دعا خطباء المساجد والأئمة خلال خطبة الجمعة ظهر أمس إلى التدقيق في اختيار الصديق وعدم الانجرار وراء أصدقاء السوء، وأكد خطباء المساجد على أهمية أن يسأل ويستفسر الآباء والأمهات عن أصدقاء أبنائِهِم، فإنْ كانوا مستقيمينَ يدلون على الخير والصواب شجعوا أبناءهم على تلك الصحبة، وإنْ كانوا غير ذلك نصحوهم بالبعد عنهم، ودعا الخطباء إلى تفعيل حملة القيادة العامة لشرطة دبي والتي أطلقتها تحت عنوان «لاَ لصديق السوء» والمبادرة إلَى تفعيلهَا في بيوتِنَا وأُسَرنَا ليكونَ الصَّدِيقُ الصَّدُوقُ الناصحُ علامةً مُضيئةً في مجتمعنا.
علاقة إنسانية راقية
وأشاروا إلى أن الصداقة علاقة إنسانية راقية، ورباط اجتماعي وثيق، يقوم بين الأفراد على أساس من المحبة والتعاون والوئام، والإخلاص والتناصح والاحترام، والتوافق في الأفكار والرؤى، وهيَ فطرة فِي الناس يسعون إليها طلبا للألفة والتعايش فيما بينهم، وقد ذكرها القرآن الكريم معَ القرابةِ، قالَ اللهُ تعالى: «لَيْس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على الْمَرِيض حرج ولا عَلَى أنفسكم أَنْ تَأْكُلُوا من بيوتكم أَو بيوت آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَو مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتا».
وأكد الخطباء أنّ الله عز وجل أنزل الصَّدِيقَ منْزلةَ النَّفْسِ والأَبِ والأَخِ والابْنِ فِي الأُنْسِ والثِّقَةِ، ثُمَّ أَذِنَ فِي الانبساطِ فِي بيُوتِ الأصدقاءِ وطعامِهِمْ، ومَا ذاكَ إلاَّ دليلٌ علَى أَنَّ الصداقةَ ميثاقُ محبةٍ ومودةٍ، وهيَ مِنْ أقوَى الروابطِ الإنسانيةِ وأصدقِهَا، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: الصَّدِيقُ أوْكَدُ مِنَ القَرَابَة. وقالوا إن كثيرا مِنَ الناسِ يقدمون أصدقاءَهُمْ على أقربائهم في الْملمَّات والأَزمات، ويُهْرَعُونَ إليهِمْ فِي السراءِ والضراءِ؟ وقدْ ذكرَ قَتادَةُ أنَّ الصَّدِيقَ إذَا كانَ صَالِحاً نَفَعَ.
اختيار الصديق
وأشار الخطباء إلى أ ن الصداقة تفاعُلٌ يظهرُ علَى أخلاقِ الصَّدِيقِ، ويتأكَّدُ فِي وقتِ الشدةِ والضيقِ، ولذلكَ نبَّهَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى ضرورةِ التأنِّي فِي انتقاءِ الصديقِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» فالصديقُ إمَّا أَنْ يصحبَ صاحبه إلَى المعروفِ والخيرِ، وإمَّا أَنْ يُرْدِيه فِي المنكَرِ والشرِّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَمَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً»، ومِنْ أهمِّ صفاتِ الصَّدِيقِ الصالِحِ الإيمانُ والتقوَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« لاَ تَصْحَبْ إِلاَّ مُؤْمِناً» وكُلُّ صُحْبَةٍ قامَتْ علَى أساسٍ غيْرِ سليمٍ كانَتْ سببًا لندَمِ صاحبِهَا فِي الدنيَا والآخرةِ، قالَ اللهُ تعالَى: «الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ .»
فعلَى المرءِ أَنْ ينتبِهَ فِي اختيارِ الصَّدِيقِ، ويَحذَرَ مِمَّنْ يَلْبَسُ ثوبَ الصداقةِ، ولَهُ مآربُ يبتغِيهَا، فكَمْ مِنْ صاحِب جَر علَى أصدقائِه الهَمَّ والحَزَنَ، وأَرْدَاهُمْ بِسُوءِ أفكارِهِ وضلالةِ أهدافِهِ، وقَدْ قِيلَ: الصاحِبُ سَاحِبٌ. لأنَّ الصاحبَ لهُ تأثيرٌ بالغٌ علَى صاحبِهِ. وقيلَ: أخْبِرْنِي مَنْ تُصَاحِبُ أُخْبِرْكَ مَنْ تكونُ، وقالَ الشاعرُ:
عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي
ونبه الخطباء على أن الصديقَ مرآةُ صديقِهِ وعلَى الآباءِ أَنْ يسألُوا عَنْ أصدقاءِ أبنائِهِمْ، فإنْ كانُوا مُستقيمينَ يدلُّونَ علَى الخيرِ والصوابِ شجَّعُوا أبناءَهُمْ علَى تلكَ الصحبةِ، وإنْ كانُوا غيرَ ذلكَ نصحُوهُمْ بالبعدِ عنهُمْ، وقدْ قَالَ لُقْمَانُ الحكيمُ لاِبْنِهِ: مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السُّوءِ لاَ يَسْلَمْ، وَمَنْ يَصْحَبِ الصَّاحِبَ الصَّالِحَ يَغْنَمْ. ودعوا الآباء إلى يختارَ أبناؤُهم الصديقَ الناصِحَ، فإنَّ الصَّدِيقَ مَنْ صَدَقَكَ، وأن يتَخَيَّرُوا صاحبَ المقاصدِ النبيلةِ والغاياتِ السليمةِ، والصَّدِيقُ هُوَ الَّذِي يَصْدُقُكَ فِي الْمَوَدَّة، ويبتغِي لكَ الخيرَ فِي كُلِّ أحوالِكَ.
