شكلت استراتيجية دبي المتكاملة للطاقة 2030، والتي تتماشى مع توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ،رعاه الله، مرتكزاً لوضع وتحديد توجه الإمارة لضمان تأمين إمداد الطاقة، وتعزيز كفاءة وفعالية الطلب على الكهرباء والمياه والوقود. ويعدّ المجلس الأعلى للطاقة في دبي الجهة المسؤولة عن التخطيط والتنسيق مع الجهات المختصة وهيئات الطاقة لتوفير مصادر متجدّدة ونظيفة للطاقة مع وضع مفهوم متوازن من أجل حماية البيئة.
ويضع المجلس نصب عينيه هدفاً سامياً أساسياً يتمثّل في خفض استهلاك الكهرباء المياه من جهة، وتكثيف الجهود نحو مشروعات الطاقة المتجدّدة من جهة أخرى، بما يعود بالنفع على المجتمع العام اقتصادياً وبيئياً. ولكي تصبح دبي نموذجاً أمثل للعالم في مجال أمن وفعالية الطاقة، كان لا بد للمجلس الأعلى للطاقة في دبي من وضع السياسات الصريحة والواضحة تضمن في سياق عملها إدارة العرض والطلب، وفي الوقت نفسه التنسيق مع الجهات المعنية لتطوير بدائل متجدّدة للطاقة وتطبيقها وفق جدول زمني بعيد المدى.
ويعمل المجلس الأعلى للطاقة حالياً على وضع وتطبيق الآليات المالية لتطبيق إستراتيجية دبي المتكاملة للطاقة 2030، وتحديد السياسات والأطر التنظيمية للمصادر البديلة، وتطبيق إجراءات خفض الطلب على الطاقة وإدارة كفاءتها، وتقييم استهلاك الطاقة وتحديد المناطق ذات الكثافة في الاستهلاك، وتطبيق وتقييم تقنيات خفض الطلب على الكهرباء والمياه والوقود. ومن المتوقع ان يتم تحقيق نجاح ملفت خلال السنوات المقبلة في تنويع منظومة الوقود وذلك بإدخال الطاقة الشمسية والفحم النظيف والطاقة النووية .
ومما لا شك فيه أن الانتقال إلى موارد جديدة لتأمين الطاقة يتطلب وقتا كون النسبة الأكبر من أنظمة توليد الطاقة حالياً تعتمد إما على النفط أو الغاز، ومع ذلك سيفيد تطوير قطاع "الطاقة المتجددة والنظيفة" في اعتماد حلول هجينة أو مزيج متنوّع من المصادر يسهّل من عملية الانتقال إلى المصادر المستدامة بدون إحداث صدمات اجتماعية واقتصادية.
طفرة اقتصادية
ولا تتحقّق الطفرة الاقتصادية في بلد ما إلا إذا توازت فيها الجهود التنموية في مختلف القطاعات الحياتية. ورغم أن "عمرها الاقتصادي" يتجاوز الاربعة عقود بقليل، إلا أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد سبقت بلدانا متطوّرة كثيرة في خوض غمار "اقتصاد الكبار"، فاتجهت نحو قطاع الطاقة النظيفة والمتجدّدة، إيماناً منها بأهميته المستقبلية في رسم ملامح الحياة الكريمة لشعبها ومنطقتها، بل والعالم.
ولم تنتظر الإمارات لتنتهي من تطوير بناها التحتية أو الارتقاء بأنظمتها التجارية أو المالية أو التعليمية، بل وضعت استراتيجيات راسخة في كافة تلك المجالات لتسير جنباً إلى جنب بهدف بناء مجتمع متكامل ومنظومة حياتية مستدامة ترتكز على أسس متينة تواكب متغيّرات العصر. فأين وصلت التجربة الإماراتية في تبني مبادئ وأسس الطاقة النظيفة المتجدّدة؟!
تعتبر الطاقة ركناً أساسياً في الأجندات الوطنية لأي بلد يطمح للتطوّر والرقي، لا سيّما وأن ناقوس الخطر بات يتردّد صداه في المحافل الدولية لناحية عدم كفاءة وكفاية المصادر الحيوية كالنفط والوقود الأحفوري، وآثارها الجسيمة على البيئة والبشرية جمعاء، وتعتبر دول مجلس التعاون من البلدان التي حرصت على توفير تقنيات الطاقة لدعم جهود التوسّع الصناعي والاقتصادي في قطاعات الأعمال الرئيسية، وكان النفط عنصراً هاماً في هذا التحوّل، من مجرّد بلدان مستهلكة بحتة، إلى بلدان منتجة ومصدّرة للمنتجات الوطنية التي يتم تصنيعها على أرضها.
ولا شك في أن دول مجلس التعاون الخليجي اعتمدت - ولا تزال على النفط والغاز الطبيعي كمصادر أساسية وأولية في توفير الطاقة، لا سيّما وأنها تنعم باحتياطات ضخمة من هذه الموارد الطبيعية، وتعتبر من كبريات الدول المصدّرة للنفط والغاز على مستوى العالم الا أن ذلك لم يجعلها دول الخليج العربي - تتوانى في إعادة التفكير ملياً في تغيير تعريف لفظ "الطاقة"، بما يتماشى مع الجهود العالمية الرامية إلى الحفاظ على البيئة، وحماية الأجيال المقبلة ومنحها حقّها في الاستدامة.
وفي الوقت نفسه، لم تقرّر دول مجلس التعاون أن تتخلّى عن النفط لتأمين الإمدادات اللازمة من الطاقة، بل أرست القواعد والقوانين التنظيمية التي من شأنها أن تساهم في الانتقال تدريجيا من الاعتماد الكلي على النفط، إلى إيجاد بدائل متجدّدة لتأمين الاحتياجات الضرورية من الطاقة للحفاظ على ديمومة التنمية الاقتصادية، بل وتطويرها من دون التأثير على مقوّمات البيئة المحيطة.
جهود وطنية واسعة
باتت الإمارات مركزاً حيوياً للأعمال، ومنصّة متكاملة تنطلق من بين رحابها الأفكار الخلاقة، والعلاقات التجارية الاستراتيجية نحو الأسواق العالمية. وللحفاظ على هذه المكانة النموذجية للدولة، وضعت حكومة الإمارات خطوطاً عريضة، وأسساً متينة لإحداث نقلة نوعية في بعض المجالات الرئيسية، وأبرزها الطاقة. ولكن، لماذا تتّجه دولة الإمارات العربية المتحدة للاستثمار بقوة وبملايين الدولارات في قطاع الطاقة، رغم أنها تمتلك احتياطياً جيّداً من النفط والغاز مقارنة بدول العالم؟!
تؤمن الحكومة الإماراتية بالآثار الإيجابية للبيئة الطبيعية والممارسات المستدامة على الفرد والمجتمع والبلاد. فالبيئة النظيفة والخالية من التلوث البري أو البحري أو الجوي تساعد على الحفاظ على الحياة السليمة والصحية للشعوب، وهو أساس بناء مستقبل قوي للأجيال المقبلة. ولطالما كانت الإمارات سبّاقة في الدعوة للحفاظ على الموارد الطبيعية، وفي تحويل الصحراء القاسية إلى جنان خضراء، وبالفعل فقد نجحت في ذلك. أفلا يؤدي التلوث بشتى أنواعه إلى تغيّرات مناخية وتدهور بيئي قد يقضي على هذه الأحلام؟
ربما كانت الخطوة الأولى التي رسمت ملامح مستقبل الطاقة في إمارة دبي هي دمج دائرتي الكهرباء والمياه تحت مظلة "هيئة كهرباء ومياه دبي" في العام 1992. واستمرت الهيئة وبدعم كامل من الحكومة في تأمين الطاقة الكهربائية والمياه باستمرار وبصورة مستقرة للمواطنين والمقيمين على أرض دبي طوال تلك السنوات.
لكنّها لم تكتف بهذا الدور فقط، بل حرصت على تجسيد قصة نجاح تميّزت ببناء قدرات وكفاءات عالية في مختلف مجالات عملياتها. إن الفلسفة الأساسية الراسخة التي تنتهجها هيئة كهرباء ومياه دبي تتمثل في النظر إلى المستقبل، والاستعداد له بالتخطيط العلمي بهدف تلبية الطلب المتزايد للمستهلكين على الطاقة الكهربائية والمياه. وبتطبيقها لهذه السياسة تمكنت هيئة كهرباء ومياه دبي من المضي قدماً في خدمة المستهلكين، وهي بذلك تؤدي دورها في المساهمة في النمو والإزدهار الاقتصادي لإمارة دبي.
رؤية مستدامة
وكانت هيئة كهرباء ومياه دبي قد انتهت قبل عدة أشهر من إعداد مخطط استراتيجيتها 2012 2016، وتطوير رؤيتها حول الاستدامة من خلال اعتماد وتبنّي برامج وسياسات من شأنها أن تسهم في دفع عجلة التنمية وتحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية، بطريقة تلبي احتياجات الجيل الحاضر من دون المساس بمستقبل الأجيال المقبلة.
12 مليار درهم لمجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية
يتماشى مشروع "مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية"، والذي تزيد تكلفته على 12 مليار درهم، مع رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، نحو تعزيز التنمية المستدامة لإمارة دبي. وتندرج هذه الخطوة تحت مبادرة سموه "اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة"، حيث تقوم هيئة كهرباء ومياه دبي بأعمال إدارة وتطوير المجمع وذلك ضمن استراتيجية دبي المتكاملة للطاقة 2030 والتي وضعت أهدافاً لتنويع مصادر الطاقة لضمان إمدادات الطاقة وتلبية الاحتياجات المتنامية في دبي.
ويمثل المشروع ترجمة الحلم إلى واقع ستقطف ثماره الأجيال الحاضرة والقادمة، ويعتبر المشروع الأكبر من نوعه في منطقة الخليج العربي، وتصل قدرته الإنتاجية إلى 1,000 ميجاواط بحلول عام 2030، ومن المقرر أن يتم تشغيل المرحلة الأولى من المجمع في الربع الأخير من العام المقبل 2013 باستخدام تقنيات الخلايا الكهروضوئية بقدرة إنتاجية تبلغ 10 ميجاواط.
الأول من نوعه
وتكمن أهمية المشروع في أنه الأول من نوعه من جهة القدرة الإنتاجية، وباكورة مشاريع واعدة لاستخدام الطاقات المتجددة في توليد الطاقة الكهربائية في دبي، حيث يتم استخدام أشعة الشمس المتوفرة على مدار العام في توليد طاقة كهربائية باستخدام أحدث التقنيات المتاحة، الأمر الذي سيلعب دوراً هاماً في دعم خطط التنمية المستدامة والمحافظة على الموارد الطبيعية وحماية البيئة من التلوث.
كما تقوم هيئة كهرباء ومياه دبي وبلدية دبي بتطبيق معايير المباني الخضراء على عدة مراحل. وقد صدرت المرحلة الأولى التي تحتوي على مواصفات أولية لبعض مكونات المباني، ويتم تطبيقها منذ العام 2008. وكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قد أصدر قراراً بتطبيق معايير "المباني الخضراء" الـــصديقة للبيئة على جميع المباني والمنشآت في إمارة دبي اعتباراً من يناير 2008، وذلك مـــن أجل إبقاء المدينة صحية وخالية من جـــميع أنواع الملوثات، بل وجعلها نموذجاً يُحتذى لمعايير التنمية المستدامة.
مبانٍ خضراء
وأعدّت هيئة كهرباء ومياه دبي المرحلة الثانية من تشريعات المباني الخضراء، والمتعلقة بعناصر كفاءة الطاقة، وكفاءة المياه، والطاقة المتجددة، حيث تم وضع تشريعات لتشجيع استخدام الأجهزة والمعدات عالية الكفاءة، مثل استخدام التحكم المناسب للمصاعد والسلالم المتحركة، واستخدام معدات الإنارة عالية الكفاءة في كل من الإنارة الداخلية والخارجية، والتحكم في الإنارة بحيث يتم إطفاء الإنارة في الأماكن الخالية، وتعظيم الاستفادة من الإضاءة الطبيعية في فترات النهار.
وكذلك التحكم المناسب في معدات التكييف، بحيث يتم إطفاؤه في الأماكن الخالية، أو على الأقل رفع درجة الحرارة، بهدف ترشيد الاستهلاك. وتحتوي أيضاً على تشريعات لتشجيع استخدام أدوات ومعدات المياه عالية الكفاءة، واستخدام الطاقة المتجددة في أنظمة تسخين المياه وإنتاج الكهرباء، وغيرها من التشريعات. وتم تطبيق هذه المرحلة من تشريعات المباني الخضراء اعتباراً من أبريل 2011.
من جهة أخرى، كان الإعلان عن تأسيس مدينة "مصدر" في العام 2006 بمثابة برهان قاطع يعكس الجهود الحثيثة التي تبذلها دولة الإمارات العربية المتحدة نحو قيادة التوجّهات العالمية في تطوير قطاع الطاقة المتجدّدة والتقنيات المستدامة. ولم تنتظر الإمارات قرارات دولية أو مبادرات عالمية للفت أنظار الرأي العام نحو مسألة الطاقة المتجدّدة، والبدائل النظيفة، بل استثمرت جهودها بتأسيس "مصدر"، والعمل الدؤوب والمتواصل بالارتكاز على الدراسات والأبحاث على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وجهة رائدة
وتسعى "مصدر" لترسيخ مكانة دولة الإمارات العربية المتحدة كوجهة رائدة لتحويل طموحات الطاقة المتجددة التي ينادي بها نشطاء الطاقة النظيفة حول العالم إلى واقع فعلي وملموس من خلال مشاريع ومبادرات وفعاليات تنشر الوعي بين شرائح المجتمع في سبيل تحقيق الهدف الأسمى وهو الحفاظ على كوكب الأرض. ومن خلال بناء هذه المنظومة المتكاملة، ستكون المرحلة الانتقالية من استخدام مصادر الطاقة التقليدية إلى اعتماد المصادر البديلة النظيفة منها والمتجدّدة سهلاً وبسيطاً، مما يساهم في تطوير التقنيات وطرح الابتكارات والأفكار الواعدة التي تصب في مصلحة الجميع في نهاية المطاف.
