لم يعد العراق يحتل المرتبة الأولى في الفساد وأعداد المعتقلين وفقدان الأمن فقط، بل أصبح في سنة 2012 في مقدمة دول العالم في صناعة الأزمات، وبغض النظر عمن تسبب بإثارة الازمات الطاحنة الا أننا نستطيع ان نسمي هذا العام بعام الأزمات، وبامتياز تام، حيث شهدت الساحة السياسية كثيرا من الحروب السياسية بين رئيس الحكومة نوري المالكي وبقية الفرقاء من كتل اخرى، ووصلت حدة بعض تلك الأزمات إلى احتمال حصول مواجهة مسلحة في المناطق المحاذية للمحافظات الشمالية بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية. كادت أن تقضي على الرئيس جلال طالباني الذي تعرض لجلطة دماغية في ظل عدم قدرته على استيعاب الكم الهائل من الأزمات وفشل في عقد مؤتمر الحوار الوطني.

آمال لم تتحقق

العراق الجديد الذي عقدت عليه الآمال بجلاء القوات الأميركية وعودة السيادة الوطنية إضافة الى نجاحه في عقد القمة العربية في بغداد بمشاركة تسعة زعماء عرب وحضور رسمي لكل الدول العربية وبتمثيل متفاوت ما ساهم في إنهاء عزلته خارجياً، إلا أن العراق لم يستطع مقاومة رياح العاصفة السياسية التي هبت عليه واقتلعت الاستقرار وجاء محلها الفوضى الخلاقة التي تصنع الأزمات . فاستمرار عجز الدولة العراقية عن معالجة ظاهرة الإرهاب الممنهج تدفع بقوة الى استمرار هذه الظاهرة من قبل جميع الأطراف المستفيدة منها والتي تساهم بأشكال مختلفة في استمرارها، ذلك لأنها تشكل تهديدا للوضع الداخلي في العراق وتجعله أسيرا للجروح التي تنهش بالجسد العراقي.

الأزمات ابتدأت من أبرز قضية وهي قضية نائب الرئيس العراق طارق الهاشمي واعتراف حماياته عليه بأنه أصدر أوامر إرهابية لهم بتصفية كثير من العراقيين ومساهمته في الأعمال الإرهابية التي عصفت بالعراق حيث إن هذه القضية أكلت من جرف الاستقرار كثيراً وأحدثت تصدعات في العملية السياسية ومزقت جانباً من النسيج الاجتماعي بين أبناء الشعب بعد أن انقسم العراقيون بين مؤيد ورافض لقضية صدور أحكام بالإعدام على الهاشمي وبعض المقربين منه، ولم تتوقف القضية عند هذا الحد بل إن أزمة أخرى افتعلت كان الهدف منها إسقاط الحكومة عبر موضوع سحب الثقة، وكاد المالكي أن يسقط في تلك المحاولة لولا جهود بعض السياسيين ومنهم رئيس الجمهورية جلال طالباني، ليستمر المسلسل بتهديد محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى والأنبار بتشكيل أقاليم وفق الدستور، إلا أن هذه الخطوة وجدت معارضة كبيرة جداً من قبل المالكي الذي قام بإجهاضها في النهاية .

مشكلة كردية

بعد استقرار نسبي عادت المشاكل الى سطح العملية السياسية عبر أزمة البطاقة التموينية والتي كان بطلها مجلس الوزراء الذي أصدر قراراً استفز فيه فقراء الشعب، وخلق ثورة عارمة لعبت دوراً آخر في تعطيل الحياة السياسية بعد أن انشغل الجميع بمناقشة القرار تاركين خلف ظهورهم مئات المشاكل التي تسببت بها سياساتهم المنفلتة، فقد تعطل البرلمان في إقرار القوانين المفيدة للشعب وانشغل بأمور اخرى، ليأتي بعدها بشهر قرار تشكيل قيادة عمليات جديدة تحت مسمى (عمليات دجلة) مهمتها حماية المناطق المتنازع عليها، وهو أمر أثار ريبة الكرد الذين احتشدوا عسكرياً في الحدود المتنازع عليها وسط تعزيزات عسكرية من الجيش العراقي، ما يفتح الأبواب على احتمال سفك دماء عراقية في هذه المناطق، وزيادة التباعد بين العراقيين وإيجاد الحساسيات بين أبناء البلد الواحد.

وهكذا فقد أصبحت عملية المشاركة في حكم العراق في الوقت الحاضر ضيقة الأفق والآفاق ولم تعد تتسع للجميع في ظل الصراعات عن السلطة وعدم قدرة السياسيين على الجلوس في طاولة واحدة فقد وصل هذا الصراع الداخلي بين شركاء العملية السياسية الى درجة من الشراسة وإلى حد الإقصاء السياسي حيث لم تنته سنة2012 إلا بأزمة جديدة عقب اعتقال اثني عشر عنصراً من حماية وزير المالية رافع العيساوي واتهامهم بالإرهاب، فيما يتواجد الرئيس جلال طالباني في ألمانيا بعد تعرضه لجلطة دماغية اثر جهوده المبذولة لخلق توافق مستحيل في العراق.