شهد العام 2012 استمرار السجال والتوترات السياسية عن وجود أزمة سياسية عميقة في تونس، ترافقت مع تنامي الشعور بالغضب العارم من قبل فئات واسعة من الشعب التونسي ضد حركة النهضة، القوة السياسية المهيمنة في الترويكا الحاكمة، حيث اعتبر ان زخم الديمقراطية الذي انطلق في عام 2011 أدّى في المحصلة النهائية إلى الفوضى والتراجع عن تحقيق الأهداف الحقيقية للثورة الديمقراطية، رغم انتهاء ربيع هذه الثورة عامها الثاني.

فالعام 2012 تميز في تونس بتوتر علاقات حركة النهضة الاسلامية مع كل من الرئيس المنصف المرزوقي والاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات النقابية، والجماعات السلفية الجهادية، والاعلام، و بروز لجان و مجالس حماية الثورة كميلشيات أمنية تابعة للحركة الاسلامية، و إستمرار العنف و الاحتجاجات، والانتقادات الواسعة لأداء المجلس الوطني التأسيسي بسبب تأخره في وضع الدستور الجديد، وبظهور حركة نداء تونس بقيادة الباجي قائد السبسي كمنافس جدي للتحالف الحاكم، و إجتماع الاحزاب اليسارية والقومية في الجبهة الشعبية الموحدة، والاعلان عن مشروع العزل السياسي الذي يستهدف عشرات الالاف من المسؤولين و الناشطين السياسيين السابقين، وإستمرار الانشقاقات في حزبي التكتّل والمؤتمر، و تعيين الشاذلي العياري أحد المحسوبين على النظام السابق في منصب محافظ للبنك المركزي التونسي، الى جانب إرتفاع مؤشرات الفقر والتضخم وغلاء الاسعار والبطالة والهجرة السرية والتهريب والرشوة و الفساد والجريمة المنظمة والانتحار والعنف ضد المرأة وفي المدارس وترويج واستهلاك المخدرات.

عواصف سياسية

وشهدت البلاد عواصف سياسية هددت بتفكك التحالف الثلاثي الحاكم في أكثر من مناسبة و خصوصا يوم 24 يونيو عندما قامت الحكومة التونسية بتسليم البغدادي المحمودي آخر رئيس للوزراء في عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الى سلطات طرابلس دون الرجوع الى الرئيس المنصف المرزوقي الذي اعتبر الاجراء تعديا على صلاحياته، و كتب بيان إستقالة من الحكم، قبل أن يتراجع عنه تحت ضغط مساعديه، و في 25 أغسطس الماضي إتهم المرزوقي حركة النهضة بالديكتاتورية والسير على منهج الحزب الحاكم سابقا التجمع الدستوري الديمقراطي حيث قال في رسالة الى الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية أن النهضة تسعى الى الهيمنة على مفاصل الدولة التونسية وأنها تمارس الديكتاتورية التي سبق وإن كانت من ضحاياها، وفي يوم 16 أكتوبر نظم الاتحاد العام التونسي للشغل مؤتمر الحوار الوطني بمشاركة أكثر من 50 حزبا سياسيا الى جانب منظمات و هياكل المجتمع المدني ، غير أن حركة النهضة و حزب المؤتمر قاطعا المؤتمر في خطوة أثارت جدلا واسعا في الساحة السياسية ، وفي أوائل ديسمبر دعا الرئيس المرزوقي الى حل الحكومة الحالية و تعويضها بحكومة كفاءات مصغرة بعد أن وصفها بالحكومة الفاشلة.

وكانت مسألة صياغة الدستور أم القضايا في العام 2012 وخصوصا أن المرسوم الانتخابي و وثيقة المسار الانتقالي أقرّا ضرورة الانتهاء من صياغة و مناقشة الدستور قبل يوم 23 اكتوبر الماضي تاريخ مرور عام على انتخابات 23 آكتوبر 2011، و في جلسة استثنائية تم الاعلان يوم 23 اكتوبر الماضي عن بداية مناقشة الدستور، وقالت تنسيقية التحالف الحاكم أنها قررت إجراء الانتخابات في يونيو المقبل، غير ان هذا الموعد لم يتأكد بعد مع ظهور اقتراحات متعددة ومواقف مختلفة من الاطراف المعنية.

وعرفت البلاد سلسلة من الاحتجاجات الشعبية شملت أغلب الولايات، و في التاسع من إبريل الماضي و بمناسبة الاحتفال بعيد الشهداء عرفت العاصمة أعمال عنف وإعتداءات على عدد من القياديين في المعارضة ومنظمات المجتمع المدني من قبل قوات الامن المدعومة بعناصر لجان حماية الثورة، مما أثار أزمة سياسية ومساءلة للحكومة داخل المجلس الوطني التأسيسي والاعلان عن تأسيس لجنة للتحقيق.

و في أوائل يونيو شهدت البلاد أحداث عنف شملت عددا من الولايات بما فيها العاصمة و تم إعلان حظر التجوال فيها على خلفية هجوم الجماعات السلفية على معرض للفنون التشكيلية بقصر العبدلية بضاحية المرسى، قالت مواقع التواصل الاجتماعي إنه يتضمن رسوما مسيئة للدين الاسلامي ثم اندلعت اعمال عنف مما أدى الى سقوط قتيل وعشرات الجرحى وحرق عدد من المؤسسات العمومية، وبعد تهدئة الاوضاع تبيّن أن الرسوم المذكورة لم تكن موجودة أصلا بالمعرض.

الهجوم على السفارة الاميركية

وفي 14 سبتمبر الماضي شهدت العاصمة التونسية هجوما عنيفا على مقر السفارة الاميركية مما أدى الى سقوط خمسة قتلى وعشرات الجرحى ووقوع خسائر مادية في السفارة وفي المدرسة الاميركية المجاورة لها، وقد قامت القوات الحكومية على إثر ذلك بحملة اعتقالات في صفوف التيار السلفي والزج بعدد من أنصار السلفية الجهادية في السجون، وفي 16 نوفمبر تم الاعلان عن وفاة موقوفين سلفيين نتيجة إضراب الجوع الوحشي الذي نفذاه خلف القضبان دون تدخل من أجهزة الدولة لإنقاذهما.

وقامت لجان الثورة بمدينة تطاوين في 18 اكتوبر بالهجوم على مقر الاتحاد الجهوي للفلاحين والاعتداء بالعنف حتى الموت على القيادي في حركة نداء تونس لطفي نقض، وشهدت ولاية سليانة حالة من الغضب العارم يومي 28 و 29 نوفمبر مما ادى الى سقوط اكثر من 200 مصاب من المحتجين، و في يوم الرابع من ديسمبر قامت لجان حماية الثورة بشن هجوم على ساحة محمد علي في قلب العاصمة حيث كان النقابيون يستعدون لتنظيم مسيرة شعبية بمناسبة الذكرى الـ60 لإغتيال الزعيم النقابي و الوطني فرحات حشاد، و تم إستهداف عدد من القياديين النقابيين، الامر الذي دفع بالاتحاد الى تنفيذ إضرابات عامة في عدد من الولايات والى إعلان يوم 13 ديسمبر يوما للاضراب العام على الصعيد الوطني قبل أن يتم الاتفاق مع الحكومة في الساعات الاخيرة على الغاء الاضراب، و في يوم 19 ديسمبر وبمناسبة الذكرى الثانية للثورة تعرض الرئيسان المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية و المنصف بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي الى الرشق بالحجارة و الدعوات الى الرحيل من قبل المحتجين في مدينة سيدي بوزيد. وأعلن وزير الداخلية علي العريض يوم 21 ديسمبر عن إكتشاف خلايا لتنظيم القاعدة في تونس كانت بصدد تشكيل كتيبة عقبة بن نافع وعن مصادرة أسلحة، جاء ذلك بعد معارك في مناطق ولاية القصرين الجبلية على الحدود الغربية مع الجزائر، نجحت خلالها قوات الحرس و الجيش في إلقاء القبض على عدد من المسلحين.

محاكمات مستمرة

شهد العام 2012 استمرار محاكمة الرئيس السابق وافراد اسرته ومسؤولي نظامه، و في 17 يونيو ، اصدرت المحكمة العسكرية حكما بالسجن المؤبدّ على زين العابدين بن علي، الى جانب أحكام أخرى بالسجن لمدة 75 عاما، و في شهر يوليو تم إعتقال منوبية البوعزيزي والدة محمد البوعزيزي مفجر الثورة التونسية بمقر محكمة سيدي بوزيد بتهمة الاعتداء على موظف أثناء قيامه بعمله وتم نقلها الى سجن النساء بقفصة قبل أن يصدر في حقها حكم بالسجن لمدة اربعة شهور مع إسعافها بتأجيل التنفيذ، كما شهد العام ٢٠١٢ محاكمة عدد من الاعلاميين من بينهم نبيل القروي مدير عام قناة « نسمة » بسبب عرض فيلم للرسوم المتحركة اتهمه المتشددون الإسلاميون بالاساءة الى الدين، ونصر الدين بن سعيدة مدير عام جريدة «التونسية» اليومية، و في أواخر أغسطس تم إعتقال سامي الفهري مدير قناة «التونسية» الخاصة بتهمة التورط في الفساد على إثر بث القناة لسلسلة كوميدية ساخرة رأي فيها أنصار النهضة وعدد من قيادييها إساءة متعمدة لرموز الحركة.

ويرى محللون ومختصون انه بات المجتمع المدني التونسي مقتنعاً أن وصول حركة النهضة إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع ، غير كاف للنوم على حرير الانخراط الإسلامي في العملية السياسية الديمقراطية، إذا كانت هذه الديمقراطية مجرد وسيلة لتصل إلى السلطة ، و«تتمكن». فقد عجزت حركة النهضة عن إقامة سلطة قضائية شفافة ومستقلة، وعن إصلاح الأجهزة الأمنية التونسية، بل إنها أصبحت تُعَرْقِلُ وتُقَيِّدٌ مسيرة حرية المجتمع المدني التونسي الذي أصبح الدين الإسلامي بالنسبة له أكثر فأكثر خياراً شخصياً، وبالتالي بات يطالب سحب الدين من السياسات اليومية نحو الحقل الخاص، فضلاً عن تعدد القراءات والمقاربات للإسلام من قبل النخب الفكرية و الثقافية ، وإن بقيت مبادىء وعوامل في الإيمان الإسلامي غير قابلة للنقاش من قبل الشعب التونسي ، الذي بات يرفض أي احتكار من جانب أية قوة سياسية التحدث باسم الإسلام، أو الادعاء بتمثيله.