من الطبيعي جدا أن تلتقي بشخص يهوى تربية الحيوانات الأليفة، فهو موضوع يبدو مألوفا عند البعض ومن الهوايات التي اعتاد عليها الإنسان ولا يدعو للاستغراب، وكما لم تغدو عملية الحفاظ على حيوانات مفترسة وتربيتها داخل المنزل وفي حدود النطاق العمراني هو أمر مستغرب وملفت للنظر رغم مخالفته اللوائح والقوانين. لكن المواطن بدر المريخي الذي يقطن في مدينة كلباء التابعة لإمارة الشارقة اتخذ طريقا مختلفا ورسميا في هوايته التي جعلته باحثا في علم الحيوانات البرية المحلية وتحديدا "الوشق" موفرا لها بيئة شبيهة لبيئتها الطبيعية بنسبة تصل إلى أكثر من 80 %.

البدايات

أوضح المواطن بدر المريخي عن بداياته في عالم الطبيعة والتي كانت في سنة 1989، منوها إلى أنه "صقار" في الأصل، ويعتبر من أوائل "الصقارين" في المنطقة الشرقية، ويهوى كل ما هو متعلق بالبيئة المحلية وبالأخص الطيور المحلية النادرة منها، مشيرا في هذا الجانب إلى إنتاج أكثر من 300 طير سنويا من نوع "الحجل الجبلي" أو كما يطلق عليه محليا "الإصبا".

ويواصل المريخي أو كما يطلق عليه "باحث الوشق" مسلسل مغامراته مع هذا الحيوان التي بدأ بتتبع آثاره في منتصف التسعينات، وبالأخص عندما قرر تبنيه عند إمساكه ليعيش معه، وسط عناية كبيرة منه ومن أسرته التي اعتادت هذا التعايش الخطر، لافتا إلى أن الغريب في الأمر أن أبناءه وأقاربه لم يستغربوا هذا الخطوة، بل أحبوها وأنهم يقضون وقتا في مشاهدتها بعد اتخاذه إجراءات الأمن والسلامة تضمن حياتهم.

ذاكرا أن خبرته في هذا المجال وشجاعته وحبه للمغامرة جعلته يكتسب من تربيته له قدرا كبيرا من فهمه والتعامل معه من دون أن يسبب له ذلك أي أذى. لافتا في التعليق في محاولته مهاجمته: "إن الرغبة الحقيقية في التعايش مع تلك الحيوانات، شرط أساسي لكي تألفها، ولكل حيوان نقطة ضعف، يمكنك من خلالها ضبط سلوكه إن شذ في بعض الأحيان".

وعن كيفية حصوله على قط "الوشق"، قال: "في الأغلب من أصحاب الأغنام التي قد يهاجمها، ويقتل منها الكثير، حيث يطلب مني الحضور إلى المنطقة لتقصي أثرها والعمل على تخليصهم من هذه المعضلة". حيث يؤكد تلقيه استغاثات من سكان المنطقة، وبات علما في مناطق الساحل الشرقي وخصوصا في المناطق الجبلية والداخلية نتيجة خبراته مع هذا الحيوان البري، والتي تحولت لاحقا إلى تخصص محترف لما تتطلبه من خبرة ومهارة خاصة، كما أن لها قواعد وأصولاً محددة.

وأصبح ملاذاً لأولئك الذين يعانون من الهجوم المباغت "للوشق" على أنعامهم من خلال افتراس الأغنام، والسطو على حظائر الدجاج من دون أن تجد من يردعها، مستكينة إلى الرعب الذي تدخله في قلوب السكان الذين لا يقوون على مواجهتها حتى لو امتلكوا السلاح. فيقوم بتلبية الاستغاثة وغالبا ما ينجح في تخليص هؤلاء السكان من شره بالمحافظة عليه، مطالبا بعدم قتل هذه الحيوانات البرية ومؤكدا في الوقت ذاته، أن عملية صيدها لا تشكل عنده أي خوف أو هلع، بل على عكس ذلك. حيث بين كيفية الإحاطة به وكيفيه تعامله معه سواء في موقع الحادثة، أو عندما يقتاده بعد الإمساك به، ووضعه في المكان المخصص له بعد توفير بيئة مناسبة لهذا الكائن وطرق تغذيته والغذاء المناسب له وطريقة تعايشه.

دوافع وأسباب

وعن أسباب توجهه إلى هذا الاختصاص، أشار إلى أن الأهالي في القديم كانوا يحرصون على حماية حيواناتهم ( كالأغنام والدواجن والأبقار ) من الافتراس من قبل الحيوانات الأخرى المفترسة، بحيث كانوا يتخلصون منها بعد صيدها بطريقة عشوائية. إلا أنه أكد بأنه لا توجد حاليا حاجة إلى محاربة مثل هذه الحيوانات وقتلها بطريقة عشوائية وبالتحديد النادرة منها بواسطة السموم والأسلحة النارية. لذا فهو يحاول قدر المستطاع المحافظة عليها والاهتمام بها عقب الترصد لها بنصب الفخاخ الآمنة التي تحافظ على بقائها حية دون إصابتها بأي سوء، وذلك من منطلق ما تحققه لنا من راحة نفسية ومتعة عند مشاهدتها، إضافة إلى دورها في المحافظة على الحياة الفطرية والتوازن البيئي. مشددا على المواطنين بضرورة الحفاظ على هذه الثروة البيئية التي تنعم بها الدولة دون قتلها بالصيد الجائر أو التخلص منها.

موضحا أنه أصبح من النادر مشاهدة "الوشق" في مناطقها نظرا لطبيعته الانطوائية واقترابه من الانقراض. واصفا طبيعته بأنه يمتاز بفروه القصير الأحمر المائل إلى الصفرة والمتدرج إلى اللون الأبيض في منطقة الذقن والعنق، وآذانه المنتصبة التي يحيط بها فرو أسود. ويعيش في المناطق الجافة ذات الطبيعة الصخرية التي تحفها الشجيرات الصغيرة والأحراش، والتي تخلو من وجود الإنسان. وهناك أنواع مختلفة لهذا الحيوان الذي يعيش في شبه الجزيرة العربية وشرق آسيا ومناطق في أفريقيا وأيضا أميركا الجنوبية.

تنسيق مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة

كشف بدر المريخي عن ملاحظة هامة تخص التنسيق والمتابعة مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية التابعة لحكومة الشارقة بطبيعة عمله في حماية هذا الحيوان النادر والفريد، مؤكداً أنه لا يعارض عملهم في هذا المجال عبر حماية الكائنات الفطرية الحيوانية والنباتية المهددة بالانقراض ومنتجاتها، لاسيما أنه لا يقوم بقتل "الوشق" أو اصطيادها بالتجول في الجبال لرصد أوكارها أو تقصي أثرها بل يعتني بها ويطعمها عندما يستنجد به للإمساك بها وتخليصهم من شرها.

وأكد أن التكاليف التي ينفقها على تربية الحيوانات في محميته الخاصة لا تتجاوز 1000 درهم أو أقل من 1% من دخله، يصرفه على شراء أدوية وأغذية وإشراف بيطري. وقال: "لا أنسى تعاون صديق لي لتوفير وجبات غذائية مجاناً من مزرعته للدواجن. وفي بدايات تربيتي لهذه الحيوانات، كان عدد منها يموت، إلا أن الآن هناك نظاماً وقواعد في الإشراف عليها. ورغم ذلك فأنا ارفض استثمارها ومصرٌ على عدم بيع أي حيوان، أو عرضها مقابل مبلغ من المال. وأنا سعيد بهذه المجموعة واعتبرها سبباً رئيسياً لسعادتي في الحياة وبالأخص عزمي على تكاثرها وزيادة توالدها، ويكفي بأن تكون متنفساً لأهله وضيوفه وسبباً في الترويح عنهم". فهو يردد دائماً بأن أجمل أوقاته، تلك التي يقضيها مع حيواناته.

والأهم من ذلك انه يحمي دواجن وانعام المزارعين من هجمات الوشق وافتراسه لها.

رغبة وهدف

وعن الهدف الرئيسي في امتلاك هذا الحيوان وتربية الطيور المحلية، أوضح بقوله: "إن كل شخص له طبعه وله هدف من رغبته في تربية الحيوانات الأليفة والمفترسة، غير أني لا أتعمد الصيد والترويض بقصد الهواية أو التجارة أو المباهاة، ولكن هي تبقى تخصصاً في التعمق والبحث في هذه السلالة من الحيوانات البرية التي تكاد تنقرض". وأضاف أن تعلقه في الاحتفاظ بها ينبع من الحماية لهذا النوع من الحيوانات وذلك يتمثل في إمكانه تسليمها للجهات المعنية في حال طلب منه ذلك، لافتاً إلى طبيعة تعاونه مع تلك الجهات.

طموحي الأهم

يشير المريخي في حديث خاص لـ"البيان" إلى أنه يسعى لإنتاج وتوليد هذا الحيوان نظراً لطبيعته الانطوائية وصعوبة تزاوجه، من خلال وضعه في أجواء بعيدة عن تلك الأجواء التي يعيشها في الغابات والجبال، مؤكداً أنه خاض هذه التجربة من قبل ونجح فيها. وعن طموحه الأهم الحصول على مزرعة لامتلاك وتربية مجموعة كبيرة من الحيوانات والطيور البرية المحلية، والعمل على توالدها وتكاثرها بالطرق والنظم العلمية المعمول بها محلياً ودولياً، وأن يقوم بالتوسع في الفكرة وإنشاء محمية مصغرة لها تضمن تكاثر "الوشق" المحلي بوجه خاص

حيوانات وطيور متنوعة

 

يقول المريخي عن المجموعة التي يملكها حاليا: "أملك عدداً من الوشق العربي والأفريقي"، إلى جانب عدد من الطيور البرية والجارحة من البيئة العربية كـ (الحبارى، الكروان، القطا، العرم، الإصبا، الحجل العربي، حمام البر الجبلي، الراعبي، القمري، الصفرد ).

 

«وشق» الجزيرة العربية كائن ليليّ يعشق الوحدة

«الوشق» حيوان من العائلة القطية وثاني أكبر القطط في الجزيرة العربية وأكثرها مراوغة وغموضاً، كما يتميز بعدم وجود البقع والخطوط على جسمه ويختلف لون جسمه حسب البيئة التي يعيش فيها. وهو وحش هادئ جداً عندما يكون غير جائع، وهو في النهار لا يخرج أبداً خارج وكره ولكنه يخرج في الليل للصيد ويقتات من دماء فريسته بعد وضع علامة تمكنه من الرجوع لها مرة أخرى وقتلها. ومن الصعوبة المطلقة السيطرة عليه لأنه انعزالي بطبعه عاشق للوحدة ويبقى لسنوات دون تزاوج.

كما أنه سريع جداً، وله حاسة شم قوية جداً تميز فريسته وبالذات الخائفة، ومن صفاته أنه يلوذ بالهرب إذا اقترب منه الإنسان، فهو لا يجرؤ على مهاجمته إلا في حال رغب في الإمساك به، فهو ينقض فقط على فريسته من الحيوانات الأليفة، ويشاهد كثيراً في أوقات الصيف عندما يقل منسوب المياه بالمناطق الجبلية والرعوية وتجف الشجيرات التي يعتمد عليها في الاختباء وتختفي الحيوانات التي يتغذى عليها". والذكر أكبر حجماً وخطورة عن انثاه ومن الممكن أن يقتلها وصغيرها، إلا أن الأنثى تكون أشرس عندما يتعلق الأمر بالاقتراب من صغارها.

وعن الحوادث المؤسفة في التعامل مع هذا الحيوان، والتي قد تكون هددت حياته، أشار المريخي إلى أنه لم يصادف الكثير منها، إلا أنه مع بدايات احتضانه له فقد عدد منه لعدم إلمامه الكافي بكيفية الاعتناء به أو ترويضه للعيش في بيئة غير بيئته الأصلية بالرغم من خلفيته الكاملة عنه.