يشكل المعرض الدولي للصيد والفروسية محطة هامة على خارطة المعارض العالمية المتخصصة في هذا المجال لما يقدمه من جهود كبيرة في ترسيخ الصيد المُستدام ودعم وتشجيع استراتيجية الحفاظ على التراث والتقاليد والقيم الأصيلة التي تتميز بها دولة الإمارات العربية المتحدة.

وانطلق المعرض الدولي للصيد والفروسية في دورته الأولى العام 2003 وقد تشرف حينها بزيارة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأمر، رحمه الله، وقتئذ بأن يكون المعرض على مستوى عالمي وينطلق من أبوظبي مرة كل عام حيث تم تنظيم المعرض /أبوظبي 2004 / الذي لاقى نجاحاً وإقبالاً كبيرين مما شجع اللجنة المنظمة وبتوجيهات راعي الحدث سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية رئيس نادي صقاري الإمارات على السعي الدؤوب لإظهار المعرض في افضل وأرقى المستويات.

وأشار محمد خلف المزروعي رئيس اللجنة العليا المنظمة للمعرض وعضو مجلس إدارة نادي صقاري الامارات مستشار الثقافة والتراث في ديوان سمو ولي عهد أبوظبي الى أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أكد خلال زيارته للمعرض في دورته الاولى حرصه على مشاركة أبنائه المواطنين وأبناء دول مجلس التعاون الخليجي في هذا الحدث التراثي المهم الذي أقيم للمرة الأولى، وقد تركت تلك الزيارة التاريخية للمعرض معاني جميلة في نفوس جميع العارضين وهواة الصيد والقنص وأضفت أهمية بالغة على المعرض ومثلت تتويجا لنجاحه.

وأكد المزروعي أن الدورة الجديدة من المعرض الدولي للصيد والفروسية تأتي في أعقاب النجاح الكبير لمهرجان "الصداقة الدولي الثاني للبيزرة" الذي أقيم في ديسمبر الماضي بمدينة العين بمشاركة 80 دولة، تحت رعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، احتفاء بتسجيل منظمة اليونسكو للصقارة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية وكذلك بتسجيل مجموعة من 17 موقعا أثريا في العين ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو كأول مواقع إماراتية تحظى بهذه المكانة، مشيرا الى ان اللجنة تسعى خلال فعاليات معرض الصيد للترويج لمهرجان الصقارة العالمي الثالث الذي تستضيفه العاصمة الإماراتية أبوظبي في نهاية العام القادم 2013.

وبرحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس ومؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من نوفمبر 2004 فقد العالم واحدا من أكبر حماة البيئة في هذا القرن صاحب البصيرة النافذة والرؤية الثاقبة التي لن تستشرف أبعادها الحركات الداعية للمحافظة على الطبيعة إلا بعد فترة طويلة.

الرائد الأول

وباعتباره الرائد الأول للصقارين وحماة البيئة في العالم، فإن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد ولد وعاش نصيراً للطبيعة، وبالرغم من ولادته في بيئة قاسية بصحراء شبه الجزيرة العربية حيث يستعين البدو على معيشتهم بالصيد، فإن زايد ومنذ مقبل أيامه وحداثة سنه استشرف الحاجة إلى إحداث توازن بين الحفاظ على التراث العريق للصقارة والصيد بالصقور وبين التأكد من بقاء الصقور وطرائدها في البرية على المدى البعيد.

و قد توصلت رؤيته المتفردة إلى ما عرفه حماة الطبيعة المعاصرون لاحقاً بمبدأ الصيد المستدام وبذلك فإن الشيخ زايد لم يسبق جيله فقط لكنه تفوق بمراحل بعيدة على دعاة حماية الطبيعة العالميين.

وبمنتصف الثلاثينيات من القرن الماضي أصبح الشيخ زايد الصقار صاحب اليد الطولى في المحافظة على الطبيعة من منطلق رؤية شاملة تهدف لبناء المجتمعات الصديقة للبيئة والحياة الفطرية. وعلى المستوى الاجتماعي جسد زايد بلا منازع الصورة المثالية للصقار العربي وذلك لصدق حدسه ومعرفته الواسعة بالطبيعة، مما مكنه من الفوز بإعجاب وحب أفراد مجتمعه البدوي.

الجانب الإنساني

كما أدخل زايد جانباً إنسانياً في مفاهيم رياضة الصيد بالصقور التي اعتبرها تراثاً لا يقدر بثمن وبمواصلة شغفه بالصقارة نمت مهارات الشيخ زايد الفائقة والمنقطعة النظير كما وصفها بذلك المستكشف البريطاني السير ولفيريد زيسقير الذي شاركه الصيد قبل خمسين عاماً ماضية.

وقد مثل زايد لدعاة حماية الطبيعية قيماً خالدة من منطلق قناعاته وتجاربه.. لقد أحب الطبيعة والحياة البرية على نحو غير مسبوق عبر عنه الصحافي البريطاني المشهور باتريك سيل الذي قابله في عام 1965 في مدينة العين حينما كان حاكماً لها فقال: /إن الشيخ زايد يعرف كل حجر وكل شجرة وكل طائر يصل إلى منطقته..

وفوق كل ذلك فهو يدرك أهمية المحافظة على كل نقطة ماء ويحسن استثمارها وهو شغوف بزراعة الأشجار وفيما يتعلق بوسطه الاجتماعي فإنه لا ينظر للصقارة كرياضة فردية مجردة وإنما يعتبرها فرصة للرفقة والأنس وعلى غير ما جرت عليه العادة في بلدان العالم الأخرى فإن الصقارة العربية ممارسة اجتماعية..

ولمهارته في الصقارة على طريقته الخاصة أصبح قريباً من قلوب وعقول مواطنيه.. لقد كانت صلة المودة التي ربطته بشعبه أحد أسباب تلك المحبة والشهرة التي لم يحظ بها قائد آخر في المنطقة بأسرها.

وقد كان ظهور اتحاد دولة الامارات علامة على عصر جديد تمكن فيه الشيخ زايد من توسيع نطاق اهتمامه بالطبيعة والبيئة على المستوى الوطني والتشريعي.

اهتمام تاريخي

وقبل الاتحاد كان زايد قد شحذ رؤاه المتقدمة حول المحافظة على الطبيعة منذ أوائل الستينيات، وعلى سبيل المثال، فقد أعد في الوقت المناسب تماماً لعملية تم فيها أسر زوجين من المها العربي لتكون تلك الحيوانات نواة لإنشاء قطيع محمي ومتكاثر في الأسر من هذا النوع المنقرض من البرية..

والآن وبعد 40 عاماً من ذلك التاريخ وصل العدد الى اكثر من ألفين من المها العربية في مناطق محمية من دولة الإمارات العربية المتحدة وتوجد العديد من تلك الحيوانات في المحمية الطبيعية التي أقامها المغفور له في جزيرة صير بني ياس والتي تضم، إلى جانب المها العربي، المئات من الأنواع الأخرى المهددة بالانقراض مثل الغزلان العربية والمها معقوفة القرون.

في عام 1966، حينما أصبح الشيخ زايد حاكماً لإمارة أبوظبي، أنشأ، رحمه الله، هيئة للرفق بالحيوان ضمت مجموعة من الجوالين الذين تولوا حراسة الصحراء للإشراف على تطبيق الحظر المفروض على صيد الحيوانات البرية، وقد استفادت الغزلان العربية والحمام والأرانب وغيرها من الحيوانات البرية من ذلك بصورة مباشرة.

واستمرت جهود زايد في مجال الصقارة والمحافظة على الطبيعة دون تعارض ليس فقط بفضل جهوده ومشاريعه وتوجيهاته المباشرة وإنما أيضاً بكونه مصدر إلهام ورعاية لمبادرات عديدة آتت أكلها وساهمت بقدر كبير من العطاء على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية.

ومن أهم مبادراته في هذا المجال تنظيم المؤتمر العالمي الأول للصقارة والمحافظة على الطبيعة في مدينة أبوظبي في آواخر عام 1976 والذي جمع للمرة الأولى بين صقاري الجزيرة العربية ووصفائهم في أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأقصى.

وقد كان المؤتمر منطلقاً حقيقياً للاستراتيجية التي وضعها الشيخ زايد بهدف حشد الصقارين ليكونوا في طليعة الناشطين أصحاب المصلحة الحقيقية للمحافظة على الطبيعة.

مستشفى الصقور

وفي مستهل الثمانينيات، قام الشيخ زايد بإنشاء مستشفى الصقور بالخزنة خارج مدينة أبوظبي وفيما بعد تم إنشاء مستشفى أبوظبي للصقور في عام 1999 والذي هو جزء من هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها.

وفي مجال حماية الأنواع كان الشيخ زايد أول من أدرك المخاطر التي تواجه أنواع الطيور والحيوانات فقام بإنشاء عدة مشروعات لحماية الأنواع، وبتوجيهاته، رحمه الله، بدأ برنامج إكثار الحبارى الآسيوية في الأسر في حديقة حيوان العين في عام 1977 حيث أعلن في عام 1982 عن تفقيس أول فرخ في الأسر في دولة الإمارات.

 وفي عام 1989 بدأ المركز الوطني لبحوث الطيور الذي أصبح فيما بعد جزءاً من هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها برنامجه الطموح لإكثار الحبارى الآسيوية والذي تطور من بداية متواضعة حتى وصل إلى إنتاج 200 طائر في عام 2004 وهو يسير باتجاه الهدف بعيد المدى الذي حدده الشيخ زايد بإنتاج عشرة آلاف طائر حبارى آسيوي سنوياً وإطلاق معظمها لزيادة أعداد المجموعات البرية.

وفي المملكة المغربية أنشأ، رحمه الله، في عام 1995 مركز الإمارات لتنمية الحياة الفطرية لإكثار الحبارى وإطلاقها في البرية.. وقد أثمر النجاح المتزايد من عام إلى آخر عن تفريخ/ 2150 /طائرا في عام 2004 كجزء من استراتيجية لإنتاج خمسة آلاف طائر سنوياً بحلول عام 2007.

وفي باكستان، دعم المغفور له الشيخ زايد إنشاء الهيئة العالمية للحبارى، وقد ساعد ذلك على توثيق العلاقات مع الحكومة الباكستانية لمكافحة الصيد غير المشروع لطيور الحبارى وإعادة تأهيل الطيور المصادرة لإطلاقها في البرية.

مرحلة التكاثر

وبحلول عام 1995 عمل الشيخ زايد على التحول من استخدام الصقور البرية إلى الصقور المتكاثرة في الأسر وفي عام 2002 أصبح صقارو الإمارات يعتمدون بنسبة 90 في المئة على الصقور المتكاثرة في الأسر مما جعل الإمارات البلد العربي الأول الذي أصبح يعتمد على استخدام الصقور التي يتم إكثارها في الأسر في رياضة الصيد بالصقور.

رثاء للعالم

وقد وجهت الأوساط البيئية رثاء إلى العالم ينعي حالها خاصة وأن الإمارات كان يقرن اسمها باسم زايد في جميع الفعاليات البيئية العالمية والإقليمية، وشعرت هذه الأوساط بفراغ كبير لفراق سند كان يمثل للبيئة عمادها وقوامها، ولم لا، وهو المؤسس لأساساتها الأولى من إقامة محميات وزيادة اللون الأخضر وتنمية للحياة الفطرية واهتمام بالحيوانات والطيور المهددة بالانقراض، فضلاً عن إنشاء هيئات ومؤسسات بيئية مختصة وإصدار قوانين وتشريعات تنظم آلية العمل البيئية على مستوى الدولة وتضمن في نفس الوقت التواصل مع الهيئات الدولية المماثلة.

 

صحف عالمية

 

أفردت الكثير من الصحف العالمية صفحات للحديث عن جهود الشيخ زايد الكبيرة وإنجازاته على صعيد التنمية والبيئة، فالكاتب البريطاني باتريك سيل يقول في مقال نشرته صحيفة الوطن القطرية تحت عنوان: /الرجل الذي زرع مئة مليون شجرة/ في عام 1965 دعيت كصحفي أعمل في الاوبزرفر إلى حفل غداء أقامه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في واحة العين التي كان حاكماً لها وجلسنا على سجاد تحت شجرة كبيرة وتناولنا طعام الغداء وتحدثت مع الشيخ زايد لساعتين أو بالأحرى تحدث هو وأنا كنت أستمع إليه.

وجاء في صحيفة جلوب اند ميل الكندية تحت عنوان: "رجل الحوار والبيئة": "كان الشيخ زايد يحظى باحترام فائق بين القادة العرب عمل جاهداً على نبذ الفرقة وتحقيق المصالحة والوحدة".

وتحدثت صحيفة الشرق الأوسط الصادرة من لندن عن حب الشيخ زايد للصحراء و الطبيعة وقالت: "الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عرف القبائل والعشائر وهام بالصحراء حباً أخذ من الصحراء بساطتها ونقاءها ولذلك كان دائماً مباشراً في حديثه وصريحاً في طرحه، وكان الشيخ زايد يهوى الصيد وله كتاب عن رياضة الصيد بالصقور واعتبر رحلات الصيد فرصة للقاء الناس.