أجمع خبراء محليون وعالميون في مجال التنمية المستدامة والبيئة على أن التحدي الرئيسي في الخليج اليوم هو إيجاد السبل لإعادة تجهيز مرافق البنية التحتية الحالية في المدن كالمباني المختلفة وأنظمة النقل والطاقة على أسس بيئية بالإضافة إلى تحسين إدارة المياه والفضلات بصورة جدية أسوة بأفضل الممارسات العالمية.
وأشاروا خلال مؤتمر "رؤية مستقبلية لمدن الخليج" المنعقد في فندق حبتور غراند في دبي إلى إمكانية الاستفادة من التجهيز المديني في بناء اقتصاد أخضر جديد نابض بالحيوية للمنطقة خصوصاً في ظل تعداد الشباب الكبير الواعين لمشاكل البيئة والطامحين لإيجاد ظروف معيشية حيوية لأنفسهم.
واتفق المشاركون في المؤتمر الذي ترعاه منظمة "مجلس مستقبل العالم" إلى أنه ومع انخفاض اعتماد إمارة دبي على النفط وتحول اقتصادها بشكل تدريجي للاعتماد على قطاعات غير نفطية وخصوصاً السياحة بالإضافة إلى التغييرات المناخية الحاصلة في العالم فإنه تبرز الحاجة إلى تطوير المشاريع التنموية من منظور بيئي ورسم سياسات اقتصادية تقوم على تحقيق التوازن السليم بين النمو الحضري وحماية البيئة.
مستقبل مستدام
وقالت الدكتورة رفيعة غباش أستاذة الطب النفسي في جامعة الإمارات إن المؤتمر يناقش طرق تحقيق مستقبل مستدام للمدن في الخليج ويطرح العديد من التساؤلات المفيدة حول طرق مواجهة تحديات بيئية قادمة ناجمة عن الطبيعة والإنسان معاً، مشيرة إلى الفكرة ليست جديدة في المنطقة فتراثنا الإسلامي زرع في نفوسنا مبادئ الحفاظ على البيئة كما أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه حمل هذا الفكر البيئي مبكرا.
ثقافة مشتركة
وأضافت: "ومما نسعى له من خلال تنظيم هذا المؤتمر هو ربط ثقافة مجموعة "مجلس مستقبل العالم" بثقافتنا العربية واطلاع الخبراء الغربيين على الجوانب الإيجابية في مجتمعاتنا العربية، وأود من خلال منبركم تقديم جزيل الشكر لخلف الحبتور رئيس مجموعة الحبتور على رعايته واستضافته الكريمة لهذا المؤتمر وهذا يعكس تعاوننا واستعدادنا كشعب إماراتي لتبني الأفكار التي تخدم الإنسان والمجتمع في المحصلة."
وأضافت غباش العضو الإماراتي في :"مجلس مستقبل المدن": "في شبه الجزيرة العربية نجد أن معدل استهلاك الفرد لأنواع الوقود الحفري وانبعاث الغازات المسببة لارتفاع حرارة الأرض مثل ثاني أكسيد الكربون تُعد من أعلى المعدلات في العالم، ولكن هناك قلقا متزايدا حول الموارد المحدودة لمخزون النفط والغاز وشح مصادر المياه.
الصحراء نظام بيئي ينبض بالحياة ونهدف لرفع نسبة المحميات إلى 10%
اكدت الدكتورة رفيعة غباش استاذة الطب النفسي نجد في المدن أن المساحات المسطحة الكبيرة المغطاة بالخرسانة والإسفلت ساهمت في التأثير الحراري الملموس في داخل مدن المنطقة مما تطلب اعتماداً بصورة لم يسبق لها مثيل على تكييف الهواء.
ولقد أصبح جلياً بصورة متزايدة أن توقعات زيادة تعداد السكان المحلي تقع في خلفية التناقص التدريجي لمخزون أنواع الوقود الغير متجددة من النفط والغاز. كما أن هناك إدراكا متزايدا بالحاجة إلى أساليب منهجية جديدة لتخطيط المدن وتطويرها.
تناقص الموارد
وقال البروفسور هيربرت جيراردت المؤسس المشارك لمجلس مستقبل العالم إن هناك تناقصا في الموارد الطبيعية المتوفرة حول العالم بما فيها النفط والمياه، ولذلك فإن تطوير مشاريع النمو والتطوير العمراني من منظور بيئي تكتسب أهمية خاصة في هذه المنطقة من العالم، مشيراً إلى أهمية إنجاز مبادرات يمكن من خلالها احتواء التمدن الحاصل في إطار مستدام على المدى البعيد.
وأضاف :" معظم النمو في إمارة دبي على سبيل المثال حصل عندما لم يكن هناك حاجة لاحتواء الظروف البيئية ولكن العالم اليوم يعيش ظروفا جديدة أهمها التغير المناخي وارتفاع حرارة الأرض وشح الموارد وهذا يتطلب من الجميع التعاون بهدف استخدام الموارد المتوفرة بشكل مدروس فعال."
تحديات
من جانبها قالت الدكتورة مريم الشناصي وكيل وزارة البيئة والمياه بالوكالة إن تغيير السلوكيات البيئية للسكان واستدامة الموارد الطبيعية هي أهم التحديات التي يواجها المشروع البيئي في الدولة. هناك الكثير من الاستراتيجيات والأنظمة والبرامج لكن الأنماط السلوكية للأفراد حتى الآن غير متجانسة مع الموارد الطبيعية الشحيحة في الدول.
كما علينا مراعاة الكثير من الشروط والمعايير البيئية في تطوير المشاريع التنموية في الدولة مثل الاستخدام الصحيح للمياه الجوفية ونشر المساحات الزراعية المتوافقة مع الأنماط البيئية والتخلص من النفايات بحيث يتراجع تدهور الأراضي وأعني بذلك ضعف انتاجية الأرض من النباتات الرعوية والطبية الطبيعية التي يمكن استثمارها.
وأضافت: "الصحراء نظام بيئي متكامل ونابض بالحياة ولكنه هش ويوجد الكثير من الكائنات الحية المتكيفة بشكل كامل مع هذا النظام التي يمكن حمايتها بنفس المعدلات. ونجد اليوم أن نسبة المحميات هي 6% من أراضي الدولة ونهدف إلى رفع النسبة إلى 10% خلال الخطة القادمة التي تمتد من 2014 إلى 2016."
وأضافت إن الإمارات عملت بتوجيهات سديدة من سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على استحداث الكثير من البرامج ومن ضمنها وأهمها استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء التي تضم ستة مسارات هي الطاقة الخضراء، وتشجيع الاستثمارات، والمدينة الخضراء.
وآثار التغيير المناخي، والحياة الخضراء، والتكنولوجيا الخضراء وهذه تصب جميها في خدمة "الاقتصاد الأخضر" الذي يعمل على التمازج ما بين التنمية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية لتحقيق الرفاهية الاجتماعية في الدولة.
ومن خلال تطبيق هذه الاستراتيجية ستكون الإمارات استطاعت تجاوز العديد من التحديات البيئية التي ظهرت بعد تزايد السكان والنمو والتطور العمراني في الدولة الذي يعود إلى الاستقرار والأمن والذي جذب العديد من المستثمرين إلى الدولة.
وبفضل تلك الاستراتيجية قفز تصنيف الإمارات في مؤشر الأداء البيئي للدولة الصادر بداية العام عن جامعة "يال" الأميركية من المرتبة 152 إلى المرتبة 77 من أصل 163 في غضون بضعة سنوات فقط.
وحول كيفية قياس مدى فعالية برامج التوعية البيئية في تغيير الأنماط السلوكية، أفادت الشناصي أن استهلاك المياه في الدولة انخفض من 500 ليتر إلى 360 ليتر في اليوم للفرد الواحد بحسب إحصائيات وزارة البيئة ونسعى لخفض هذا المعدل إلى 200 ليتر في اليوم وهو المعدل في الولايات المتحدة.
وعي متزايد
ومن جهتها قالت استشارية التنمية المستدامة المهندسة ريم الباوندي من شركة "مدينة ووركس" في أبوظبي إن هناك وعيا متزايدا في أوساط شركات الاستشارة في الدولة بأهمية تطبيق معايير الاستدامة في الإنشاء مثل الاقتصاد في الطاقة والتصميم الحراري.
وأشارت الباوندي إلى ضرورة عقد المؤتمر في دبي للاستفادة من أفضل التجارب العالمية في هذا المجال، بالإضافة إلى الاطلاع على السياسات التي تم توظيفها لتشغيل المدن من خلال منظور بيئي.
منوهة بالحلول والدراسات التي يطرحها مشروع مصدر في أبو ظبي الذي يؤكد إلى أهمية توفير مساحات بين العمارات لتشجيع الناس على الخروج واستخدام المساحات العامة بشكل أكبر بالرغم من ظروف الطقس وبصورة مريحة.
وأضافت: "المؤتمر يناقش أساليب تحقيق مستقبل مستدام للمدن في الخليج وعلى مستويات اقتصادية واجتماعية وبيئية من خلال توفير سبل المعيشة برفاهية ولكن بتأثير محدود على البيئة.
محاكاة
تخطيط المدن
قال المشاركون إن الهدف من تخطيط المدن في الخليج هو إنشاء مدن تُحاكي المراكز العالمية إذ تساهم الطرق الواسعة الغير مظللة نحو ارتفاع درجات الحرارة محلياً التي يجب التصدي لها من خلال الاستعمال الزائد لتكييف الهواء وخاصة في الأبراج الزجاجية ذات العزل السيئ.
كما أن التغيّر المناخي مقترناً بالتأثير الحراري المديني للجزر يتسبب في ارتفاع درجات الحرارة في أشهر الصيف لحد 50 درجة مئوية.
ولم يتم بناء المدن في منطقة الخليج بطموحات أن تكون مدناً مستدامة. وفي الواقع لكونها داخل منطقة ذات قدرات نقل محدودة، فإنها ربما تُعد من بعض الأماكن الأقل استدامة في العالم. وبحسب أرقام البنك العالمي لعام 2008 ، احتلت قطر أعلى مرتبة من ناحية انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون مقارنة بأي بلد إذ بلغت معدلاتها 49.1 طن متري للفرد في السنة.
واحتلت الكويت المرتبة الثانية بين أعلى البلدان بمعدل 30.1 طناً يليها عن قرب دولة الإمارات العربية المتحدة بمعدل 25.5 طناً والبحرين بمعدل 21.3 طناً وعمان بمعدل 17.3 طناً والمملكة العربية السعودية بمعدل 16.6 طناً.
تطوير
حوكمة حضارية
اتفق المشاركون في المؤتمر على ضرورة تبني أساليب أو سياسات منهجية جديدة على نحو شامل ومتكامل للحوكمة الحضارية لدى التفكير في مستقبل تطوير المدن في منطقة الخليج يمكن حصرها في ثمانية مجالات رئيسة:
- تخطيط وإدارة حضارية متكاملة على أكمل وجه
- تخطيط استخدام الأراضي بشكل مدني مدمج
- استخدام المياه بكفاءة وإعادة استخدام مياه الفضلات
- تحويل الفضلات العضوية إلى سماد وإعادة استخدام الفضلات العضوية بشكل روتيني
- إعادة تدوير وصنع كافة أنواع الفضلات الأخرى بشكل روتيني
- تحقيق أقصى كفاءة للطاقة في المباني
- إنتاج الطاقة المتجددة وشبكات الطاقة الذكية
- الانتقال بشكل تدريجي وفعال إلى استخدام وسائل النقل المعتمدة على الطاقة الكهربائية.



