الثقافة حصاد الروح وحصيلة المؤهلات الفكرية للإنسان.. تنوعت تعريفاتها على مر العصور، لكنها كانت دائما لصيقة بالحضارة والتقدم.. الثقافة تتربع على أعلى سلم النسيج الاجتماعي الذي يشمل أشكالا وتعبيرات متنوعة في المجتمع، ومنها العادات والتقاليد والسلوكيات، والطقوس والشعائر وأنواع اللباس ومعايير السلوك.
هناك من يعتبرها جزءا من الإرث الاجتماعي أو رموزا ومعاني معمدة ومتبادلة بين الناس الذين راحوا يطورونها إلى أن أصبح الحديث يدور، في العصر الحالي، عن صناعة للثقافة لها سوق يقدم فيه منتج ثقافي خاضع حتى لقانون العرض والطلب.
وإذا كانت صناعة الثقافة تنحى عادة إلى الفعل التراكمي في سعيها للانتشار والوصول إلى وجدان الجمهور المتلقي، إلا أنها تصل في لحظة تاريخية معينة إلى ذرى نوعية أصلية عندما تلامس مبتغاها بجعل هذا الجمهور جزءا لا يتجزأ من الصناعة عينها على مستوى إنتاجها واستهلاكها على السواء، وبذلك ترتقي الشعوب وتسمو معانقة المنتج الثقافي والحضاري الانساني على المستوى الكوني من خلال مشاطرة المجتمعات الأخرى القيم ذاتها مع الحفاظ على موروثها الثقافي الخاص سيما عندما يتعلق الأمر بتنامي منسوب العيش المشترك والتنوع في المجتمع الواحد، الأمر الذي يشكل بدوره بيئة خصبة للتبادل الثقافي والخروج بأشكال وصيغ حضارية أرقى واقرب إلى كينونة الانسان.
في المشهد الثقافي الفني العالمي، يمكن التوقف عند أحداث شكلت محطات بارزة في هذا الميدان، حيث شهد عام 2012 رحيل الفنان رافي شانكار عملاق الموسيقى الهندية، بينما شهد سوق اللوحات الفنية ثورة توجها وصول رسمة للفنان رفائيل إلى البيع في المزاد بمبلغ 49,9 مليون دولار، في حين ترجمت أول رواية في العالم إلى العربية وهي رائعة شيبوكو موراسكي "حكاية جينجي" في نصها الكامل على يد الزميل كامل يوسف، كما شهد ظهور رواية "خمسون ظلا للون الرمادي" للروائية إي إل جيمس، التي وصفها النقاد بأنها إيروتيكية ومبتذلة تفضح افلاس الرواية الغربية ببيعها 60 مليون نسخة على امتداد العالم، ورحيل المعماري البرازيلي أوسكار نيمرماير عن 103 سنوات ومن أشهر انجازاته تصميم مدينة برازيليا.
مؤتمر وزراء الثقافة العرب في العاصمة البحرينية
المشهد الثقافي العربي لم ينجز من أجندة عام 2012 كل ما كان واردا فيها بفعل التطورات السياسية الدراماتيكية التي يشهدها أكثر من بلد عربي سواء تلك التي طوت صفحة أنظمة فيها أو التي تسعى إلى ذلك في ظل ربيع عربي بات العنوان العريض لأي حراك ومن أي نوع في هذه المنطقة من العالم بما في ذلك الحراك الثقافي، فبعد أن تعذر عقد مهرجان القاهرة السينمائي العام الماضي، على سبيل المثال، حرصت إدارته هذه السنة على أن يرى النور ولو على نطاق ضيق، ولذلك جاء مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، الذي انعقد في منتصف أكتوبر في عاصمة مملكة البحرين المنامة، على وقع مجازر ترتكب بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وتشكيل سلطات جديدة بعد ثورات شعبية شهدتها بلدان عدة، وأخرى تستمر في تحركها لنيل الحرية، فشدد على «ضرورة الاهتمام بتراث القدس العربي»، مؤكداً «أهمية الثقافة كجسر للتواصل والفهم المشترك وتجسّد الحوار كمسار حيوي يفضي إلى بلورة رؤية عربية مشتركة»، مبينة «ضرورة الحاجة إلى تجاوز المعوقات وتفعيل التنوع»، مع الحرص على عدم اغفال «ضرورة تدارس تطلعات الأجيال الأدبية والثقافية في سياق الظروف الأخيرة».
فقد استضافت المنامة المؤتمر في نسخته الـ18 كونها عاصمة الثقافة العربية لعام 2012، تحت رعاية ملك البحرين الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة، يومي 13-14 أكتوبر 2012 تحت عنوان: «التواصل الثقافي مع الثقافات العالمية الأخرى»، حيث ركزت وقائع المؤتمر على «التواصل الثقافي مع الثقافات العالمية الأخرى»، بينما تناولت رؤية شاملة للعمل الثقافي العربي والاتفاقيات الثقافية الشاملة للمشروعات القومية المقترحة.
كما أقر المؤتمر بيان المنامة والذي تضمن الالتزام بالمبادئ الأساسية للخطة الشاملة للثقافة العربية وتعديلاتها وتحقيق ما نصت عليه من اهداف بالإضافة الى تكريس مبادئ منها ترسيخ قيم الديمقراطية من حرية التعبير والفكر واحترام حقوق الانسان والمشاركة بما يضمن توفير المناخ الملائم للتنمية الشاملة والعمل على احترام اشكال التعبيرات الثقافية للمكونات الوطنية في اطار مبادئ الوحدة الوطنية، واغناء الحوار مع الثقافات والحضارات الاخرى باعتباره سبيلا لتجاوز الصور النمطية السلبية والاعتناء بثقافة الاطفال والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة والاستفادة من مستجدات العصر في تطوير قدراتهم ومواهبهم وتدعيم اللغة العربية وتحديث مناهج تعليمها وتوفير الموارد البشرية والمادية والفنية اللازمة لذلك مع التأكيد ان العمل الثقافي العربي المشترك هو السبيل الى تحقيق تطلعات امتنا العربية للإسهام في صنع الحضارة الانسانية.
المشهد الثقافي الإماراتي
في المشهد الثقافي الإماراتي، خرجت التجربة الثقافية من شرنقة معادلة الجانب التراكمي فيها وباتت معالم نقلتها النوعية باتجاه تشكلها بوصفها ظاهرة متبلورة قائمة بذاتها واضحة تماما ليس من خلال إدخال الحراك الثقافي في دائرة العمل المؤسسي وحسب، وإنما من خلال ظهور أجيال متعاقبة ومتزايدة من الشعراء والأدباء والكتاب والمسرحيين والفنانين التشكيليين والمخرجين والممثلين والمطربين والموسيقيين شكلوا بمجموعهم امتدادا طبيعيا لنظراء لهم سطروا بحبهم للثقافة وإصرارهم الصفحات الأولى من هذه المسيرة بجذورها الممتدة عميقا في المشهد الثقافي المحيط خليجيا وعربيا واسلاميا وعالميا.
المشهد الثقافي الإماراتي عام 2012 جاء مكرسا للعمارة الثقافية في الدولة ليس من خلال كثافة الأنشطة والفعاليات الثقافية وكثرتها فحسب، بل من خلال محطات بارزة تراكمت على مر السنين، فقد احتفت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بمرور 25 عاماً على تأسيسها وإطلاق جائزتها، وكذلك ندوة الثقافة والعلوم بدبي هذا العام، التي احتفت بدورها بربع قرن من العطاء الثقافي المتواصل والحافل في احتفالية استمرت ثلاثة أيام تضمنت توزيع جائزة راشد للتفوق العلمي الدورة 25، إلى جانب إحياء عدد من الأمسيات الشعرية والمعارض الفنية والحفلات الموسيقية وعروض الفنون الشعبية، التي يحتضنها هذا الصرح الثقافي، الذي يهدف، من خلال حضوره اللافت في المشهد التنموي، إلى العمل ضمن استراتيجية الدولة تجاه نشر الوعي الثقافي من خلال الثقافة والمعرفة والفنون ومنها الاهتمام المباشر بفن الخط العربي منذ أن كان مقرها مجرد شقة في أحد مباني شارع الرقة في دبي وصولاً إلى الشكل الحضاري الذي هي عليه حاليا في مقرها الجديد بمنطقة الممزر بدبي، خاصة أن القائمين بأعمال الندوة أكدوا أن هذه الاحتفالية إعلان جديد عن انطلاقة نوعية للندوة، بينما احتفت دارة السويدي الثقافية، المؤسسة الثقافية الإماراتية التي تُعنى بالأدب الجغرافي والرحلات العربية والإسلامية إلى العالم والثقافة بالذكرى العشرين على تأسيس الدارة التي انبثقت من خلالها مؤسسات عديدة تُعنى بالحقل نفسه، فيما يشهد مهرجان دبي الدولي السينمائي اختتام العقد الأول من عمره في دورته المقبلة.
بالطبع لن تتمكن هذه السطور من تغطية كافة الفعاليات الثقافية التي شهدتها الدولة عام 2012، فهي كثيرة ومتنوعة وتغطي من الناحية الجغرافية مساحة الوطن ومن الناحية الزمنية 365 يوما من السنة، لذلك سنعمد في هذه العجالة إلى سرد وقائع عدد من أبرز هذه الفعاليات، التي تشمل كافة مناحي الثقافة والفنون من مهرجانات وملتقيات ومنتديات ومعارض وندوات ومؤتمرات ومسابقات وجوائز وإصدارات راحت تطور أدوات عمل وبرامج باتت تجذب جمهورا عريضا من كافة أنحاء المعمورة بحيث تحولت المدن التي تحتضن هذه الفعاليات إلى حواضر "كوزموبوليتانية" فاتحة ذراعيها للجميع.
مهرجان طيران الإمارات للآداب
ومن أبرز الملامح الثقافية لعام 2012 «مهرجان طيران الإمارات للآداب»، في دورته الرابعة، الذي احتضنته مدينة دبي من 6 إلى 10 مارس بمشاركة واسعة لروائيين وكتاب، بينما تميزت هذه الدورة بارتفاع نسبة المشاركين من العرب بصورة عامة ومن الإماراتيين بصورة خاصة وفي مقدمتهم الروائي الليبي إبراهيم الكوني والشاعر والروائي الفلسطيني مريد البرغوثي، الذي تحدث عن تجربته في كتابه الأخير" ولدت هناك، ولدت هنا" وفيه يواصل الحديث عن سيرته، استكمالا لما أنجزه في كتابه ذائع الصيت "رأيت رام الله"، إضافة إلى الكاتبة الدكتورة المصرية نوال السعداوي التي اشتهرت بدفاعها عن حقوق المرأة، والدكتور شهاب غانم الذي فاز مؤخراً بجائزة أفضل عمل مترجم من الدورة التاسعة عشرة لجائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي عن عمله (رنين الثريا).
والأديب محمد المر، والشاعرين خالد البدور ونجوم الغانم، وفي الرواية سارة الجروان التي فازت مؤخرا روايتها (عذراء وولي وساحر) بجائزة أفضل عمل روائي في جائزة العويس للدراسات والابتكار العلمي، ودبي أبو الهول أصغر روائية إماراتية، التي لقبت عام 2008 بأصغر مخرجة في الشرق الأوسط، والتي صدرت روايتها (غالاغوليا) في الخيال العلمي خلال المهرجان. ومن أبرز المشاركين من أميركا الروائي نيكولاس سباركس، الذي اشتهر بروايته (رسالة في زجاجة) التي حولت إلى فيلم سينمائي حقق شهرة عالمية عام 1999، وتوني بوزان المعروف ببحوث العقل والذاكرة، والطاهي ذو الشعبية الواسعة بوبي شين.
وأبرز الكتاب البريطانيين المشاركين كاتب قصص الأطفال ديفيد ألموند، الذي حاز عام 2010 على جائزة أدب الأطفال (هانز كريستيا أندرسن) التي تعادل بأهميتها جائزة نوبل. ومن إيطاليا الطباخ الشهير جيورجيو لوكاتيللي الذي يحظى بشعبية واسعة في دبي وبريطانيا.
مهرجان الفنون الإسلامية
في 12 ديسمبر 2012 استهل مهرجان الفنون الإسلامية فعاليات دورته الخامسة عشرة، الذي يستمر لمدة شهر، وتنظمه إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، بمنطقة الشويهين بمدينة الشارقة، وكذلك في مدن المنطقة الشرقية والمنطقة الوسطى، حيث تتنوع المشاركات المحلية والدولية، لتصل الأعمال المعروضة إلى 1700 عمل، تمثل 45 معرضا محليا ودوليا من 18 دولة، تعرض أعمالا فنية تنتمي للفنون التطبيقية والغرافيك والخزف والحلي والسجاد.
حمدان بن محمد يفتتح «آرت دبي 2012»
في 20 مارس 2012، افتتح سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، الدورة السادسة لمعرض آرت دبي 2012 بمدينة جميرا في دبي، بمشاركة كوكبة من الفنانين والقيمين والمُقتنين، وأكثر من سبعين مجموعة فنية مُتحفية من حول العالم. واستمرت فعاليات المعرض حتى الرابع والعشرين من الشهر عينه، لتشكل أهمّ تظاهرة إبداعية فنية معاصرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، مع عرض 75 صالة فنية من 32 دولة الكثي
ر من الروائع الفنية، مثل اللوحات والمنحوتات والتراكيب الفنية والفيديو لأكثر من خمسمائة فنان معاصر.كما تميز برنامج مشاريع آرت دبي هذا العام بسلسلة من الأعمال الأدائية التفاعلية التي تنسجم مع أفكار ومواضيع الحدث، بينما ذهبت جوائز أبراج كابيتال للفنون 2012 لكلٍّ من تيسير البطنيجي من فلسطين، وجوانا حاجي توما وخليل جريج في مشروع مشترك ورائد ياسين من لبنان، ووائل شوقي من مصر وريشام سيد من باكستان.
حيث تعاونوا في إنجاز مشاريعهم مع القيِّمة الهولندية نات مولر، بينما أقيمت فعاليات منتدى الفن العالمي السادس، الذي يشكل الملتقى الأول للحوار الثقافي والمعرفي والإبداعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، على مدار ستة أيام.
