لا يمكنها نسيان الأيام التي كان فيها والدها رحمه الله يعيد تدوير الأدوات القديمة ويعيدها في قالب جديد، فحينما يرى ثلاجة هرمة محشورة في زاوية المنزل يحولها إلى طاولة فخمة تجذب الأنظار.

انتقلت بذرة الابتكار إلى ابتسام منذ الصغر، فكانت كثيراً ما تنحت الحجر إلى شكل فني. ولا تهمل البواقي من المواد القماشية أو الورقية أو المعدنية أو الخشبية، ولا تلك المستهلكة، أو المعطوبة فكلها بين يدي ابتسام تصبح تحفة مفيدة، وهي الطريق التي اتخذتها إلى بوابة الفن التشكيلي عبر الحرف اليدوية، فالتزمت بها دون كلل أو ملل، وبلغ بها الأمر إلى القول بأن شغف التراث والفن التشكيلي دفعاها إلى التفكير بالنجارة.

إنها ابتسام عبد الرحمن المسلم، سيدة مغموسة في عمق التراث حتى الغرق، تحيط بها تفاصيله من كل جانب، تلتصق به بإخلاص لتعزز به شكل الهوية وحق الانتماء.

 

حياكة وغزل

ومن إعادة تدوير المواد المستخدمة إلى المواد الخام، وقد دأبت المسلم على شراء قصاصات القماش من المصانع تستخدمها في صنع بعض اللوحات الفنية، فضلاً عن حياكة السجاد وغزله بما يزيد على عشرين لوناً.

تعمل المسلم في بيت الألعاب الشعبية في منطقة الشارقة التراثية، ولعل الزوار الأجانب حسب ما تؤكد أكثر الفئات التي يثير إعجابها النحت وفن التشكيل لا سيما لوحات القماش، وكانت قد باعت مجموعة من هذه الأعمال وبأسعار جيدة.

برصدها لردود أفعال الزوار أثناء مشاهدة أعمالها، ترى من بعضهم الاعتقاد بأنه لا يحتاج إلى جهد، بينما يدرك متذوقو الفن صعوبة هذا العمل ولذلك يعرضون عليها شراء منتجاتها بأسعار مرتفعة.

 

الكركوشة والمقصَّر

من بين هذه المصنوعات التي تحيكها المسلم "الكركوشة"، والتي كانت تستخدم قديماً للأطفال، وعرائس صغيرة موشحة بثوب تقليدي من التراث الإماراتي، واستطاعت توظيف أزياء العرائس في تغليف عبوات المياه والزجاجات الصغيرة التي توضع على الطاولة. إضافة إلى حياكة "دشاديش" كان يرتديها الأطفال قديماً ويطلق عليها "المقصَّر"، كما تصنع أكياس للاحتفال "بحق الليلة" وهي مناسبة تحتفل بها الأسر الإماراتية في النصف من شعبان.

وتستغرق بعض المنتوجات التي تصنعها المسلم نحو شهرين وأكثر، وهذه الأشياء التي تستغرق وقتاً طويلاً يصعب عليها بيعها نتيجة الجهد والوقت اللذان تحتاج إليهما العملية.

مشاركاتها في مركز الحرفيين سابقاً، ساهمت في تنمية موهبتها، إذ التقت بالكثير من السيدات والأمهات المنتجات، ولاحظت أن انتاج الواحدة منهن لا يتعدى قطعة أو قطعتين في اليوم الواحد نتيجة استخدام أدوات بدائية تهدر الوقت وتحتاج إلى إعادة صنعها من جديد، واستطاعت من جهتها أن تختصر الطرِيق على جميع السيدات بتوفيرها أدوات جاهزة، مما أدى إلى مضاعفة انتاج القطع.

 

عزوف الشباب

وتلاحظ المسلم أنه قلما نرى الشابات الاماراتيات في هذا المجال، نتيجة ازدحام الحياة بالأعمال والتصور المسبق بأن هذا العمل لا يدر دخلاً مجديا، وسيطرة فكرة- بأنه مجرد هواية.

وهو الأمر الذي دفعها إلى أن تطالب بإنشاء معاهد خاصة بالحرف اليدوية تصقل مواهبهن في التشكيل للحفاظ على موروث يكاد يندثر، مشيرة إلى أن الزيارات التي تقوم بها المدارس إلى المتاحف وكبار السن لا تعدو عن كونها زيارات عابرة لا يستقي الطلبة منها الكثير.

وتشير إلى أنه لابد من خلق فرص لتشجيع المواطنين على الاهتمام بالصناعات التقليدية القديمة والموروث عبر جهة تسوق لهذه الأعمال بمناشدة الفنادق والمواقع السياحية كي يخصصوا مكانا خاصا يعرضون من خلاله منتوجاتهم إذ تستقطب هذه السلع السياح الأجانب.

 

تعليم التراث

قدمت المسلم عدة دورات حول كيفية حث الطفل على الفن ونقل شغف الابداع إلى وجدانه وقلبه، وهذا ما تمخض عنه في وقت لاحق تعلق أبنائها والأطفال الآخرين بالرسم على الحجارة والنقش عليها.

وقد تفاجأت يوما بلوحات فنية معلقة على جدار المنزل، وتبين أن أطفالها صنعوا هذه الأعمال الفنية من قصاصات الورق والأقمشة.

 

الكتب الاجنبية

ومما ساهم في صقل موهبتها، تقول المسلم إن الكتب الأجنبية كان لها الدور البارز في إثرائها بكيفية تطوير الأشياء المستهلكة وإعادة تدويرها، وأهمية اختيار الألوان واستخدام الأدوات بطرق مختلفة.

وأسهم اطلاعها المستمر على هذه الكتب في حفظ المصطلحات الأجنبية الخاصة بالحرف اليدوية، واستخدمت ما تعلمته في شرحها للزوار الأجانب.

لم تتوقع المسلم أن حبها لهذا الفن سيتحول من مجرد هواية إلى تجارة تديرها في منزلها، وقادها أيضاً هذا الهوس بالتراث والابداع إلى التفكير في تصميم الديكور وخاضت تجارب وأشرفت على تصميم ديكور مطابخ صديقاتها، ودفعها حب التشكيل إلى التفكير حيناً تعلم النجارة.

تحلم المسلم بأن يكون لها مشغلا خاصا في المستقبل، تديره برفقة مجموعة من العاملين والهواة، وتتمنى بأن يكون هذا المشغل حافزا لغيرها من المواطنات نحو إنتاج الحرف اليدوية والفنون التشكيلية والاهتمام بها.

 

واجب وطني

تلقت يوما من بعض الجاليات كلمات تثير المخاوف والقلق، إذ حذرها الكثيرون من خطر اندثار هذا الموروث جراء عزوف الشابات المواطنات عن الانخراط في الحرف اليدوية القديمة، فبدأت بنفسها من باب الواجب الوطني والمجتمعي إضافة إلى شغفها بالمجال نفسه، لتسهم في الحفاظ على هذا الموروث الجميل.

هوية مندثرة

 

ترى ابتسام المسلم أن لكل بلد هوية تختلف عن البلد الآخر ليس في الزي فقط وإنما في الأثاث والديكور أيضاً، ووجدت أن للخليج بصورة عامة هوية مختلفة عن سائر دول الوطن العربي.

ولعل من الأشكال التي تتميز بها الإمارات ودول الخليج عموماً، الأبواب الخشبية القديمة والنقش المحفور على المقاعد والأسرّة، فضلاً عن البراويز التي تتوشح المرايا، مشيرة إلى انتمائها لإحدى دول الخليج.

وتشدد المسلم على ضرورة الاحتفاظ بهذا الطابع الخاص بنا، لافتة إلى أنها بحثت كثيراً عن مقاعد خشبية من التراث القديم، وبعد رحلة بحث شاقة؛ وجدت ضالتها في مملكة البحرين.