كلما دخلت البناية التي أسكنها، لا أجد حارس البناية على مقعده في المدخل، إلا ما ندر، لكن بمجرد أن ناديت باسمه ولو همسا، يقفز فجأة أمامي.

الفضول الصحافي وضع الحارس تحت المجهر، فبانت ملامح شخصية "البنغالي" الذي تجاوز عمره الستين، بحزوز الزمن ترسم على وجهه البؤس والتعب، بينما اشتعل رأسه شيبا مع انحناءة ظهر تنوء بأحمال لا يتوقف عندها مئات الساكنين.

المثير في "البنغالي" الذي لم يكن له حظ من التعليم أنه لم يدخر من وسائل التكنولوجيا شيئا لإتمام مهمته على أكمل وجه.

ذات يوم ناديته "سالم" فأتاني صوته على الفور من دون أن أراه فحان أوان فك اللغز:

قال : أعمل في مهنة حارس عقار منذ 22 عاما، قضيت منها 16 عاما في جدة السعودية، وست سنوات في الامارات، ومنذ دخولي الدولة وأنا أعمل حارسا لبناية واحدة منذ أن كانت رملا حتى تعالى بنيانها وسكنها البشر.

مهنة حارس العقار تتطلب الأمانة واليقظة والتقاط كل شاردة وواردة، والتخاطب مع السكان عبر الهاتف الداخلي للبناية.

"سالم" يراقب حتى الفئات المساعدة (الخدم) فالشقق حين يتركها قاطنوها "أمانة في عنقي وعنق الخادمة"، ولا يتوانى أيضا عن الاهتمام بالأطفال وتقديم المساعدة حين يعودون من المدرسة.. ويطلب لهم الـ"أسانسير".. وأحيانا يحمل لهم الحقائب ويوصلهم الى مساكنهم.

استرسل في الحديث عن مهنته التي ينظر اليها باستخفاف مارا بمراقبة عمال النظافة عن كثب وغرف النفايات وتغيير صناديق القمامة كل ثلاث ساعات فضلا عن تفقد غرف الكهرباء والمصاعد والصرف الصحي .

يعتبر "سالم" نفسه جسرا بين سكان البناية وعمال الصيانة، يقول: نصف اليوم أقضيه في عملي بين الأدوار وفي الساحة الداخلية لمدخل البناية، أعمل اثنتي عشرة ساعة، أستيقظ في السابعة صباحا وأنام السابعة مساء، ورغم التقدم في العمر الا أن ظروف الحياة تدفعني لبذل الجهد والمواصلة.

يتقاضى ألف درهم شهريا وهو يراها كافية لأسرة مكونة من زوجة وثلاثة أبناء ، وهو ما دفعه لمغالبة العمر والعمل الاضافي في غسل 10 سيارات لقاطني البناية، يتقاضى عن كل منها 50 درهما في الشهر عن الصغيرة و100 عن الكبيرة.

يتنهد "سالم" وهو يعاتب بعض السكان الذي لا يلقون بالا لسنه ويخاطبونه بالأوامر فقط ، ومحاسبته ان لم ينفذ طلباتهم بالسرعة التي يريدونها، حتى ان الأطفال يقلدون آباءهم بذلك، ورغم ذلك يحب عمله ويعتبره مثل أي عمل آخر، اذ أن" الله خلق الناس درجات ..فالمهندس يقوم بعمله والطبيب والعامل ولولا عملي كحارس ما كان سكان البناية بأمن وأمان ولما كانت حياتهم أسهل".

أخيرا فك لغز ظهوره المفاجئ كلما نودي عليه ولو همسا: اشتريت سماعات حساسة من دون سلك ووضعت واحدة في أذني وأخرى تحت المكتب المخصص للاستقبال، حتى أتمكن من سماع دبيب من يدخل أو يخرج من البناية، اذا كنت مشغولا بمهام أخرى .