37 بلاغاً شهده النصف الأول من العام الماضي

الانتحار.. جريمة مستوردة يرتكبها العاجز

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

الانتحار هو ذلك الفعل الشيطاني الذي يسوق النفس إلى طريق الموت والهلاك بلا هوادة، فيجري الإنسان إلى طريق قاتمة السواد ظناً منه أن هذا هو الحل والخلاص لإنهاء المشكلة سريعاً والتخلص منها إلى الأبد. وإن كان هذا المعتقد صحيحا، لما حرمت الديانات السماوية هذا القرار الشاذ وجرمته القوانين والأنظمة في المجتمعات الدولية، فحري بنا أن نتساءل، كيف يجرؤ ان العقل والنفس معاً على انتزاع الروح عنوة، ومن هو المتهم الأول في هذه الجريمة النكراء .. هل هو العقل أم الجهل أم الظروف المادية والاجتماعية التي عصفت بالفرد ومهدت الطريق له نحو الجحيم.

جريمة مستوردة

العقيد جمال سالم الجلاف نائب مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية بشرطة دبي، يقول إن جريمة الانتحار تعتبر جريمة مستوردة راسخة في عقول مرتكبيها، ولها دوافع متشابهة وأساليبها أيضا متشابهة بل متطابقة ويتسم المنتحر بطابع الاكتئاب والإحباط من أمر عجز عن تحقيقه أو مشكلة عجز عن حلها، وتتجمع أفكاره وتنصب نحو طريقة للخلاص من الحياة.

ويوضح أن أهم الأسباب المؤدية للانتحار هو الإحساس بالمهانة والإذلال والاضطهاد والديون المالية التي يعاني منها في مجال العمل وتنحصر في فئات العمال، والإدمان على تعاطي المواد المؤثرة في العقل "المخدرات" فيما يتعلق بمدمني المخدرات، مفيداً أن الخلافات الأسرية هي سبب آخر للشروع في الانتحار، إضافة إلى المعاناة من مرض ما، أو إصابة أي من الأطفال بمرض عضال، ولا تجد الأم حينها أو رب الأسرة وسيلة للهرب من ذلك سوى الإقدام على الانتحار.

ويناشد العقيد جمال الجلاف المسؤولين وأولياء الأمور بمراعاة الظروف النفسية أو الاجتماعية أو الصحية أو الاقتصادية لرعاياهم، حيث إن ضعف الوازع الديني يؤدي بأصحاب النفوس الضعيفة العاجزين عن مواجهة الحياة، ويدفعهم نحو الانتحار اعتقاداً بأنه الخيار الأمثل للحصول على الراحة الأبدية.

العقوبة بالحبس

وينوه العقيد جمال الجلاف إلى أن القانون في دولة الإمارات يجرم عملية الشروع بالانتحار حيث نصت المادة (335) من قانون العقوبات الاتحادي رقم (3) لسنة 1987 وتعديلاته لسنة 2006 على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر أو الغرامة التي لا تتجاوز خمسة آلاف درهم أو بالعقوبتين معاً كل شخص يشرع في الانتحار، ويعاقب بالحبس كل من حرض آخر أو ساعده بأية وسيلة على الانتحار إذا تم الانتحار بناء على ذلك.

ويستطرد: إن قتل النفس أو الانتحار هو سلوك إنساني معروف عبر التاريخ وتشترك فيه كائنات أخرى عندما تختار أن تنهي حياتها بنفسها بدل الموت لأسباب حتمية، كما تعود أسباب الانتحار لعدة عوامل نفسية ناتجة عن تأثير الظروف الاجتماعية المحيطة بالشخص الذي يقدم على الانتحار، وتنتشر هذه الظاهرة في الدول الغربية أكثر منها في دول العالم الإسلامي، ولكن الانتحار ليس حلاً لأية أزمة أو مشكلة، ويمكن أن نلتمس النور وسط السواد الحالك المحيط بنا، والخروج من النفق المظلم وانتصار رسالة الحياة، وهذا الحل يتفق مع المنظور الإسلامي للتعامل مع البلاء والشدائد والتحلي بالصبر والثبات.

أساليب الانتحــار

ومن خلال رصد حالات الانتحار التي سجلت بدفاتر الشرطة، يرى الجلاف أنها لا تختلف عن تلك التي تحدث في مختلف البلدان الأخرى، ومنها على سبيل المثال، ربط العنق في مكان مرتفع بواسطة حبل أو قطعة قماش أو سلك ويثبت في سقف الغرفة أو عمود السلالم في الفلل أو مروحة السقف، وهذا النموذج شائع بين الرجال وخاصة في مناطق العمال.

وأيضاً من الطرق والأساليب المتداولة، تناول حبوب بكميات كبيرة أو أخذ جرعات من الصبغة أو مبيد الحشرات أو مطهر "ديتول" أو أي من المواد السامة، وهو أسلوب تنفذه الفتيات كونه في متناول اليد وتوفره بسهولة داخل المنزل، إضافة إلى طريقة أخرى تتمثل في تقطيع شرايين الساعد في اليدين أو الأوردة بـ"شيفرة" أو آلة حادة ويحدث أن يتم داخل الغرف الخاصة بالمنتحرين أو دورات المياه، ويتجه إلى هذه الطريقة غالباً وينفذها الشباب رجالاً ونساءً خاصة من المدمنين على تعاطي المخدرات.

ويلفت إلى أنه ثمة غيرها الكثير من الأساليب المتبعة، ومنها إضرام النار في الجسم بعد سكب مادة تزيد الاشتعال وهذا الأسلوب قل عن السابق، وإلقاء الجسم من علو بناية والسقوط من هاوية استسلاما للمعاناة وهذا الأسلوب تنفذه الفتيات وقلما يبدر من الرجال.

انتحر بملابسه وحالات تستدرها العاطفة

 

يسرد العقيد جمال الجلاف نائب مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية بشرطة دبي بعض القصص والحكايات التي توالت على أسماعه ومنها أن رجلا حكمت عليه المحكمة بالسجن المؤبد بينما حكم هو على نفسه بالإعدام شنقا حتى الموت بعد تسع سنوات.

وتعود تفاصيل الواقعة إلى رجل قتل فتاة وبعد أن قتلها بيديه كاتماً أنفاسها حتى الموت، ظل داخل السجن محبوساً لتسع سنوات بعد أن أصدرت المحكمة بحقه السجن المؤبد، وتوالت الأيام حتى تسلل ضعف الإيمان وأقدم على الانتحار، وقام بتقطيع ملابسه ليصنع منها حبلاً تعلق به من سقف الزنزانة ولقي حتفه. وفي قضية أخرى، يشير الجلاف إلى أن أحد العمال الآسيويين جاء للعمل في الدولة غير أنه عند وصوله لمطار دبي لم تكن حالته الصحية تسمح بالدخول، مما تعذر إدخاله للدولة، وأُستدعي الكفيل لإعادته، غير أنه لم يتم التحفظ عليه بشكل محكم، ووجد السانحة وصعد على علو 12 مترا وقام بربط ملابسه في عنقه وانتحر معلقاً جسمه في إحدى السقالات، ولم يتم التعرف عليه إلا بعد ساعات، لافتاً إلى أن رجلا أوروبيا عالج مشاكله بالقفز من الدور الـ24 بمنطقة النخلة.

 

74

يشير العقيد جمال سالم الجلاف إلى أن إحصائيات جريمة الانتحار، في عام 2011 شهد 74 بلاغ انتحار و64 بلاغ شروع في الانتحار، بينما شهد النصف الأول لعام 2012 عدد 37 بلاغ انتحار و37 بلاغ شروع في الانتحار. بين كل100 ألف فرد في العالم تظهر 12 حالة ما يعادل 800 ألف حالة سنوياً على مستوى العالم.

طباعة Email