صادف أمس ، الذكرى الثانية لرحيل المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي ، الذي شكل ، رحمه الله ، مع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، طيب الله ثراه ، والشيوخ المؤسسون أعضاء الاتحاد ، الذين توفاهم الله ، اللبنة الأولى لانطلاق مسيرة الاتحاد.
ولد المغفور له الشيخ صقر القاسمي عام 1918 في مدينة رأس الخيمة ، ونشأ نشأة إسلامية عربية ، في كنف والده الشيخ محمد بن سالم بن سلطان القاسمى ، الذي كان حاكماً للإمارة ما بين عامي 1917 - 1919 ، واتصف بالهدوء والحلم وقوة الإرادة والشجاعة في إبداء الرأي ، كما عرف عنه اعتزازه الشديد بتاريخ أجداده الذين بنوا أكبر قوة بحرية عربية في المنطقة ، وعرف عنه أيضاً ولاؤه لأمته العربية ، ونصرته لقضايا الحق والعدل والسلام.
ينتمي الشيخ صقر بن محمد القاسمي في نسبه إلى الشيخ رحمة بن مطر بن كايد ، مؤسس دولة القواسم في المنطقة 1760 ميلادي ، عقب انهيار دولة اليعاربة ، ويعود تسلسل نسبه كما يلي ، صقر بن محمد بن سالم بن سلطان بن صقر بن راشد بن رحمة بن مطر بن كايد ، وهو الجد الأكبر للقواسم.
تمتع الشيخ صقر منذ ولادته برعاية أبوية خاصة ، أساسها التعلم وأخذ المعرفة بأمور الدين والدنيا ، فقد نشأ بين أشقائه وزملائه ينهل في دراسته معاني القرآن الكريم ، وحفظ آياته ، وتعلم القراءة والكتابة على يد ما كان يسمى في ذلك الوقت «المطاوعة» ، حيث درس الشيخ صقر في طفولته على يد المطوعة الفاضلة فاطمة ، زوجة حمد الرجباني ، المعروف باسم «المغربي» ، وتلقى في تعليمه الأولي حفظ آيات من القرآن الكريم ، والحساب ، ومبادئ القراءة والكتابة.
وكان عمر الشيخ صقر حينئذ لا يتجاوز عشر سنوات ، ثم درس في ما بعد على يد معلمين متخصصين ، أحضرهم الحاكم في تلك الفترة خصيصاً من نجد ، لتدريس أفراد العائلة الحاكمة في بيت الحاكم ، ثم تلقى دراسة العلوم الدينية والعربية على يد الشيخ سيد الهاشمي ، في بيت فضيلة الشيخ علي بن محمد المحمود ، وكانت الدراسة فيها شبه نظامية.
اهتمام بالعلم
أعطى الشيخ صقر بن محمد القاسمي جل اهتمامه لنشر العلم والمعرفة في المجتمع ، إيماناً منه بدور التعليم في بناء الإنسان والمجتمع ، وتكوين الوعي الحضاري للدول ، حيث أمر بإنشاء دائرة للمعارف ، لمتابعة شؤون البعثات العلمية في الإمارة ، وقام بتذليل العقبات أمام كل الوفود التعليمية التي أرسلتها الدول الأخرى من أجل نشر العلم .
كما قام بافتتاح مدارس نظامية في الإمارة ، وكان يشجع الطلاب وأولياء الأمور ، ويحثهم على تعليم أبنائهم ، ويصرف لهم مكافآت شهرية ، كما قام بافتتاح عدد من المدارس ، وجعل التعليم إجبارياً للإناث ، كما هو للذكور ، وكان يعاقب الطالب إذا ما تغيب عن المدرسة دون عذر ، ولا يعفى عنه إلا بضمان ولي أمره ، وتعهده بمتابعته والمثابرة في الدراسة وتلقى العلم.
ومنذ أن تولى الحكم ، أولى العلم والتعليم جل اهتمامه ، فأصبح في رأس الخيمة عشر مدارس في عام 1960 ، خمس منها للبنين ، وخمس للبنات ، وعمل على إنشاء المدرسة الزراعية في الدقداقة في سنة 1955 ، ثم أنشأ المدرسة الصناعية في سنة 1969 ، وكان التعليم في بداياته مختلطاً في المرحلة الابتدائية ، ومع ازدياد الطلبة تم بناء المزيد من المدارس ، حتى وصل عدد المدارس في عام 1969 إلى 27 مدرسة ، وارتفع عدد الطلبة إلى نحو ستة آلاف طالب وطالبة.
عمل الشيخ صقر بن محمد القاسمي ، منذ توليه حكم إمارة رأس الخيمة ، الذي يصادف في يوم الاثنين الموافق 9 فبراير 1948 ميلادي ، على إرساء قواعد الوحدة الوطنية بين القبائل في الإمارة ، وجمع شملها ، والتأليف بينها ، وجعلها وحدة متماسكة ، وتوحيد صفهم ، لأن الإنسان فى نظره هو الثروة الكبرى للوطن ، لذا عكف على رفعة شأن إمارته ، وتقدمها في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية ، فحققت رأس الخيمة بجهوده المتواصلة ، تقدماً كبيراً في ركب العلم والتقدم.
انتخب الشيخ صقر عام 1965 ، رئيساً لمجلس الحكام قبل قيام اتحاد دولة الإمارات ، وضم إمارات الساحل ، واستطاع خلال ترؤسه المجلس تحقيق الكثير من المنجزات ، وظل في هذا المنصب إلى قيام الاتحاد.
اتحاد متماسك
وعمل إلى جانب إخوانه حكام الإمارات على إقامة اتحاد متماسك ومترابط ، يجمع شمل الإمارات في دولة واحدة ، تزيل الحواجز بين أبناء المنطقة الواحدة ، وعلى الرغم من الصعوبات الجمة التي واجهت قيام الاتحاد ، إلا أن الإرادة الوحدوية الصلبة للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، وإخوانه حكام الإمارات ، تمكنت من تخطي كل العقبات ، وتحقيق الأمنية الغالية لشعب الإمارات ، حيث شهد يوم الثاني من ديسمبر 1971 ، ميلاد دولة حديثة ، أصبحت يوم إعلانها الدولة الثامنة عشرة في جامعة الدول العربية ، والعضو الثاني والثلاثين بعد المئة في الأمم المتحدة.
وفي 10 فبراير من عام 1972 ، انضمت إمارة رأس الخيمة إلى الاتحاد ، ليكتمل كيان سياسي موحد وقوي ، وقد جاء بناء الاتحاد ، إضافة إلى كونه ضرورة حتمية لمواجهة التحديات التي كانت تواجه المنطقة ، ترجمة عملية لتعزيز أواصر القربى وصلات الرحم بين أبناء الإمارات جميعاً.
وتحولت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال سنوات قلائل من قيام اتحادها ، إلى دولة عصرية مزدهرة ، ينعم مواطنوها بالرفاه والرخاء ، بفضل القيادة الحكيمة ، والعطاء السخي ، والجهود المخلصة للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، طيب الله ثراه.
إن اتحاد إماراتنا كان ثمرة جهود دؤوبة ، قام بها الشيخ زايد وإخوانه حكام الإمارات المؤسسون ، رحمهم الله ، فالجميع كان مؤمناً بمقولة الشيخ زايد «بأن تجربتنا الاتحادية كانت نابعة في المقام الأول من الرغبة في زيادة أواصر القربى ، ومن قناعة الجميع بأنهم أهل ، ولا بد أن يجتمعوا تحت قيادة واحدة ، فنحن لم يسبق لنا تجارب اتحادية .
ولكن قربنا من بعضنا بعضاً ، وصلة الرحم بيننا ، هي التي جعلتنا نؤمن بضرورة قيام اتحاد بيننا ، يكون عوضاً عن التفتت والتمزق اللذين كانا سائدين بيننا ، ولأننا آمنا منذ اللحظة الأولى بأهمية ونجاح هذا الاتحاد ، فإننا نشعر الآن بأن أملنا قد تحقق ، وأصبح للاتحاد كيانه وسمعته الممتازة في الداخل والخارج ، واحتل المكانة العالمية التي تليق به في مصاف الدول».
مسيرة مباركة
ويكمل المسيرة المباركة ، بعد ذلك ، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ، حفظه الله ، وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات ، ويستمر الإنجاز والبناء والتمكين ، التي حققت فيها الإمارات إنجازات عديدة على جميع الأصعدة ، السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
وامتاز الشيخ صقر القاسمى بسياسته الحكيمة ، وبعد رؤيته ، وتطلعه الدائم إلى المستقبل بتفاؤل وأمل ، حيث استقطبت الإمارة العديد من الصناعات الناجحة ، التي أسهمت في دفع عجلة التقدم ، ومنها صناعة الأسمنت والأدوية والسيراميك والحديد ، وغيرها من المصانع والشركات.
وقد توالت نهضة رأس الخيمة العمرانية والاقتصادية بتوجيه وإشراف مباشر منه ، حيث تم افتتاح المشاريع الكبيرة ، ومنها مطار رأس الخيمة الدولي ، وميناء صقر ، وبذلك حققت إمارة رأس الخيمة خلال سنوات قلائل في عهده ، منجزات كبيرة ، وشهدت تحولات جذرية على طريق التقدم والازدهار ، انطلقت من وضع خطط حديثة لتطوير المدينة على أسس عصرية ، بإقامة العديد من المرافق الحيوية بالإمارة.
وبرحيل الشيخ صقر بن محمد القاسمي ،رحمة الله عليه ، تكون الدولة قد ودعت آخر من ساهموا في تأسيس دولة الاتحاد ، وأعطوا هذا الكيان العظيم الكثير ، وبذلوا في سبيل تحقيق الرخاء والرفاهية لإنسان هذه الأرض ، بما توافرت لهم من إمكانات ، في زمن كانت الحياة فيه صعبة ، والعيش لم يكن رغيداً.
62 عاماً قضاها الراحل في بناء إمارة رأس الخيمة ، وسط ظروف سياسية واقتصادية كانت في غاية الصعوبة ، حتى تمكن من تحقيق الأمن والاستقرار لها ، وتأسيس مقومات النجاح لها ، حتى أصبحت قادرة على المضي قدماً مع اللآلئ الست ، في حلقة تضيء السماء في المنطقة ، بقيام الدولة الاتحادية التي أراد لها بناتها أن تكون قوية ، وتبقى كذلك بفضل جهود الخلف ، رحم الله الشيخ صقر بن محمد القاسمي ، وأسكنه فسيح جناته.
إنجازات حضارية
حققت إمارة رأس الخيمة ، إنجازات حضارية شاملة في جميع الميادين ، بالجهود المخلصة للشيخ صقر بن محمد القاسمي ، وتوجيهاته السديدة بتسخير كافة الإمكانات المادية لبناء الوطن وخدمة المواطنين ، ومنحهم أراضي سكنية من دون مقابل ، كما أسهم في مساعدة ذوي الدخل المحدود لبناء منازل لأسرهم.
وفي عهد الدولة الاتحادية ، انطلقت عمليات التطوير والبناء في رأس الخيمة ، بإرساء قواعد الإدارة الحكومية السليمة ، وبناء المؤسسات التنظيمية والمالية والإدارية ، والمرافق والدوائر الحكومية التي تتولى الإشراف على تنفيذ مشاريع التنمية. وحرص الشيخ صقر بن محمد القاسمي ، على الالتقاء بالمواطنين على الطبيعة ، وتفقد احتياجاتهم ، والاطمئنان على أحوالهم ، والاستماع إلى مطالبهم واحتياجاتهم من مشاريع الخدمات بمناطقهم ، وكرس كل جهوده ، منذ أن تولى مقاليد الحكم ، لخدمة المواطنين ، وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في حياة كريمة ، يسودها الاستقرار والأمان والرفاهية ، وبناء دولة حديثة ينعمون بظلال تقدمها وازدهارها.
وأعطى الشيخ صقر اهتماماً ورعاية للشباب ، وكان دائماً يحرص على دعوتهم باستمرار إلى التسلح بالعلم والأخلاق ، حتى يسهموا بدورهم في خدمة الوطن ، إلى جانب حرصه أيضاً على حث الشباب على العمل والإنتاج ، والالتحاق بمختلف ميادين العمل ، باعتبار أن العمل شرف وواجب. وارتبط الشيخ صقر القاسمي بعلاقات أخوية وطيدة مع الدول الشقيقة المجاورة ، كما ربطته بدول العالم علاقات صداقة طيبة ، وحظي بتقدير كبير من الجميع ، ومن الأوساط السياسية والدبلوماسية العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة ، لما يتصف به ، رحمه الله ، من تواضع وحكمة وسخاء.



