منذ السابعة صباحاً وحتى الساعة الثامنة مساءً، تقضي خولة كبنجي يومها بين 7000 طرد وبُعيثات بريدية، متحملة مسؤولية إيصال كل منها إلى أصحابها وفق برنامج زمني محدد. هذه المهمة الشاقة والمضنية لم تخترها كبنجي إلا بعد إدراكها بأنها مهنة نادرة، وقلما وجد فيها امرأة تتوغل بين زحام الطرود. في غضون 10 سنوات، استطاعت خولة كبنجي أن تتبوأ منصب مدير تنفيذي بالإنابة لشركة زاجل للبريد بعد أن كانت مجرد موظفة في إحدى زوايا هذه الشركة، وتصبح بذلك المرأة الأولى محلياً وخليجياً إن لم تكن عربياً تحتكر هذا المسمى الوظيفي في وقت قياسي.

حصلت خولة كبنجي على شهادة الدبلوم في المحاسبة من أكاديمية الاتصالات في الإمارات، بعدها توجهت المملكة المتحدة لاستكمال الدراسة. وتروي قصتها قائلة: تقدمت للحصول على عمل في إحدى شركات التوصيل والبريد، واتخذت قراري بالعمل بالرغم من عزوف غالبية المواطنات عن العمل في هذا السلك، وكانت البداية لي في قسم العمليات بالشركة، حيث أفرز بريد وطرود العملاء.

وتضيف: قضيت سنوات وأنا أعمل بجهد وكفاح، استطعت من خلاله وضع بصمة لامرأة لم يتسلل الملل إلى قلبها، ولم تركن للتقاعس. كان يشحذ عزيمتي؛ كلمات التحفيز التي اتلقاها بين الفينة والأخرى، التي تدفعني للمزيد من المثابرة والبذل في هذا العمل. علماً أن هناك من يسمعني تعليقات ونصائح مما يجلب الإحباط، مثل أن المهنة شاقة وتتطلب جهداً كبيراً، فضلاً عن كوني امرأة وهذه المهنة تتيح الاختلاط مع الكثير من الأجانب. ومن ذلك، لكنني ما كنت اهتم.

بعد أن أثبت جدارتي، بادرت الشركة بترقيتي سريعاً، وانتقلت إلى الإدارة الرئيسية للعمل مسؤولة عن أحد الأقسام، وما أن أدرك الجميع أنني الشخص المناسب، وأنني في المكان المناسب، ولاحظوا قدرتي على الإمساك بزمام العمل، حتى خرج القائمون على الشركة بحزمة من القرارات أبرزها تأسيس شركة باسم زاجل توليت فيها وظيفة المدير التنفيذي بالإنابة.

ساعات طويلة

في حدود الساعة السابعة من صباح كل يوم أتوجه إلى العمل، وفي حين كان لدي اجتماع في مؤسسة أو دائرة ما، فإنني أحرص على الوصول قبل الموعد. وبعد أن أنهي اجتماعي أتجه إلى موقع الشركة في مدينة القرهود بدبي، وأحرص أثناء وجودي في المكتب على ترك الباب مشرعاً، لكي يتسنى لي مراقبة حركة العملاء أثناء استلام البريد والطرود الخاصة بهم، لأن سر النجاح هو رضا المتعاملين، ومن أجل ذلك لا بد من مراقبة آلية العمل عن كثب وتدارك ما إذا حدث سوء فهم من كلا الطرفين.

وإلى جانب ذلك، أحرص على متابعة فرز الطرود بدقة، لأن الخطأ الصغير في هكذا عمل قد تنجم عنه مشكلة كبيرة، لهذا أظل منغمسة في عملي إلى ما بعد الساعة السابعة مساءً.

هذا الوقت وإن بدا طويلاً، فإنه يمر علي سريعاً دون أن أشعر بضجر أو ملل، ولكن الضريبة له أن العمل يسرقني من عائلتي طوال أيام العمل، غير أني أحرص على تعويضهم بالبقاء معهم في نهاية الأسبوع كاملة.

متابعة حثيثة

أثناء الإجازات، تقول خولة: أحرص على مراقبة سير العمل بين الحين والآخر من خلال التقرير الذي اتلقاه مساء كل يوم من قبل الموظفين. أما الشكاوى فإنني على اطّلاع مباشر بها عن طريق الموقع الالكتروني للمؤسسة، فضلاً عن الملاحظات التي تردني شخصياً أثناء حضور العملاء لاستلام طرودهم. تؤكد خولة كبنجي: أحرص على الذهاب بنفسي إلى الجهات الحكومية ومختلف الشركات والمؤسسات، كي أعرض خدمات الشركة والخطة المتكاملة عما تقدمه الشركة، وغالباً استغل وجودي في قلب هذه المؤسسات، وقد لمست مشاعر ارتياح المجتمع الكبيرة حينما تُعرض عليهم الخدمات من قبل متحدث عربي.

مشيرة: أن هذه الشركة استطاعت في مدة قصيرة أن تكسب ثقة المتعاملين والجهات الحكومية إلى جانب الشركات والمؤسسات الخاصة، إذ أبرمت اتفاقيتها مع الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي وهيئة صحة دبي ومحاكم دبي وغيرها الكثير من الجهات التي حازت شركة زاجل على رضاها.

 

خدمات متميزة ومواقف عاصفة

 

المواقف التي تتذكرها مديرة شركة زاجل لا تعد ولا تحصى، وجميعها توحي بسلبيات المهنة وشوائبها المستمرة. فتروي قصة رجل حضر إليهم مستشيط غضباً، فتقول: هرعت من مكتبي فور تنامي صوته المدوي الذي صخب المكان، فسألته بلطف عن ضالته، فأجاب مفجراً مخزون غضبه: لي جواز سفر دفعت له رسوم مستعجل، ولم أتسلمه حتى الآن، فأخذت البيانات الخاصة به وطمأنته بأنه سيتسلمه في غضون دقائق، ولم أبدي انزعاجاً من هذا الموقف بالرغم من تعقيده حينها.

مرونة

علماً أن الرجل يعمل في مهنة تستدعي التعامل بقسوة وجلافة، ولم يستطع السيطرة على غضبه حينما تأخر عليه السائق، وفي الحقيقة أن مندوب الشركة اتصل به حينما كان بالقرب منه حسب الموعد المشروط بينهما، ولكن الرجل كان في اجتماع ولم يستطع الرد عليه. لكن مهنتي تحتم عليّ القدرة على امتصاص غضب المتعاملين سريعاً، وقد أبدى الرجل حينها دهشته من مرونة التعامل معه واحتوائي للموقف بصدر رحب، مما جعله يهدأ سريعاً وينسى غضبه، بل ويثني على سلوكي، وهو لا يعلم بأن التي أمامه هي المدير التنفيذي للشركة.

نصيحة

تؤكد خولة كبنجي المـدير التنفيذي بالإنابة لشـركة زاجل لصديقاتها وأقربائها جميعاً؛ بأنها سعيدة وفخـورة بهذا العمل، بل وتقدم النصيحة دائماً إلى بنات هذا الوطن بأن يبحثن عن العمل الجديد والنادر، لآن الوطن في حاجة إلى كوادر وطنية نسائية، وأن كل عمل يتعب صاحبه في البداية، فإنه لاحقاً يشبعه بخبرات مهنية تؤهله لتقلد مناصب أرفع، ويكون الوطن في حاجة إلى جهود بناته وشبابه.

فن التعامل

وتضيف: أتـعامل الآن مع شرائح مختلفة من حيث الجنسيات والثـقافات، وهذا الأمر أكسبني فن التعامل ومهارته مع هذه التعددية والتنوع من البشر.

فوائد المهنة

 

تقول كبنجي إن ما يحدث من تأخير في المعاملات أو الطرود ليس بالضرور مسؤولية الشركة، منوهة أنها تتلقى أحياناً شكاوى من العملاء بتأخر البريد وحين التحقق، يتضح أن المعاملة أخذت وقتاً أطول لأسباب قد تكون أمنية.

ومن الصعوبات التي يمكن الإشارة إليها أثناء إرسال الطرود والبريد، هو عدم كتابة بيانات العميل كاملة، فقد يخطىء في رقم الهاتف، أو لا يستوفي العنوان بالكامل، أوعدم رغبة بعضهم في الإفصاح عن موقع منزله.

وتضيف: تمكنت من التعرف على الكثير من المناطق، واكتشاف أخرى جديدة، حتى بلغ بي الأمر إلى تحليل بعض المناطق وقراءة حاضرها ومستقبلها الصناعي والتجاري، إذ خيل لي حيناً أن إحدى المناطق لا تعدو كونها منطقة صناعية، ولكن بعد تزايد الطلبات تبين أنها تضم أعداداً ضخمة من السكان.

وبالرغم من نفور بعض المواطنين من العمل في هذا المجال، إلا أنني أسعى جاهدة لاستقطابهم، عارضة حجم الاستمتاع الذي سيجدونه لقاء الانخراط في هذا العمل، منوهة إلى أن هذا المجال حديث نسبياً ونادر.

وتؤكد في حديثها عن خدمات الشركة قائلة: تميزنا بتدشين خدمات مغرية للمتعاملين، ومنها خدمة برق، التي تختصر الطريق على الكفيل وتذكره، بأن تأشيرة مكفوله على وشك الانتهاء. وللعميل حرية تجديد تأشيرة المكفول دون تكبده الجهد والعناء، إذ يذهب مندوب الشركة إلى العميل ويأخذ منه الجواز والأوراق المطلوبة لكي يجدد بعدها، ومن ثم يعود إلى الكفيل بالمعاملة مقابل رسوم متواضعة، فضلاً عن الخدمات الأخرى التي تشمل الشركات والأفراد والتوصيل داخل وخارج الدولة.