دعت خطبة الجمعة أمس، إلى التحقق في معنى التوكل على الله تعالى، بعدم التطلع لما في أيدي الناس، فمن توكل على مولاه، حفظه الله جل في علاه، ومنعه من الشيطان في دنياه، ووسع عليه في الرزق، وساق له ما يرجوه ويتمناه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً».

وذكرت أن التوكل على الله سبحانه منزلة عالية من منازل الدين، وهو تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد في جميع الأحوال عليه، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به، مع الأخذ بالأسباب، وذلك بأن يعلم العبد أن الله قد تكفل برزقه وأمره، فلا يركن إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه.

وأضافت الخطبة أن الله سبحانه أمر عباده بالتوكل في مواضع عديدة، وأثنى على أهله في آيات كثيرة، وذلك لأن التوكل سبب لاستحقاق محبة الله عز وجل، قال الله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين)، فالتوكل حال الأنبياء عليهم السلام في السراء والضراء، قال الله تعالى حكاية عنهم: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون)، وهو سبيل المؤمنين لربهم، قال عز وجل حكاية عنهم: (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير). وأشارت الخطبة إلى أن الله سبحانه وتعالى خاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً) فكان صلى الله عليه وسلم إماماً للمتوكلين في أقواله وأفعاله، وفي دعائه وسائر أحواله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت». ومن رضي بالله تعالى وكيلاً، وجد إلى كل خير سبيلاً، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو على هذه الآية: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه) حتى فرغ من الآية، ثم قال: «يا أبا ذر، لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم».

وأضافت أن التوكل على الله هداية للقلب واطمئنان، ووقاية من الشيطان، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التوكل في الغداة والعشي، ويذكرنا به مع كل فجر جلي، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت. فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟» فلا سلطان للشيطان على المتوكلين، قال تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون). وذكرت الخطبة أن التوكل من أعمال القلوب، ولا تعارض بينه وبين العمل واتخاذ الأسباب، فالتوكل محله القلب، والأسباب محلها البدن، وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هذين الأصلين، فقال لأحد أصحابه: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، فحثه على الأخذ بالسبب، وأمره بطلب الاستعانة من الله سبحانه.

التوكل والأخذ بالأسباب

فالتوكل همة وجد وأسباب، ودعاء بالتوفيق من رب السماء، وقد دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ناقته بغير رباط، ثم قال: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». أي خذ بالأسباب وتوكل على الله، فلا نترك العمل ونتمنى على الله الأماني.

وذكرت أن قوماً فهموا التوكل على غير معناه، فتركوا الأخذ بالأسباب، وكانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نتوكل على الله وهو رازقنا. فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فنزلت: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا من المال والطعام.