كشف المستشار زكي نسيبة نائب رئيس هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، عن ذكرياته مع قصر الحصن، خلال الجلسة الثانية من منتدى قصر الحصن الذي تنظمه مؤسسة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان خلال مهرجان قصر الحصن الذي انطلق الخميس الماضي، وذلك عصر أمس الأول في قصر الحصن بأبوظبي بحضور الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة ابوظبي للسياحة والثقافة، كما استعرض المصور الأمريكي جاك برلوت تجربته في الإمارات، وعرض العديد من الصور التي التقطها قديما، والتي تشكل جزءا من تاريخ الإمارات.
القصر المهيب
وقال نسيبة: "عندما وصلت من لندن للإقامة في أبوظبي في عام 1967 كان قصر الحصن هو المعلم الرئيس في الجزيرة، رمز السلطة والحكم والهيبة" مشيرا إلى أن الحصن هو مقر الحكم التاريخي لأسرة آل نهيان، ومحور الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد ومحط أنظار سكان المدينة، وتابع: "ما سأقدمه سجل لبعض الحكايات والروايات الشخصية المرتبطة بهذا القصر الذي سمعت وصفا له لأول مرة من والدي، الذي كان قد زار أبوظبي في العام 1963 حاملا رسالة من الملك حسين إلى الشيخ شخبوط، وذكر لي والدي صعوبة الدخول من الكوة الصغيرة في بوابة القصر الكبيرة، وذلك لأنه كان يستعين برجل اصطناعية نتيجة إصابته في حرب فلسطين وشعر بامتنان عندما أمر الشيخ شخبوط بفتح البوابة الكبيرة حين علم بذلك".
وعن تجربته قال نسيبة "شاهدت القصر لأول مرة بالصدفة في زيارة خاصة أثناء إجازتي من المدرسة الداخلية التي كنت أدرس فيها في بريطانيا، وعلى إثر تلك الزيارة الخاطفة، بدأت بقراءة كل ما وجدته في لندن، من كتب الرحالة الأوروبيين الذين زاروا المنطقة، مثل بيركهاردت وزويمر وثيسجر ورودريك أوين، والذين وصفوا لقاءاتهم مع شيوخ آل نهيان وهم يشيدون بمنظر القصر المهيب، الذي كان يشد أنظار الزوار".
زايد الأسطورة
في العام 1968 كانت تجربة زكي نسيبة الأولى في دخول القصر، ويحكي عنها قائلا: "أتيحت لي فرصة تاريخية لإجراء حوار تلفزيوني مسجل لمخرج بريطاني مع الشيخ زايد، وكان ذلك في باحة القصر الداخلية وارتعت في بادئ الأمر أن أواجه الشيخ زايد في لقاء صحفي، وهو الحاكم العربي، الذي صار اسمه أسطورة تتردد على لسان الجميع، وأذكر أنني وصلت إلى البوابة الخشبية لقصر الحصن، ومعي فريق التصوير، ودخلنا في اتجاه الباحة المظللة بالأشجار داخل القصر، وكان الشيخ زايد يجلس على أريكة خشبية، ويحيط به لفيف من رجال القبائل والأعيان والزوار، وكان المنظر يدخل الرهبة في النفس عند الاقتراب من هذه الشخصية الأسطورية التي كانت تشع بهالة من الصلابة والسلطة والجاذبية القيادية".
واستكمل نسيبة ذكرياته قائلا: "عندما دخلنا المجلس وأدينا التحية، فإذا بالحاكم العربي الجليل يقف لملاقاتنا، ويصافحنا جميعا ثم يخبرنا أنه جاهز لإجراء الحديث التلفزيوني، وكشفت المقابلة بشكل واضح مهارة الشيخ زايد المشهودة في نقل الأفكار والآراء بشكل مقنع وجذاب»، واسترسل: "سأضع المقابلة في شكلها التاريخي، وذلك بعد استلام الشيخ زايد مقاليد الحكم في أغسطس من عام 1966 وكان عليه مواجهة تحديين مصيريين الأول بناء الدولة وتأسيس البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، في كل المجالات والمضامين مع عدم توفر الطاقات المحلية من حوله» أما التحدي الثاني كما كشف نسيبة فكان في قرار الحكومة العالمية البريطانية، غير المتوقع في عام 1968 بإنهاء مظلة الحماية في الخليج وذلك من دون التهيئة لهذا القرار ومن دون أن تكون للإمارات المشتتة آنذاك الإمكانات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تستطيع أن تؤمن مستقبلهم في منطقة تحتل موقعا استراتيجيا في غاية الأهمية الدولية وهي تعج بالخلافات والنزاعات الحدودية والثورات المدعومة في الخارج.
رؤية وطموح
ولفت نسيبة إلى أن الشيخ زايد عبر عن خططه ورؤاه وطموحاته في الحديث عبر عدة محاور واستند المحور الأول الذي كان إلى قناعة راسخة بان الطريق نحو المستقبل يجب أن يقوم على بناء الاتحاد، لتحقيق رفاهية سكان الإمارات، ولتأمين مظلة وقائية تعزز سيادة واستقلال البلاد بعد الانسحاب البريطاني، أما المحور الثاني فكان يرتكز على قناعته العميقة بأن واجبه المحتوم هو أن يقوم بدور الأب الحنون، على أهله ووطنه، لتحسين وسائل المعيشة لشعبه ولتأمينهم بكل متطلبات الحياة العصرية.
ولفت نسيبة إلى أن من بين رجال الصحافة الذي دأبوا على زيارة البلاد في تلك الفترة كان هناك مصور فرنسي ترك لنا سجلا حافلا بالصور لتلك الحقبة، ومنها صورة قصر الحصن وقصر الخبيرة، الذي بني على مقربة من قصر الحصن لاستقبال الوفود الخليجية الرسمية، الاتحادية الرسمية. وتظهر إحدى الصور التي التقطها آلان وجود غزال في حديقة الجناح العائلي للقصر. وهي تدل على اهتمام الشيخ زايد بالبيئة.
موظفو القصر
أشار زكي نسيبة إلى موظفين عملوا في قصر الحصن منهم عصام كبرا، الذي وفد إلى أبوظبي في العام 1963 والتحق بالقصر كمسؤول مالي، وداوود السكسك الذي وفد إلى أبوظبي عام 1962 وعمل في القصر كمسؤول إداري وبطرس منا مسؤول البنك العثماني الذي وفد إلى أبوظبي عام 1962 وكان يأتي مع المديرين الأجانب لمقابلة الشيخ شخبوط، ويبلغهم قبل كل لقاء أنه إذا وجه الحاكم إليكم سؤالا محددا عليهم ألا يتبرعوا بالإجابة عنه إلا إذا كانوا واثقين من الحقائق لأن الشيخ شخبوط قد يوجه السؤال ويعرف الجواب لكنه يريد التأكد من صدق محدثه.
مركز الوثائق يرصد شفاهياً مع كبار السن تاريخ القصر
يجري فريق متخصص من الخبراء والفنيين في قسم التاريخ الشفاهي في المركز الوطني للوثائق والبحوث، خلال مهرجان قصر الحصن حالياً، مقابلات مع كبار السن الذين عاصروا مرحلة قيام الدولة لاستقصاء الحقائق التاريخية والمرويات التراثية حول القصر بشكل خاص وأبوظبي بشكل عام.
وأكدت الدكتورة عائشة بالخير، مديرة إدارة البحوث والخدمات المعرفية بالمركز، أن ذلك يأتي استكمالاً لمشروع المركز في توثيق ذاكرة الوطن الذي يلقى دعم وتأييد القيادة الحكيمة التي تحرص على توثيق ذاكرة الوطن وسير قادته المؤسسين العظام وماضي القصر الذي يعد معلماً تاريخياً ومنارة للماضي، مشيرة إلى أن قصر الحصن يأتي في أولويات اهتمام المركز كونه رمزاً لتحالف قبائل بني ياس ودليلاً قاطعاً على حكمة آل نهيان الكرام، فمنذ بنائه في عام 1761 وضع التصور المبدئي لاتحاد الإمارات.
وولفتت بالخير الى ان المرويات والذكريات التي تربط الإماراتيين بالزمان والمكان هي جزء من أحداث الوطن.. مضيفة أن المركز أعد استوديو خاصاً لتسجيل المقابلات الشفاهية بالصوت والصورة في قصرالحصن الذي تثريه روايات كبار السن.
وتابعت بالخير أن فريق المركز المختص بالتاريخ الشفاهي يقوم بتوعية جمهور المهرجان بأهمية التاريخ الشفاهي في استكمال جوانب مهمة لم يرصدها التاريخ المكتوب عن الدولة ومنطقة الخليج.
ونوهت بأنه يتم التعريف بجائزة المؤرخ الشاب وأهميتها في تعزيز الولاء والانتماء الوطني بهدف مشاركة طلبة مرحلتي التعليم الثانوي والأساسي لزيادة اهتمامهم بالبحوث التاريخية المتعلقة بتاريخ الوطن وتراثه، وتابعت: "يتم في هذا السياق أيضا توزيع كتاب المركز (قصر الحصن.. تاريخ حكام أبوظبي 1793-1966 بنسختيه العربية والإنجليزية".
