تَحَلَّق مِن حولها أطفال مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة وعيونهم تفيض من حنانها! سألتُ: كيف يعرفها هؤلاء؟ أجابتني مريم عثمان مديرة المركز: دعتهم لزيارتها في بيتها للاستمتاع بما تجود به محميتها العملاقة، وقد أمضوا يوماً جميلاً في ربوعها، ثم استجابت لدعوة المركز في زيارة أخرى.. إنه دافع الخير الذي تكنُّه في داخلها، وتهبه إلى كل من يستحق.. للإنسان والحيوان. من هنا تفتحت بذور اللقاء.
هي محل ثقة في بذل الخير ومد جسور العطاء، ومعطاءة أكثر في حياتها الخاصة التي لا يعرف عنها كثيرون.. في بيتها في زعبيل، تزهو محميتها الطبيعية، وفيها تسبح وتطير وتجري وتنام وتأكل وتفرح وتغرد وتنسجم على نحو طبيعي، طيور وحيوانات نادرة، أليفة ومفترسة، وهي تتقاسم معاً حياة لا تقل متعة عن موطنها الأصلي في عتمة الأمازون أو أدغال أفريقيا أو حتى غابات وشلالات أميركا الجنوبية.
رواية خضراء
كل ذلك وأكثر ستفصح عنه السطور التالية بتفصيلٍ شيق، لنرسم به نسقاً فريداً لحياة الشيخة مريم بنت بطي بن مكتوم آل مكتوم، حاملة لواء الإنسانية للإنسان والحيوان، وراعية الولاء للمكان والزمان، ومبدعة الماضي والحاضر بطبيعته الزاهية، وهي المتمسكة بكل حزم بتفاصيل الأصالة والعراقة والماضي والتراث الذي يعيش فيها كما يبدو من لسانها وهيئتها.. إنها رواية خضراء، تجسدت في تفاصيل يومها حياة الطبيعة وأصالة الماضي، إنها حاضنة الحب في محميتها التي تتقاسمها مئات بل آلاف الأسماء الحية من طيور وحيوانات.
رحلتنا مع الشيخة مريم بدأت العصر وامتدت إلى حين وقت العشاء، وقد زخرت بكل أصناف المتعة وملامح الارتياح، وهي تُحدِّث محيطها بما تشبعت به من فهم ومعرفة وأصالة رشحت بها بيئتها الثرية بمعاني الأبوة والأمومة والولاء الأسري.
قدوة الأب
تقول الشيخة مريم إن والدها الشيخ بطي بن مكتوم آل مكتوم حرص ومنذ نعومة أظفارها على منحها كل أسباب الثقة والنجاح، وقد علمها بالخبرة والتجربة والتلميح والتصريح كيف تشق سبيل النجاح بامتياز، فوالدها الذي تشبهه في كل تفاصيل حياته ونهجه وسلوكه، ظل القدوة الأولى في البيت، يأخذون عنه كيف يأكل ويجلس ويتحدث وينام ويصحو ويفعل ما يجب وما يحب، ناهيك عن دوره في زرع محبة البَّر والطبيعة والصحراء والأصالة والتراث في نفوس أبنائه، فمنذ الطفولة المبكرة كان يحرص على اصطحاب أبنائه إلى البر في ظروف البرد والحر، وكان يأخذ أسرته في مختلف الأيام إلى مناطق عدة في دبي، وإلى المزرعة والعزبة، يعرّفهم بأسماء المناطق ويغرس فيهم حب الحياة البرية، وكيفية المحافظة على أصناف عدة من الحيوانات في الإمارات، يطعمها ويرعاها ويحض على العناية بها خشية أن يأتي يوم وتنقرض.
هذه البداية غرست في نفس الشيخة مريم حباً لحياة الطبيعة ببياضها وسوادها، حياة البساطة والهدوء والصفاء والنقاء، وعن ذلك تقول: بيتي محمية كبيرة تشكل حياتي وعالمي الخاص، أعيش فيها حياة الطبيعة والتجربة والتعلم، فأنا أعرف كل شيء عن حياة البر التي تفوق في نفسي مرتبة العشق، لأني أهوى البقاء في الأماكن المفتوحة مع الطبيعة والحيوانات والطيور وكل ما يُمتع ويحيي في النفس أملاً.
الشيخة مريم التي تعيش مع أعداد هائلة من الحيوانات والطيور مختلفة الأصناف والأشكال والنادرة منها خاصةً، تؤكد أنها وبمجرد رؤيتها لأي حيوان مهما كان منظره أو حجمه، فإنها تبتسم وتتغير من حال إلى آخر، فمن الواجب على أي إنسان أن يتعامل مع الحيوان على أنه حيوان، وألا يتوقع منه غير ذلك، ولا مجال هنا إطلاقاً للعنف أو الشدة مع الحيوانات التي خُلقت مجبولة بالبراءة، وإلا فلماذا تراها تنسجم مع الأطفال وتلجأ إليهم وتبقى إلى جانبهم دون أن تؤذيهم، فالأطفال لا يجيدون سوى البراءة والتفاؤل والإيجابية، والحيوانات تعشق هذه الصفات، وهي بطبيعة الحال تدرك التشاؤم والسلبية لدى الإنسان فتنأى بنفسها عنه.
سلاح الصبر
غير ذلك تضيف الشيخة مريم بنت بطي إن الحيوانات تجسد عالماً نقياً وراقياً، فهي تفهم وتدرك كل شيء، ومن الصعب أن يغصبها الإنسان على حبه أو الانسجام معه مثلاً، كما أن الإحساس بالحيوان والرأفة فيه تمنح الإنسان شعوراً إيجابياً مع بني البشر، ناهيك عن تعويده على مجمل السمات الإيجابية في التعامل مع المحيط، فالصبر يصبح أقوى سلاح بيد من يهب الحيوانات ما تستحقه من الرعاية والعناية والحب والحنان، وهي حتماً تبادله كثيراً من هذه الملامح، وتهبه طاقة لا يجدها المنشغلون في أمور الدنيا الروتينية.
وتستطرد: يومي يبدأ باكرا وقبل ذلك أحرص على النوم مبكراً ولا أهوى السهر إطلاقاً، وفي الصباح الباكر أنطلق في حياتي المفتوحة على الطبيعة، أراقب الحيوانات باستمرار، ومن نظرة أعرف إذا كان الحيوان يعاني مرضاً ما أو يمر في ظروف معينة، وفي مرات كثيرة أشخص حالة الحيوان وأبدأ في علاجه قبل وصول البيطري، وذلك من خلال الخبرة والتعلم والممارسة التي اكتسبتها من مرافقة والدي.
إحساس مشترك
وتوضح أن الحيوان يشعر بإحساس الإنسان، ومن هنا فإن الطاقة الإيجابية أمر مهم في التعامل مع الحيوان، وحينما يمتلك الإنسان طاقة إيجابية تجد الآخرين يتقربون منه، وذلك يندرج على الحيوان أيضاً الذي يدرك حالة الإنسان وظروفه، مشيرة إلى أنها تحرص كثيراً على تعليم الصغار كيف يتقربون من الحيوانات ويهتمون بها ويحافظون عليها، كما تجزم أنه لم يمر يوم من الأيام وأن صادفت حيواناً يحتاج مساعدة، أياً كانت هذه المساعدة، ولم تقدمها له.
وتقر الشيخة مريم أن عالم الحيوانات يزخر بكل جديد كل يوم، وهي تجدد وتبحث وتدرس كثيراً في هذا المجال، وتهتم بشكل خاص بالحيوانات النادرة التي تشغل من محميتها حيزاً كبيراً، وحينما تبحث عن الحيوانات أو تقتنيها فهي تُعنى بكافة التفاصيل الصغيرة عنها، تاريخها وبيئتها وعاداتها، وحينما تسافر تكون وجهتها الأهم المناطق المعروفة بالحيوانات النادرة، فهي تشغل سفرها بالبحث والتحري والاستزادة في هذا الجانب، أملاً في أن توفر لكل حيوان كامل المتطلبات التي تمكنه من العيش في محميتها والتكاثر بشكل طبيعي تماماً كما لو كان في موطنه الأصلي.
المدرسة الأولى
الشيخة مريم بنت بطي بن مكتوم آل مكتوم تعلمت من والدها الكثير، فهي تعتبره مدرستها الأولى في هذه الحياة، وهو الذي وهب شخصيتها كل ملامح الثقة والتميز، من خلال المعرفة القائمة على الأصول، فمن الماضي تعلمت منه الكثير، ومن الحياة اليومية المعاشة نقلت عنه أكثر، ومن سلوكه ونمط حياته مع الحيوان والإنسان أخذت عنه ولا تزال، فأثر والدها بآيات من القرآن الكريم وأحاديث نبوية وشعر وأقوال وأمثال، شكل لديها جسراً يرقى بتعاملاتها مع الحيوان والإنسان، كل ذلك تشربته من بيئة البر والطبيعة والبساطة التي ترعرعت فيها .
