كان لديهم حلم... مدينة قائمة على التجارة يربطها البحر ببقية مدن العالم... هكذا حلم الآباء المؤسسون بدبي. بدأ الحلم قبل أكثر من 130 عاماً، حيث استقرت العائلة الحاكمة من قبيلة بني ياس. عندها تم غرس البذور الأولى لبناء دبي المعاصرة بواقعها المتألق. تاريخ دبي حكاية لا نهاية لها. حكاية ذات فصول وأحلام كثيرة ستتحقق في المستقبل.
هذه الأحلام وكيفية تحولها إلى حقيقة ملموسة نعيشها اليوم تم جمعها وتسجيلها من خلال مشروع فريد أطلقته "موانئ دبي العالمية"، مشغل المحطات البحرية العالمي في مشروع "أحلام البحر: تاريخ دبي البحري". هو مشروع يجمع قصص أولئك الذين حلموا بالبحر، وأولئك الذين شاركوا في التاريخ البحري للدولة عموماً ولدبي على وجه الخصوص في موقع إلكتروني باللغتين العربية والانجليزية (dreamsofthesea.ae)، ليكون منصة تجمع هذا الأرشيف وتتيحه للجميع.
ويبرز المعرض بعض المقابلات التي تم تسجيلها إلى جانب صور وفيلم قديم عن دبي. وتشمل الرويات التي تم جمعها قصص فريدة لأناس ترتبط ذكرياتهم بالبحر، من صيادين وغواصين، وصولاً إلى قادة الأعمال والأكاديميين. كما تم إعداد مقصورة تسجيل فيديو خاصة لمن يرغب بمشاركة ذكرياته التي ستتم إضافتها لاحقاً إلى الموقع الإلكتروني وأرشيفه الغني.
كتاب
وكجزء من المشروع، سيتم إطلاق كتاب "أحلام البحر" باللغتين العربية والإنجليزية، وسيكون متوفراً مع أوائل شهر أبريل 2013، ويتضمن قصصاً وصوراً وحكايات للذين شهدوا عاصروا تلك تحول دبي إلى مدينة عصرية.
وقال سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة "موانئ دبي العالمية" للبيان: "نأمل أن يصبح موقع «أحلام البحر» الإلكتروني مع مرور الوقت أرشيفاً حياً يحفظ لأجيال المستقبل التاريخ والإرث الغني لدبي والإمارات عبر قصص أولئك الذين عاشوا وعملوا على شواطئها".
معنى البحر
من جانبها توضح الأستاذة الجامعية فاطمة الصايغ، أستاذة التاريخ وعلم الآثار في جامعة الإمارات في العين، معنى البحر بالنسبة لسكان دبي، وتقول: "لطالما نظر الناس هنا إلى البحر كرمز لحياتهم، ولن تتغير رموز حياتنا هذه وكذلك الأمر بالنسبة لعلاقتنا مع مياه الخليج. نحن العرب نقول عن الشخص الحالم بأنه «يصنع أشياء في البحر» وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله: «نعم أنا إنسان حالم، ولقد صنعت أشياء في البحر ألا وهي النخلات الثلاث».
وتضيف الصايغ: "وهكذا، فإن البحر هو ثروتنا في الماضي والحاضر والمستقبل، فكلما أردنا شيئاً ما فإننا نعود إلى البحر وكأنه سيقدم لنا حلولاً لجميع مشكلات حياتنا. كلما أردنا جوهرة نذهب إلى البحر، وكلما أردنا بناء وتشييد الأراضي والمدن نتوجه إلى البحر، وكلما أردنا مخزوناً نفطياً فإننا نمضي إلى البحر، وكلما أردنا مياهاً فإننا نقصد البحر كذلك".
رؤية استباقية
من جهته يسترجع ابن سليم ذكرياته في خور دبي عندما كان صغير السن، ويقول: عاش هنا في القرنين الميلاديين التاسع عشر والعشرين عدد من أفضل حكام دبي الذين اتسموا بالرؤية الاستيباقية وبعد النظر، وحلموا بمستقبل براق لشعوبهم وكانت هذه من الأمور الأولى التي مهدت للإنجازات الكبيرة التي حدثت في دبي بعد هذين القرنين، وقد انعكست في حياتي الشخصية كذلك".
خور دبي
وحتى نفهم تطور دبي كمركز بحري رئيسي ورائد على مستوى العالم والقاعدة الصلبة التي بني عليها، فإنه لا بد من التحدث عن خور دبي. فقد تم إدراك الإمكانات التجارية التي تتمتع بها دبي منذ العام 1894 عندما قام الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم بتبني سياسات اقتصادية سبّاقة في ذلك العصر.
لقد جعل منذ ذلك الحين من دبي مدينة خالية من الضرائب ما شجع التجارة وحولها إلى ميناء تجاري رئيسي يجذب المراكب والسفن البخارية والتجار من جميع أنحاء منطقة الخليج. ومع حلول القرن العشرين أصبح التجار يحولون حركة بضائعهم إلى دبي بهدف تجنب الضرائب المرتفعة في أماكن أخرى في المنطقة.
سوق ديرة
وكان سوق ديرة التجاري الأكبر في المنطقة يضم أكثر من 350 متجراً تبيع مختلف أنواع البضائع الآتية من جميع أنحاء المنطقة، وفي ذلك المكان نشأت ونمت السمعة التجارية لدبي لما كان يتمتع به من روح السوق الحرة.
أما بالنسبة لعلي بن غليطة، المدير التنفيذي بالوكالة في نادي دبي الدولي لرياضات البحرية، يشكل الخور شرياناً رئيسياً يربط دبي بباقي أنحاء العالم، يقول: "ما كانت دبي لتصبح ما هي عليه في وقتنا الراهن لولا الخور. فعندما تذهب إلى الأسواق اليوم فإنك تجد كل ما تحتاجه، كما أن الفواكه والخضراوات متوفرة على مدار العام لأنها تأتي من الشرق والغرب والشمال والجنوب إلى دبي. هي الرفاهية التي لم نحظ بها قط". ويضيف: "لقد كان البحر موجوداً هنا قبلنا، ومهما حدث فسيبقى هنا".
روح الآباء
لقد قطعت دبي أشواطاً طويلة خلال تلك الألفيات من التاريخ، وسنجد رؤية وروح الآباء المؤسسين في قلب هذا المجتمع الحديث. ويقول سلطان أحمد بن سليم معلقاً: "إلى يومنا هذا تستمر هذه الروح في إرشادنا، فقد استمر كل من المغفور لهما الشيخ سعيد والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في السير على نهج أسلافهما عبر فتح أجواء دبي لشركات الطيران وربط الإمارة بباقي أنحاء العالم".
ويتابع: "لقد كان المغفور له الشيخ راشد من أشد المؤمنين بأن أي شيء ممكن في أرض الرواد، فقد أمر بجرف الخور وبناء الجسور. الخور المقاوم لأمواج البحر والأكثر عمقاً سيتمكن بالطبع من جذب سفن الشحن الكبيرة. كما ساهم جسر آل مكتوم في تحقيق ازدهار التجارة في ديرة وامتدادها إلى بر دبي وعلى امتداد الساحل. بقية الحكاية المعروفة للجميع وهي صناعة التاريخ بحق".
ويختم ابن سليم حديثه قائلاً: "لقد كان عام 1972 منعطفاً هاماً لقطاع النقل البحري في دبي وذلك عندما تم افتتاح ميناء راشد بعد أشهر قليلة على إعلان قيام الإمارات ليكون أول منشأة حاويات متقدمة في المنطقة. وبعد ذلك بثمانية أعوام فقط، برز ميناء جبل علي ليكون أكبر ميناء من صنع الإنسان. إن الميناء والمنطقة الحرة التي أمر الشيخ راشد بإقامتها قرب الميناء أثبتت بأنها كانت محرك النمو الذي كان يتطلع إليه اقتصاد دبي".
ويرى خليفة المري وهو ربان مراكب مخضرم، والمولود في العام 1944، أن البحر لطالما كان المكون الرئيسي لدبي، وهو سيبقى يجري في دماء سكانها. ويقول: "لقد أدى البحر دوراً رئيسياً في حياة الناس، وكان المصدر الرئيسي لحياتهم، حيث عمل نحو 90% من السكان في تلك الأزمنة كصيادين أو بحارة وغطاسين".
بيتر هيلير: عمر التجارة في المنطقة آلاف السنين
تعود جذور دبي إلى فجر التاريخ، فعالم الآثار بيتر هيلير المستشار في مجلس أبوظبي للإعلام يشير إلى أن دبي لطالما وقفت على مفترق الطرق التجارية العالمية لآلاف السنين.
ويقول هيلير: "فكرة وجود تاريخ طويل للتجارة البحرية في المنطقة أمر مثبت بصورة واضحة في سجلات التاريخ وعلم الآثار. وتعتبر أهمية التجارة عبر البحار العنصر الرئيسي في اقتصاد الإمارات ودبي حالياً، كما أنه كان مكوناً جوهرياً لاقتصاد هذه المنطقة لنحو سبعة آلاف عام". ويوضح هيلير: "هناك أدلة كثيرة وكافية على وجود تجارة بين هذه المنطقة والصين منذ القرن الثاني عشر. وعلى سبيل المثال تم العثور على آثار للخزفيات الصينية التي تم استيرادها إلى المناطق الساحلية، كما توجد أدلة على استيراد الخزفيات الصينية والبورمية والتايلندية والفيتنامية وذلك منذ القرن الرابع عشر".
ويتابع: "كانوا يستخدمون الخزف في صناعة الحلي، وهناك أدلة تعود إلى خمسة آلاف عام لاستيراد «عين السمك» من منطقة الخليج إلى بلاد ما بين النهرين. التفسير المنطقي لهذا أن «عين السمك» هو اللؤلؤ بالتأكيد". كما استخدم الرومان الأرجوان الملكي للأردية التي استخدموها، والتي يتم استخلاصه من نوع معين من الأصداف الرخوية البحرية الموجودة في المنطقة".
