أكد معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي رئيس جامعة زايد أن تطور مجتمع الإمارات يعد انعكاساً صادقاً، للقيم والتعاليم الإسلامية الخالدة، التي تُرسي الأسس المتينةَ والقوية، لِتَماسُك الناس وائتلافهم، وتغَرسُ القواعد والمبادئ التي تؤسّسُ لمجتمعات تقوم على المودّة والتراحم، بل التواصل والتفاعل، وتهدف إلى تأكيد مفهوم الوطن والمواطنة، والسعي إلى تحقيق السعادة والأمن والاستقرار والاجتماع على الهدى والخير.
وقال معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان خلال افتتاحه فعاليات "ملتقى الإمارات وطني" بمركز المؤتمرات بجامعة زايد إننا نعتزّ اعتزازاً كبيراً بوطننا الإمارات حيث نحتفي بماضيه الخالد، ونفتخر بحاضره الناجح والرائع ، ونعمل سوياً من أجل مستقبله المشرق والزاهر، مؤكدا أن الجميع مؤمن بما يُجسّدُه هذا الوطن من تلاحم قويّ، بين الشعب والقيادة، وحرص كبير على تعميق الهُوِيَّةِ الوطنية ، وسعي متواصل لتأكيد مشاركة الجميع، في المسيرة الوطنية ، بل وما يتّسم به أبناء وبنات الوطن، من ولاءٍ وانتماء، لكافة مُكَوِّناتِه: أرضِه وقياداتِه ونظامِه ومؤسساتِه وإنجازاته، وما يتمتع به وطنُنا الغالي، من أمنٍ ورخاء ونماء واستقرار، وما يترتّب على ذلك ، من أدوار محورية يقوم بها ، على كافة الأصعدة، في المِنطقة والعالم.
وأضاف أن موضوع الإمارات وطني .. انتماءٌ وولاء مع ربْطِ ذلك برؤية تأصيليةٍ شرعية يضفي مسحة من الجِدَّة والابتكار ، ويُسلط الضوء ، على كثير من الحقائق التي تُثري الموضوع، وتجعلُنا نحرصُ على مناقشته ، بأسلوب واع ، وتصوّر متّزن.
وقدم معالي الشيخ نهيان بن مبارك الشكر لمجموعة الحبتور، والقائمين على مسجد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفي مقدمتهم رجل الأعمال خلف الحبتور لتنظيمهم هذا الملتقى.
مبادئ أصيلة
وقال معاليه إن الله عز وجل استخلَفنا في هذه الأرض، لنُعمّرَها ونُطوّرَها ، ننتمي إليها، ونُترجم في أقوالنا وأفعالنا، عن ارتباطنا بها، والتفافِنا حولَها، بل وولائِنا الكامل لها، مشيرا إلى ان هذه المبادئ الأصيلة مبعث إلهام ورؤية للمغفور له، الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، عليه رحمةُ الله ورضوانُه حين أدرك أن نجاحَ هذا الوطن، رهنٌ بقدرات أبنائه وبناتِه، وارتباطِهم بمسيرتِه، وحرصِهم على الأداء والإنجاز ، بأعلى المستويات ، والعمل معاً كفريقٍ واحد ، يسعى للهدف المشترك في تحقيق رقي الوطن وتقدمه.
وأضاف أن أحد أهم جوانب هذه المسيرة الرائدة هو بناء وتشكيل إنسانِ هذا الوطن، على مبادئَ قويمة، وأسسٍ رشيدة، تعتمدُ على الإيمان بالله والثقةِ بنصرِه وتأييدِه، والعملِ وِفْقَ ما يتطلبه الوطن والدولة، على كافة الأصعدة، وفي مختلف المجالات.
وقال إننا ولله الحمد، دولة يعيش أبناؤُها والوافدون إليها ، في سلامٍ وتآلفٍ ووئام ، وهي في الوقت ذاتِه ، دولةُ تَقدُّمٍ ورخاءٍ واستقرار ، نحمد الله سبحانه وتعالى ، أن قائدَها وموجّه مسيرتِها، صاحب السمو الوالد الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ، رئيس الدولة حفظه الله ورعاه حريصٌ كلَّ الحرص ، على أن تظلَّ الإمارات ، وهي بلدُ الحكمة، وبلدُ السلام ، وبلدُ البناء والتعمير، وبلدُ العلم والمعرفة ، وبلدُ التواصل الإيجابي ، مع كافة أقطار وشعوب العالم ـ لقد عَرَفنا جميعاً ، في صاحب السمو الوالد رئيس الدولة، وفي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ، نائب رئيس الدولة ، رئيس مجلس الوزراء ، حاكم دبي ، وفي إخوانهما أصحاب السمو الشيوخ، أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد ، حكّام الإمارات ، وفي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ـ لقد عرفنا فيهم جميعاً ، ثقتَهم في المستقبل الناجح للوطن ، وحرصَهم على تقدم المجتمع ، وتأكيدَهم ، على استمرارية الدعم والبناء ، لكافة مؤسسات الدولة ، كما عرفنا فيهم أيضاً ، توجَيهَهم الرشيدَ والمستمرّ ، إلى أهمية بناء المواطن، وتهيئة طريق العلم والتعلّم أمامَه ، وإعداده الإعدادَ الأمثل ، لأداء دوره في بناء دولته ، ومسايرة ركب التطور العالمي في كافة المجالات.
حضر الملتقى الذي ينظم برعاية مؤسسة دبي للإعلام ومسجد ومركز الفاروق عمر بن الخطب وإشراف دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي لمدة يومين كل من الشيخ شخبوط بن نهيان بن مبارك آل نهيان ود. سليمان الجاسم مدير جامعة زايد ود. طيب كمالي مدير كليات التقنية العلياو د. علي راشد النعيمي مدير جامعة الامارات، وسلطان الحبتور رئيس مجموعة الحبتور، وعبد السلام المرزوقي مدير إدارة خدمة المجتمع بالمجموعة، واعضاء الهيئتين التدريسية والادارية وطالبات الجامعة.
واستضاف الملتقى الدكتور حمدان مسلم المزروعي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، والدكتور فاروق حمادة المستشار الديني بديوان ولي عهد أبوظبي، والدكتور احمد عبد العزيز الحداد مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، والدكتور سيف الجابري مدير إدارة البحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، والدكتورة عائشة سلطان المرزوقي أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الإمارات.
واشتمل الملتقى على عدد من الموضوعات وهي: "قيادة واعية .. عطاء وانتماء"، و"حب الوطن في عالم متغير"، و"الحقوق الشرعية لوطني الإمارات"، و"الحفاظ على الوطن من بؤرة الانحراف الفكري"، "الولاء والانتماء للوطن وتعزيز الهوية الوطنية لدى الطلاب".
تطوير الوطن
وتناول الدكتور حمدان مسلم المزروعي في كلمته أهمية القيادة الواعية من الناحية الشرعية، ومنجزات قيادتنا الرشيدة في صنع الاتحاد وبناء المستقبل واستثمار الطاقات وخدمة الناس والمجتمع مع البعد الديني لهذه المنجزات، والعلاقة بين المواطن والقيادة.
وقال إن الفقهاء أجمعوا على أن وجود الحاكم واجب ديني وضرورة اجتماعية لتحقيق أمور الدين والدنيا، مشيرا إلى أن الله عز وجل من على الإمارات بقيادة رشيدة ألف الله تعالى بين قلوبهم ووحد كلمتهم، وجمع رأيهم على قلب رجل واحد، وقد أدركوا قيمة الوحدة وأهمية الاتحاد.
وأكد المزروعي أن الوحدة مقصد من المقاصد التي سعى إليها الإسلام لتحقيقها، ووضع كل السبل التي تبني المجتمعات وتوحدها وتجمعها ولا تفرقها، مصداقا لقول الله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»، مشيرا إلى أن جهود القيادة الرشيدة أثمرت عن دولة حضارية حديثة يؤمها الناس ويشهدون برقيها وتقدمها وتطورها.
وقال إن القيادة الرشيدة قامت بتنمية الإنسان وبناء شخصيته وتربية أخلاقه وتقويم سلوكه والاهتمام بتعليمه وإكسابه المهارات وتسخير الإمكانات التي تمكنه من العيش الرغيد، والقيام بدوره في بناء الوطن والإسهام في تطوير حضارته، لافتا إلى أن هذه النظرة تستند إلى المفهوم الديني للإنسان الذي كرمه الله تعالى.
وأوضح المزروعي أن للمرأة نصيبا كبيرا من الرعاية والاهتمام لمواصلة تعليمها وتشجيعها على العمل وبناء الدولة منذ تأسيس دولة الإمارات على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث نالت المرأة الإماراتية الدرجات العلمية العالية وترقت في المناصب الحكومية العالية، مشيرا إلى أن المرأة الإماراتية مؤهلة وتمتلك القدرة لخدمة المجتمع وبنائه وتنميته، وتشارك الرجل في المجالات المتعددة التربوية والعلمية والسياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
مدير الإفتاء: من شأن المؤمن أن يكون وفياً لوطنه
قال الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري عن "الحقوق الشرعية لوطني الإمارات": علينا أن نعرف أن الوطن بالنسبة للمرء يعتبر أحد مكونات حياته، وحاجته إليه كحاجته إلى الطعام والشراب بل إلى الهواء الذي لا يعيش بدونه، فإنه لا يقدر أن يعيش هائما على وجهه لا يجد لنفسه ملجأ ولا مصيرا، وإن كانت أرض الله واسعة، إلا أنها مع سعتها يحتاج المرء فيها إلى كيان يحويه ويحميه، وذلك هو الوطن، فلا غرابة إذاً أن تكون محبة الوطن غريزة في النفس، بحكم ما له عليه من إفضال وإدلال.
وأضاف أن الإيمان لا يقاطع حب الوطن، بل من شأن المؤمن أن يكون وفيا لوطنه، محبا لأهله، عاملا في منفعته ومصلحته؛ فهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أن بشره ورقة بن نوفل رضي الله تعالى عنه بالنبوة، وأخبره بما سيجري له من محن وعداوة من قومه، لم ينزعج ويستغرب إلا يوم أن قال له: «يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك» فقال: «أو مخرجِيَّ هم؟!» لما لوطنه من كمال المحبة في قلبه، ولماَّ صدقت نبوءة ورقة، وأُخرج المصطفى صلى الله عليه وسلم من بلده الأمين، لم يتمالك وهو واقف على الحزورة وعيناه تذرفان إلا أن يقول: «أنت أحب بلاد الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك»، فأنزل الله على نبيه: «وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم»، سورة محمد 13. ولولا أن ثبته الله تعالى وطمأنه على عودته إليه فاتحا مظفرا بقوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ». القصص 85، لكان الأسى في قلبه كبيرا.
وعن حقوق الوطن والمواطن قال الدكتور أحمد الحداد إنه إذا أدركنا مفهوم الوطن وأن محبته فطرية وحتمية، فإن ذلك يحتم علينا أن نبحث عناصر المواطنة ليعلم المرء ما له وما عليه فيها، وهي تتلخص في عنصرين اثنين، هما عنصر الواجبات، وعنصر الحقوق.
أما الواجبات فهي كثيرة جدا، وأهمها: صدق الانتماء وذلك يعني: الوفاء للوطن بحيث يكون له الولاء وبه البراء، ويحمى بالأموال والدماء، ولذلك شرع الدفاع عنه بما يمنع الظلم والاحتلال، وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا دهم البلاد عدو من سوى أنفسهم، أن لهم أن ينفروا جميعا لحمايته كل بحسب قدرته وطاقته، حتى إن المرأة تخرج من غير إذن زوجها، والولد من غير إذن أبيه، والعبد من غير إذن سيده، ثم النصح لولاته والمناصرة لهم في السراء والضراء، على المنشط والمكره، وذلك من أوجب واجبات الإسلام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
وقال إن من الواجبات الرفعة من شأن الوطن في كل المناسبات والفرص المتاحة له؛ لأن خذلانه عند الحاجة من التنكر لفضله، وتشجيع أعدائه عليه، يكون سببا للإدالة على بلده ومجتمعه، وما نيل من بلد نيلا إلا بسبب خيانة من لا ولاء له لوطنه، وقد ضرب كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بسبب المقاطعة العامة التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بسبب تخلفهم عن جيش العسرة، فإنه لما سيم على وطنه ودينه رفض ذلك أشد الرفض، فقد جاءه نبطي من نبط الشام، قدم بطعام يبيعه بالمدينة، ومعه كتاب من ملك غسان فيه ما نصه: أما بعد؛ فقد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا منقصة، الحق بنا نواسك، فقال حين قرأه: وهذا أيضا من البلاء فتيممت التنور فسجرته بها.
