بعض ذوات الشخصيات القوية من النساء يوصفن بالمتسلطات، لشدة تحكمهن في قرارات الأسرة، وغالبا في قرارات الأولاد. وفي التاريخ العديد من القصص التي تدل على أمثال هؤلاء النسوة. وكثيرا من هذه النماذج كان لها الأثر الكبير في تحديد حياة أولادهن، وتغيير وجهات سيرهم 180 درجة بتدخلهن في تقرير مصائرهم، ومما لا شك فيه أن تدخلهن في الغالب نابع من محبة ومن قلق على الاولاد من اختياراتهم التي حسب نظرة الأمهات قد لا تتوافق مع ثقافتهن وثقافة أولادهن خاصة مع اختلاف بيئات النشأة حين تكون القضية عاطفية، فتكون النتيجة فاشلة.
علما أن الكثير من الأولاد في - العقود الماضية بالطبع - كانوا على درجة من البِر بآبائهم وأمهاتهم، بحيث لا يردون لهم طلبا حتى لو كان لا يتوافق مع رغباتهم، ولا مع استعداداتهم وطموحاتهم، بل حتى وإن حكم عليهم بالتعاسة لبقية عمرهم.
ومن أولئك الذين حباهم الله بأم متسلطة؛ عجوز اسمه "بانفيو" من سكان آسيا الصغرى، جاء "بانفيو" إلى اليونان وأقام بها، فأحب فتاة يونانية ورغب بالزواج منها؛ ولكن أمه اعترضت بشدة ورفضت هذا الزواج بتاتا، ولم يناقش الابن الشاب والدته، ولم يصر على تنفيذ رغبته في الزواج ممن يهوى فؤاده فيثير غضب أمه عليه، ويحزن قلبها، وما كان منه إلا حمل حزنه في نفسه وغادر المدينة برمتها، وسكن أعالي الجبال وبقي هناك وحيدا.
وإذا أراد أحد أقاربه زيارته، كان عليه قضاء مدة ساعتين سيرا على الأقدام ومتسلقا الجبال للوصول إلى "بانفيو" المعتزل في أعالي الجبال، وهو الموقف الذي اهتدى إليه احتجاجا على موقف الوالدة. عاش الشاب حوالي خمسة وخمسين عاما حتى شاخ، متخليا عن تكوين أسرة وصنع سلالة تحيي نسله وذكره، فصار عجوزا. وطوال تلك الفترة لم يتخل "بانفيو" عن معتزله، وظل محتفظا بحبه الأبدي، ومكتفيا بالعيش على منتجات أربعين خروفا كان يمتلكها.
