تستحوذ قصة طرق القوافل القديمة والمدقات الصحراوية التي كانت تدب بالحركة والحياة وسط الرمال في الإمارات على الكثير من الذكريات والشجن لا سيما من طرقها بقدميه جيئة وذهاباً بين أطراف الإمارات.
حتى كانت في يوم من الأيام نبض حياة وسط رمال الصحراء، غير أنها اليوم تحمل الكثير من الألم نظراً لما تسبب به غياب العناية بها من اختفاء الكثير منها والجزء البسيط المعلوم منها الآن معروف بالاسم فقط، بينما غاب المضمون والجوهر فلم تعد معروفة بداياتها ونهاياتها ولا الأماكن والمواقع التي تمر بها أو أسماء الأشجار التي يستظل بها المسافرون أو مواقع الآبار والطوايا التي تمر عليها وتعتبر محطات استراحة للعابرين.
ولقد مر تطور الإمارات بمراحل متعددة ومهمة حتى استطاعت ضمن سياستها الحكيمة أن تصل إلى مصاف الدول الكبرى وأن تحقق إنجازات كبيرة وغير مسبوقة في المجالات كافة، وخير دليل على ذلك ما حققته من إنجازات وطفرات اقتصادية وعمرانية وتنموية متواصلة، جعلت العالم يقدمها كنموذج تنموي ناجح إلى دول المنطقة والعالم أجمع.
وتطور الدولة في يومنا هذا ملموس، ويشهد له العالم أجمع، من خلال الشهادات والتقارير الإعلامية المقروءة والمرئية، ولكن تظل الفترة التي سبقت اكتشاف النفط وقيام اتحاد دولة الإمارات غائبة ويصعب الاطلاع عليها، خاصة لجيل اليوم، ففي تلك الفترة كانت دولة الإمارات تزخر بالكثير.
علاقة وثيقة
وفي هذا الصدد يقول الباحث ناصر العبودي: قبل منتصف القرن الماضي يعتبر مجتمع الإمارات نموذجاً صادقاً للمجتمع القبلي وهناك علاقة وثيقة بين القبيلة والترحال ويمتاز أهل البادية بالمعرفة الجيدة بالطرقات والدروب والمسارات الصحراوية فقد فرضت عليهم ظروف الحياة أن يتقنوا هذا الأمر من أجل البحث عن الماء والطعام لهم ولماشيتهم.
وشدد على أنه يجب ان تبدأ الهيئات المتخصصة ومراكز البحوث في تنفيذ مشروع علمي عن «تحقيق مسارات طرق القوافل القديمة» الذي يرمي إلى دراسة مسارات طرق ودروب القوافل القديمة التي تخترق أراضي الإمارات على مر العصور وذلك من منطلق أن من أهدافها خدمة وتوثيق تاريخ الإمارات وجغرافيتها وآثارها الفكرية والعمرانية من موارد مياه ومنازل عامرة أو غامرة وما تميزت به هذه الطرق من علامات يستدل بها وكذا ما خلفه سالكو هذه الطرق من آثار ما زال بعضها ماثل للعيان حتى الآن.
وخلص للقول: «قصة هذه الدروب والمسارات ليست قصة انتقال من مكان إلى مكان فحسب وإنما تختصر بتفاصيلها علاقة القبائل العربية الوثيقة مع المكان والزمان وتشكل بالنسبة لهم معالم تنبض بالحياة وسط الصحراء الموحشة وطرق النجاة الوحيدة من حياة بائسة ووسيلة لسد رمق الجوع وشراء الملابس والمؤن».
درب صحراوي
بدوره يقول المواطن، عيد بن أحمد المنصوري، من أهالي المنطقة الغربية: كان الطريق الدولي من أبوظبي حتى السلع على حدود دولة الإمارات مع المملكة العربية السعودية عبارة عن درب صحراوي تسلكه القوافل والمسافرون والقادم من أبوظبي تجاه سبخة مطي يمر على ماء عرقان جنوب أبوظبي ثم على منطقة الصرامي وبعدها تأتي مناطق الزراف والمواصلي ثم يمر على منطقة حبشان والحمرا وبدع الصلف وبوحصاة وبدع فردة ودعفس وبدع ثلاب والمليسع وبدع المخازمة والخريجة والرقيب والعقيلة ثم بدع المطاوعة وأم الاشطان.
ويتذكر المواطن، سعيد بن ناصر، درب أبوظبي العين قائلًا: نرتحل من أبوظبي متجهين إلى العين ونصل منطقة المقطع ونتوقف للراحة مجبرين لا مخيرين لأن منطقة المقطع كانت بحراً يتوسطه بري «برج» عليه حرس من طرف الشيوخ وعبوره يحتاج لحساب ومعرفة بأحوال البحر من سجي وثبر ولكن في بعض الأحيان نخاطر ونعبر المياه أثناء السجي فتصل المياه إلى بطن الإبل.
أما نحن فتصل المياه إلى أعلى رقابنا لذا عادة إذا كان الماء سجياً ننتظر الثبر حتى نعبر بسهولة ودون معاناة وفي العادة لا تطول فترة انتظارنا التي يبلغ متوسطها 3 أو 4 ساعات بعدها نصل منطقة «القايمة» ثم «مويه أرنب».
ويقول الباحث، خليفة بن دلموك: تتحرك القوافل ومن في حكمها من الشارقة إلى الذيد ويمرون على مناطق الزبير وطوي راشد الغربية وطوي راشد الشرقية وطوي بن حليس مشياً على الأقدام والبعض يستعين بالإبل، أما المتجه من الذيد إلى الشارقة كان الطريق يأخذ منه يومين.
مشياً على الأقدام وأمامهم ماشيتهم التي ينون بيعها ويصلون بعدها إلى منطقة تسمى «الصبخة أو أم لقرط» يتوزعون بعدها حسب وجهتهم منهم من يذهب إلى عجمان وبعضهم إلى دبي ومن أراد الشارقة استمر في نفس المسار.
