناء للزيارة كانت تطلب الأكل من هذا المطعم، وتغير الأطباق مستخدمة أطباق مطبخها، فتصنع لهم مذاقا من اللذة بأوانيها المنزلية الحميمة، مخفية بذلك أزمة ضيق الوقت لديها، ومعززةً قدرتها على إدارة برنامج الحياة بمُتعة.