كل يوم سبت من كل أسبوع هو اليوم المفضل للتسوق وما يحمله من متعة التنقل من مركز الى آخر وبخاصة في مراكز التسوق الضخمة والفخمة التي تشتهر بها دبي.
في خضم بحر البضائع العصرية الراقية والمغرية، استفزني مشهد لرجل ستيني أشيب الشعر رث الثياب منكبا على ابرة كبيرة وخيط سميك يخيط أحذية معطوبة تارة يركب نعلا وتارة يرقع جلدا، بينما وقفت بقربه زبونة أوروبية من الطبقة الراقية ويبدو ذلك من هيئتها وهندامها الأنيق، ما يثير التساؤل.. ترى هل يوجد اليوم من يمتهن هذه الحرفة؟
والأعجب أن تكون في مجتمع الامارات وتحديدا في الشارقة التي لا تجد فيها من هم في هذا المستوى البسيط من الناس، أو ممن يعمل في هذه المهنة وبخاصة بالقرب من أحد أكبر وأهم وأشهر مراكز التسوق في الامارة.
اقتربت من الرجل ذي الشعر الأشعث للتأكد من أنه فعلا يعمل في هذه المهنة، وأن هناك من الناس من يقومون حقا بترقيع وتصليح أحذيتهم بينما الجميع اليوم يتخلص من حذائه لمجرد خدش واستبداله في الحال لوفرة المعروض وتنوعه وجودته.
مشهد الاسكافي منهمكا في عمله وله زبائنه وفي الشارقة يثير الفضول، فلربما يكون من المخالفين لشروط الاقامة في الدولة. استمر الحال لفترة طويلة كنت كلما انطلقت لممارسة هواية التسوق السبتية أراه في الوضع نفسه والمكان نفسه منهمكا في ترقيع وتصليح الأحذية المستعملة. تجرأت ذات مرة واتجهت نحوه فوجدته يلملم عدته ويمضي. غير أنني في سبت آخر أخذت أراقبه من بعد ما انتظرته لساعة مغادرته لأتجه نحوه واستوقفه فكانت المفاجأة أنه أنهى عمله والتفت الى كيس أبيض بجانبه ثم نزع قميصه البالي الملطخ بمواد التلميع والزيوت، وأخرج من الكيس قميصا في منتهى الأناقة، وأخرج مشطا وزجاجة عطر أيضا، ثم نهض شخصا مختلفا تماما والدهشة تتملكني، وبمجرد أن استعدت ادراكي وهممت بالتوجه اليه واذ به يندفع نحو سيارة "لكزس" فاخرة توقفت له فجأة ليدلف داخلها بسرعة وتنطلق به.
استبد بي الفضول أكثر وأصبح الرجل مادة مقصودة لأعرف حكايته، والتناقض بين الهيئتين. فهل هو مخالف أم متسول أم هاو أم مختل أم ماذا؟
كلها أسئلة استبقيتها الى سبت آخر، وحين رأيته ذهبت مباشرة ولم أضع الوقت، حاولت التحدث اليه، لكنه أشعرني بأنه لا يفهم من كلامي شيئا، فتبرع أحد الأشخاص ويبدو أنه يعرفه جيدا، فأجابني أن الرجل ثري ولو أنه يعمل "اسكافي"، لكنه يملك في بلده متجرا للأحذية، لكن سمعة الامارات أغرته بالمجيء، لكنه صدم من واقع الإيجارات المرتفع، وشغف قلبه بالبلد، فعمل في مهنة قريبة من تخصصه، وهو اليوم يمتلك عمارة في بلده من .. الأحذية.
