تدخل دبي مرحلة البناء الثالثة يقودها عقل يقظ، وقلب عامر بالقوة والتحدي، وإرادة واثقة، وقرارات استراتيجية.. هكذا تظهر بعافيتها، لأن مناعتها في ماضيها وحاضرها وتستمر في مستقبلها، ماض من التحدي والصبر والشدائد، وإرادة أجداد وآباء عبروا قسوة الطبيعة إلى نعمة الأحلام المحققة، وحاضر يتحدث عنه بزهو الحاضر والغائب، من رأى ومن سمع، وهناك مستقبل يسخر من حاسديها، قائلا: استريحوا.. دبي موجودة وستبقى.

جديدها.. مدن حديثة مبانيها خضراء صديقة للإنسان والمكان، معلقة في جيد المستقبل كهدية للأجيال لا يمكن ان تفرط فيها، هدية حضارة قادمة روحها مستمدة من انفاس وعبق "أول .. وتالي" بها رائحة حب، وتفاصيل عراقة، وتاريخ عشق اختلط بصدق القول والفعل، هي حاضرة كنوز المستقبل، تتباهى وتتلألأ على غيرها من المدن بالسماحة والانصهار البشري وتجاوز العصر وطموح الحياة في المستقبل.

دبي المدينة الزاهية والمزدهرة، إنها الابنية التي عظمها آل مكتوم، حيث وضع الشيخ مكتوم بن حشر، الرجل المدني المتنور، اللبنات الأولى قبل عقود طويلة لما نشاهده الآن من ازدهار تجاري في دبي، وتابعه ابنه سعيد بن مكتوم الذي لمعت في عهده أضواء دبي كميناء تجاري حر، الى ان جاء دور الشيخ راشد بن سعيد، باني دبي الذي دخلت الإمارة في عهده التاريخ من أوسع أبوابه.

وضعها المغفور له الشيخ راشد على أبواب المستقبل الواسع والمبهر، ليقودها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، إلى قمة جمالها وتفردها.

اليوم من يرى دبي في بهائها الاستثنائي، تأخذه دهشة الإعجاب إلى ضوء كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لأنها الكلمات التي تفسر، والكلمات التي تقدم تأويلاً واقعياً لكل هذا الإعجاز، وقول سموه: "لا مكان لكلمة مستحيل في قاموس القيادة، ومهما كانت الصعوبات كبيرة، فإن الإيمان والعزيمة والإصرار كفيلة بالتغلب عليها". تلك هي معجزة دبي الحقيقية، إنها معجزة القيادة، معجزة تخيل المستقبل في اللحظة ذاتها التي يتم فيها إنجاز الصورة الأبهى للحاضر.

إنجازات نصف قرن

كانت المرحلة الاولى لبناء دبي، وليدة عقود من ازدهار قرية صيادي الاسماك الصغيرة في بداية القرن الماضي، وخلال خمسة عقود أصبحت دبي كما وصفها الرحالة البريطاني (ويلفريد تسيجر) أثناء رحلته الأولى لها عام 1949 بأنها (مدينة مزدهرة)، وكانت هي بالفعل كذلك كنتيجة فعلية للطموحات التي كانت تتحول واقعاً على الأرض من خلال مشروعات متعددة، وتحول مجلس الشيخ راشد إلى خلية عمل وتفكير وتخطيط لمستقبل دبي.

بعد شهور قليلة من تسلمه زمام الحكم العام 1958 أصدر الشيخ راشد مرسوما بتأسيس شركة الكهرباء وأمر ببدء العمل الفوري في إنشاء مطار دبي، وتم إنشاء شركة الكهرباء العامة في عام 1959 وحصلت دبي على أول إمداد كهربائي في عام 1961.

ومن بين أهم منشآت البينة التحتية والخدمات الأساسية التي عمل الشيخ راشد على إقامتها مشروع توفير المياه العذبة لدبي، كذلك وضع مشكلة الإسكان أمام عينيه في اهتمام كبير، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك في عام 1960 وقرر راشد إعطاء الأولوية لبناء مساكن منخفضة الإيجار.

شهد عام 1950 إقامة أول مستشفى حديث، ليس في دبي وحدها بل في كل إمارات الساحل المتصالحة، وأطلق عليه اسم مستشفى آل مكتوم، وكان هذا أول مشروع يرعاه الشيخ راشد. وكان المستشفى يتسع لـ 38 سريرا فقط وازدادت سعته لتصل إلى 106 أسرة في عام 1968، وفي عام 1960 أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التليفون والبرق واللاسلكي جنباً إلى جنب مع شركة كهرباء دبي.

وأصدر الشيخ راشد في عام 1963 مرسوما بتأسيس أول بنك وطني، هو بنك دبي الوطني المحدود، برأسمال قدره مليون جنيه إسترليني بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية حكرا على المصارف الأجنبية وكان سعى لجذب مصرف ذي سمعة جيدة ونجح في ذلك حيث استطاع في 5 يناير 1954 إبرام اتفاقية مع البنك البريطاني للشرق الأوسط واشترط الشيخ راشد أن يدرج في الاتفاقية بنداً يلزم البنك البريطاني بتوظيف مواطني دبي.

وحظي التعليم في عهد الشيخ راشد باهتمام بالغ إيمانا منه بأهمية التعليم في تحقيق أهداف دبي في التنمية. وفي بداية فترة حكمه لم تكن المدارس النظامية قد انتشرت وكانت (الكتاتيب) تقوم مقام المؤسسات التعليمية وقد كانت منتشرة في جميع أرجاء المنطقة آنذاك. وكما هو معروف فالكتاتيب كانت تركز على تدريس القرآن واللغة العربية والحساب بشكل أساسي.

وأولى الشيخ راشد رعاية خاصة لمدرسة الأحمدية، وهي أول مدرسة نظامية عرفتها دبي، وتكفل بمصاريفها منذ عام 1954 وكان يحرص على تقديم الدعم المادي لعدد من أبناء دبي الذين التحقوا بمدارس قطر، وقام بتخصيص جزء من قصره كمدرسة ومع بداية عهده افتتحت خمس مدارس.

وبمقتضى مرسوم أميري صدر في أواخر الستينيات عُين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بن سعيد آل مكتوم رئيساً للشرطة والأمن العام في دبي؛ من أجل تطوير جهاز الشرطة وتقويته ليكون مواكبا لحركة التعمير والبناء التي عمت الإمارة، ولاستكمال مؤسسات العمل العام أصدر الشيخ راشد توجيهاته بتأسيس دار القضاء بمنطقة البطين ببر دبي.

وفي عام 1971 أصدر المغفور له الشيخ راشد، أمره لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بإنشاء قوة للدفاع بإمارة دبي.

النفط والطفرة

أحدث اكتشاف النفط في دبي بكميات تجارية نقلة هائلة في الامارة وبدأت دبي إنتاج النفط رسميا في السادس من سبتمبر عام 1969. وتم شحن اول ناقلة بالبترول في 22 سبتمبر 1969 بحمولة 180 ألف برميل. وفي التاسع من نوفمبر 1970 تم اكتشاف حقل النفط الثاني في جنوب غرب حقل (فتح) وبدأ إنتاجه في عام 1972. وتوالت بعد ذلك عمليات استكشاف النفط في دبي، فيما قام الشيخ راشد بإبرام اثنتي عشرة اتفاقية في الفترة ما بين أكتوبر 1982 ونوفمبر 1973، وطالب الشيخ راشد في عام 1970 شركات النفط بأن تزيد حصة دبي من دخل النفط من 50 في المئة إلى 55 في المئة، وشهدت أسعار النفط ارتفاعاً هائلاً إبان حرب السادس من أكتوبر عام 1973.

في مطلع الستينيات، ومع توسعة خور دبي أخذ مستوى المعيشة في مدينة دبي في التحسن بفضل توفير المرافق الأساسية، ولهذا اقتنع الشيخ راشد بضرورة إنشاء ميناء حديث كبير الحجم وبحلول عام 1967 كان المهندسون المصممون يقومون برسم مخططات ميناء في منطقة الشندغة التي اختيرت لعمق مياهها ولوجودها على مقربة من مدخل الخور.

كما قامت حكومة دبي بتطوير ميناء الحمرية عام 1975 لكي تخدم سفن البوم والسفن الخشبية التي تنتقل على ساحل الخليج.

في الثاني من أغسطس عام 1976 تم حفر الأرض تمهيدا لإنشاء ميناء جبل علي وانتهى العمل من إنشاء أول رصيفين خلال ثمانية عشر شهرا وقد عمل الميناء بكامل طاقته في يونيو 1979.

وقام الشيخ راشد بالتوقيع على اتفاقية إنشاء الحوض الجاف لإصلاح السفن في أواسط شهر مايو عام 1972 وفي عام 1979 تم افتتاح الحوض الجاف الذي اشتمل على ثلاثة أحواض يستوعب واحد منها سفنا حمولتها مليون طن وأسندت رئاسة تلك المنشأة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ويعد ميناء جبل علي الذي انتهى العمل فيه بالكامل عام 1981 أكبر ميناء في الشرق الأوسط ليضيف بذلك الشيخ راشد إنجازا جديدا لسجل إنجازاته العديدة.

رؤية واضحة للمستقبل

في مارس 1995 أصدر المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد، حاكم دبيّ آنذاك، قرارًا بتعيين شقيقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ولياً للعهد. وعلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في هذه المناسبة، قائلاً: "لا أعرف ما إذا كنت قائدًا جيدًا ام لا، لكن ما أعرفه انني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل، تمتد قدما إلى 20 أو 30 عاما. لقد اكتسبت هذه الرؤية من والدي، الذي يعتبر بحق في مقام الوالد لدبي. لقد أطلق المشاريع، ووقف عليها شخصيا، كان يستيقظ باكرًا، قاصدًا مواقع المشاريع ليشرف عليها شخصيا، وانا أسير على خطاه، أبقى على اطلاع على كل شيء، أذهب للمواقع وأراقب، اقرأ الوجوه، اتخذ القرارات المناسبة، انطلق بخطى سريعة لتطبيق هذه القرارات بحماس وعزيمة عاليين".

وبدخول دبي مرحلة البناء الثانية يثبت صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أنه يقتفي معالم طريق من سبقوه. وفي هذا يقول سموه في «رؤيتي»: «نحن حملنا راية والدنا، مثلما حمل هو راية والده قبله، وتابعنا المسيرة.. كل الفرق أنه كان يقوم بأعمال في الستينات والسبعينات، بينما نقوم نحن بأعمال مشابهة في العقود التي بعدها، لكن الهدف واحد، وهو تنمية دبي وضمان مستقبل المواطنين والمقيمين والسهر على راحتهم وأمنهم في بيوتهم ومدينتهم».

وفي مرحلة مبكرة من بداية البناء الثاني قال سموه "انطلاقاً من ايماننا الراسخ بضرورة مواجهة هذه التطورات للحفاظ على قدراتنا التنافسية كمركز إقليمي متنامي الأهمية، فقد عملنا بجد خلال السنوات القليلة الماضية على وضع وتطبيق خطة تنمية استراتيجية تركز بالدرجة الرئيسية على تقنيات الاقتصاد الجديد ومواصلة تنويع البنية الاقتصادية للبلاد بعيداً عن قطاع النفط وانتهاج سياسات تحفز على تعزيز الاستثمارات، حيث توجب هذه الجهود بتمتعنا بأحد أكثر الاقتصادات ديناميكية مع تقلص نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي بشكل ملحوظ".

مرحلة نوعية تسرع الانتقال إلى تقنيات الاقتصاد الجديد

 

دخلت دبي في مرحلة نوعية تساهم في تسريع مسيرة انتقال المنطقة إلى تقنيات الاقتصاد الجديد مع تحول المدينة إلى مركز اقليمي وعالمي متنامي الأهمية لتكنولوجيا المعلومات يضم شركات تكنولوجيا المعلومات والاعلام ومقدمي الخدمات ومطوري البرامج والوسائط المتعددة والخدمات المتعددة على الإنترنت وشركات الخدمات وغيرها.

واعتمد سموه معادلة النجاح التي اعتمدت عليها قصة نجاح دبي التي وضع أسسها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، واعتمدت على 3 محاور رئيسية تتمثل في الاستثمار الحكومي المكثف لإقامة بنية أساسية حديثة وتوفير بيئة تشريعية وقانونية توفر أسساً قوية للنمو وتساعد في إقامة علاقة شراكة قوية بين القطاعين العام والخاص.

وبتفعيل علاقة الشراكة القوية بين القطاعين العام والخاص، جاء الانطلاق بهذه الشراكة إلى آفاق جديدة، حيث تواصلت مراجعة وتطوير القوانين والتشريعات وترسيخ ثقافة مؤسسة تعزز نمو وتطور مختلف قطاعات الأعمال في الوقت الذي تواصل تطوير البنية الأساسية وتعزيز خدمات مختلف المؤسسات الحكومية واعتماد توجه يتسم بالانفتاح يحفز على المبادرات والإبداع والابتكار.

بدأت المشاريع المرحلة الثانية للبناء في دبي واسهمت بصورة سريعة في رسم صورة مشرقة جديدة لدبي والتي كانت تحتاج إلى مثل هذه المشاريع لنضوب النفط فيها والذي ما عاد يشكل أكثر من 20% من دخلها في ذلك الوقت، وكان لابد لنجاح هذه المشاريع أن يحقق ثلاثة عناصر مهمة وهي:

تسويق دبي، تحقيق مصداقيتها في قدرتها على تنفيذ ما تعد به، أن جميع ما تقدمه دبي يجري في مناخ آمن ومكتوب له النجاح.

مهرجان دبي للتسوق

في أواخر عام 1995 أعلن عن ولادة مهرجان دبي للتسوق، وكان الهدف من وراء هذا المهرجان السنوي توظيفه وسيلة للترويج للاقتصاد الإماراتي على المستوى العالمي، إذ بلغت قيمة المبيعات ما يقارب المليار دولار في دورته الأولى. وأراد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أن يغني المهرجان بأحداث ونشاطات مثيرة فجاء الإعلان عن كأس دبي العالمي لسباقات الخيول، ليتزامن حفل افتتاح هذه الكأس مع بداية مهرجان دبي للتسوق.

مبنى الشيخ راشد في مطار دبي الدولي جاء بهدف تطوير السياحة في دبي وكان لا بد من إنشاء مطار يمثل التطور في البلاد، فقرر تطوير مطار دبي الدولي وإنشاء مبنى جديد لاستقبال المسافرين مزود بكل وسائل الراحة والتسوق وكافة الخدمات العصرية التي تحتويها أفضل المطارات العالمية، فبدأت أعمال الإنشاء وتنفيذ التوسعة، ليتم افتتاح المبنى الجديد بالمطار في 1 أبريل 1998 والذي أطلق عليه اسم مبنى الشيخ راشد على اسم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وهي المرحلة الأولى من خطة التوسعة لمطار دبي الدولي.

وأعلن في عام 2001 عن مشروع جزيرة النخلة، وهو مشروع منتجع يتألف من ثلاث جزر صناعية بنيت على ساحل دبي. وتعد أكبر ثلاث جزر صناعية في العالم، وهي تتكون من ثلاث جزر صناعية على شكل النخلة.

مدينة دبي للإنترنت

في 29 أكتوبر 1999 عقد مؤتمرا صحافيا أعلن فيه انه خلال سنة سيتم إقامة مدينة دبي للإنترنت بهذا المكان، وأكد أن هذه المدينة سوف توفر البنية التحتية اللازمة والمناخ والمكان الملائمين لتمكين مشاريع الاقتصاد الجديد من إدارة عملياتها من دبي، وذلك بتقديم خدمات فعالة ومنافسة. وقد حصلت أكثر من مئة شركة تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات على ترخيص، لتتخذ من مدينة دبي للإنترنت مركزًا لإدارة عملياتها.

وفي عام 1997 أمر سموه بإنشاء برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز ووضع جائزة للأداء الحكومي المتميز سميت بجائزة دبي للأداء الحكومي. وقد وضعت معايير دولية للجودة على الدوائر الحكومية اتباعها تستند إلى تسهيل الإجراءات والشفافية وسرعة الأداء واتباع الأساليب الحديثة في الإدارة واكتشاف القياديين وتفعيل العلاقة بين الدائرة ومن يتعامل معها بصورة متينة.

وفي 11 مايو 1999 وفي كلمة ألقاها سموه في حفل توزيع جائزة دبي للجودة، أعلن انه بعد سنة ونصف سوف تتحول حكومة دبي بشكل كامل إلى حكومة إلكترونية، وقد أنجزت المبادرة في الوقت المحدد لها، فكانت أول حكومة إلكترونية متكاملة في العالم.