قام العاهل المغربي بزيارة عمل إلى دول الخليج وضمنها دولة الإمارات، وبرفقته وفد وصف بالمهم يضم مستشاري الملك ووزراء من حكومة بن كيران لبحث سبل مساهمة هذه الدول في برامج تمويل مشاريع التنمية بالمغرب في إطار الشراكة الاستراتيجية المبرمة العام 2011 بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي.

بلدان يتطلعان إلى علاقات استثنائية تتعدى الأطر التقليدية إلى علاقات أكثر بناء، حيث هناك الأسس الأصيلة لتطير هذه العلاقات من أجل ارتياد آفاق جديدة، ليس في العلاقات الاقتصادية فحسب بل في شتى المجالات. ومن هنا تكتسي زيارة الملك محمد السادس إلى الإمارات، حيث ترتقي بالعلاقات إلى مستويات أفضل. كما تعكس هذه الزيارة حرص البلدين على ترسيخ تعاونهما وجعله نموذجاً يحتذى في مختلف الميادين، والرقي به إلى مستوى العلاقات السياسية المتميزة بين البلدين، القائمة على أسس راسخة من الاحترام المتبادل، والرغبة الصادقة في تطوير علاقات التعاون في مختلف المجالات. فعلى امتداد السنوات الماضية حافظت هذه العلاقات على مكانتها المتطورة، وهي اليوم مرشحة لمزيد من الازدهار بالنظر لكونها تتأسس على مبادئ الواقعية والتضامن في مواجهة الأزمات ورفع التحديات. وسعى البلدان الشقيقان، على الدوام، إلى تفعيل عرى الأخوة والصداقة وترجمتها على أرض الواقع، إرادتهما في ذلك، إرساء أسس شراكات تشمل كافة الميادين الاقتصادية والتجارية والمالية، فضلًا عن تبادل الخبرات، والتنسيق الدائم للمواقف على المستوى السياسي إزاء القضايا المطروحة على الساحتين العربية والدولية.

المستوى الاقتصادي

فعلى المستوى الاقتصادي، يشهد التعاون الثنائي تطوراً يعكسه مدى الإقبال الإماراتي على إنجاز عدد من المشاريع بالمغرب، باعتبار موقعه الجغرافي الاستراتيجي واستقراره السياسي والاقتصادي، الذي جعل منه فضاء متميزاً لاستقطاب استثمارات عدد من المجموعات الإماراتية، خاصة في مجال السياحة والعقار (شركتا إعمار والمعبر). كما ساهمت اللجنة المشتركة الإماراتية المغربية، بشكل فعال في تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري والمالي والاستثماري، فضلا عن تذليل العراقيل، التي تعترض سبيل تنمية التبادل التجاري. ولا يقتصر الحضور الإماراتي في المغرب فقط على الجانب الاقتصادي، بل تخطى ذلك إلى الأعمال الاجتماعية والإنسانية، مرورا بالدور الفعال في تنشيط الحركة الاقتصادية وترسيخ التفاهم بين البلدين.

وشهد حجم التبادل التجاري الثنائي نموا مطردا ما بين 2007 و2011، خاصة بعد دخول اتفاقية التبادل الحر الموقعة بين البلدين حيز التنفيذ سنة 2003، حيث ارتفع من 1,04 مليار درهم سنة 2007، إلى 1,114 مليار درهم سنة 2011. وحققت الاستثمارات الإماراتية بالمملكة المغربية في السنين الأخيرة طفرة نوعية، إذ أضحت الإمارات تتبوأ الصدارة كأول بلد خليجي وعربي مستثمر بالمغرب، في مجالات السياحة والعقار والزراعة والصناعة والطاقة. واستقطب المغرب في الآونة الأخيرة نسبة مهمة من الاستثمارات الإماراتية بفضل موقعه الاستراتيجي والحوافز الضريبية، التي تمنح للمستثمر الأجنبي، وكذا الانفتاح الكبير الذي بات يعرفه الاقتصاد المغربي، نتيجة الحركة الاقتصادية التي يشهدها في جميع المجالات.

تعاون مالي

وبخصوص التعاون المالي، تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة بدور مهم في دعم المجهودات التنموية في المغرب، سواء عن طريق منح حكومية، أو عبر قروض ميسرة من صندوق أبوظبي للتنمية، لإنجاز مشاريع اقتصادية واجتماعية، تهم بالخصوص، إنشاء السدود، والطرق السيارة، وتجهيز المستشفيات الجامعية.

وتمتد العلاقات بين البلدين منذ بداياتـــــها بين المغــــفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمغفور له الملك الحسن الثاني رحمهما الله اللذين أرسيا قاعدة صلبة بنيت عليها كل الإنجازات التي تحققت في العلاقات بين البلدين الشقيقين طيلة العقود الماضية. وهو ما يسير عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان والملك محمد السادس.

مغرب الحداثة والديمقراطية

جهود المغرب لا تزال متواصلة ببناء مغرب الحداثة والديمقراطية ودولة الحق والقانون التواقة لمواكبة التطورات العالمية، والمعتزة في ذات الوقت بهويتها وأصالتها وخصوصيتها التاريخية والثقافية والدينية. وخلال السنوات العشر الماضية منذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الأمور عرف المغرب ديناميكية كبيرة، عكستها ورش العمل الكبيرة التي غطت كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والاجتماعية والدينية وغيرها. فعلى الصعيد السياسي، توجت ورش العمل الكبرى التي انخرطت فيها كافة القوى السياسية بإقرار قانون جديد للأحزاب السياسية وإغلاق ملف الانتهاكات المسجلة في إطار حقوق الإنسان من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة والنتائج التي حققتها في كشف حالات الاختفاء القسري، وجبر الضررين المادي والمعنوي، بشكل جعلها قدوة على الصعيد الدولي في الحالات المماثلة. أما اجتماعياً فقد شكّل النهوض بأوضاع المرأة والرغبة في محاربة آفة الفقر والتهميش والإقصاء وفك العزلة عن العالم القروي وفتح المجال للتكوين أمام الشباب أبرز الطموحات خلال السنوات العشر الماضية، وقد تم التصدي لهذا الموضوع بكل جرأة من خلال العديد من القوانين والاستراتيجيات لعل أبرزها كانت مدونة الأسرة التي أعادت الاعتبار للمرأة المغربية وقانون الجنسية الجديد الذي أعطاها حق منح جنسيتها لابنها أياً كان والده. وتعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية استراتيجية عمل في هذا الإطار ساهمت في تطوير العديد من المناطق المهمشة ومدت آلاف المستفيدين بوسائل لتطوير مستواهم المعيشي والتعليمي، وولوج سوق العمل مزودين بالمعرفة الضرورية لذلك. ويشهد للمغرب على الصعيدين الثقافي والديني أنه باشر إصلاحات عميقة وجوهرية في هذا الإطار سعياً منه نحو محاربة الفكر الظلامي الذي ينشر اليأس والإحباط وذلك بعقلانية وانسجام تام مع روح وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف الداعية إلى الوسطية والاعتدال. وفيما يتعلق بالمجالين الاقتصادي والاستثماري، فإن المغرب بات ورشاً مفتوحة من أقصاه إلى أقصاه أمام مشاريع كبيرة فيما يخص البنية التحتية المتمثلة في بناء العديد من الطرق السيارة، ومد خطوط جديدة للسكك الحديدية وبناء ميناء جديد في طنجة سيكون أحد أهم موانئ البحر الأبيض المتوسط. يضاف إلى ذلك ما يسمى بالمخطط الأزرق للتنمية السياحية الذي يمتد من السعيدية أقصى شرق البلاد إلى الداخلة في أقصى الجنوب، والمشاريع المرتبطة بالطاقة في الجرف الأصفر.

إن الإمارات العربية المتحدة الشقيقة تواكب وتبارك هذه النهضة الاقتصادية والاستثمارية التي يعرفها المغرب، وتساهم فيها بشكل فعال من خلال المساعدات والاستثمارات والقروض وغيرها، إيماناً منها بأهمية وجدية ما يُنجز، ووفاء لعلاقات أخوية ظلت متميزة على الدوام منذ أن أرسى أعمدتها الصلبة المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والملك الحسن الثاني، وتعهد خلفهما الصالح بمتابعتها ورعايتها وارتياد آفاق جديدة بها لما فيه مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين.

دراسة

الدولة أكبر مستثمر في المغرب

كشفت دراسة نشرتها مؤخراً وزارة الخارجية الإماراتية أن الإمارات البلد الخليجي الأول من حيث الاستثمار في المغرب على مستوى الخليج وشمال إفريقيا وتجاوزت قيمة هذه الاستثمارات حسب الدراسة أكثر من " 70 مليار درهم إماراتي ".

وشملت بين العام 2006 وحتى مطلع العام 2010 قطاعات مختلفة من بينها الصناعة والزراعة وقطاع الصيد، والصحة والسياحة، والنفط والغاز الطبيعي، والمقاولات والعقارات، وتوليد الطاقة وصناعة الأدوية والمستحضرات الطبية الإماراتية في المغرب. وأشارت الدراسة إلى التكلفة التنافسية الاستثمارية في المغرب حيث تتوفر أيدي عاملة منخفضة الأجر وتتمتع بالكفاءة والمؤهلات، مقارنة بأوروبا حيث لا يتعدى متوسط أجر العامل 327 دولاراً شهرياً، أي أقل بعشر مرات من أجر نظيره في أسبانيا، بحسب الدراسة، ووصفت تكاليف التصدير إلى المغرب بكونها ذات أسعار تنافسية تصل إلى 700 دولار للحاوية الواحدة، بالإضافة إلى انخفاض الاقتطاعات الضريبية في المغرب وتوفر بنية تحتية بمعايير دولية.

تبادل تجاري غير نفطي

شهد التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين بحسب الدراسة التي أصدرتها وزارة الخارجية مؤخراً نموا ملحوظا بين عامين 2010 و 2011 وقفز من 399.6 مليون دولار إلى 1.3 مليار دولار بنسبة نمو وصلت إلى 226%، ويحتل المغرب المرتبة 35 على قائمة أكبر شركاء الإمارات التجاريين بعد أن كان في المرتبة 54 في عام 2010. وتزايدت قيمة الصادرات الإماراتية إلى المغرب بنسبة 30.2% في العام 2011 مقارنة بالعام 2010، لترتفع قيمتها من 123.7 مليون دولار إلى 161 مليون دولار خلال فترة المقارنة.