استعرض أحمد عبيد المنصوري مدير عام برنامج وطني في مجلسه الرمضاني الذي عقده في منزله بدبي مجموعة من الخرائط والكتب التاريخية النادرة التي تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي، للعديد من الأقاليم والمناطق تؤكد عروبة الخليج، والتي تعود لمؤرخين غربيين عالميين عرفوا بحيادهم وموضوعيتهم في نقل التاريخ ورسم جغرافيته.

وأكد المنصوري في مستهل كلمته على دور المجالس الرمضانية التي لا يقتصر على تقوية التقارب والتواصل الاجتماعي بين الشرائح المجتمعية المختلفة فحسب، بل يتخطى _بحسب قوله_ إلى تعزيز التفاعل الاجتماعي، عبر النقاشات الهادفة التي من شأنها تسليط الضوء على قضايا اجتماعية، واقتصادية، وتاريخية، وثقافية ذات أهمية للأفراد والمجتمع على حد سواء.

وركز المنصوري خلال المجلس بحضور عدد من مديري المؤسسات الحكومية وأعضاء المجلس الوطني الاتحادي، ووسائل الإعلام على أهمية المشاركة المجتمعية في هذه المجالس والفعاليات التي تقوي أواصر الترابط والتآخي بين الأجيال، وتعزز التمسك بالعادات والتقاليد الحميدة، وتسهم في نقل الموروثات التاريخية الأصيلة لدولة الإمارات العربية المتحدة للأجيال الشابة والناشئة.

كتب تاريخية

وجرى استعراض مجموعة من الخرائط والكتب التاريخية النادرة التي تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر ميلادي، منها خرائط للعالم وأخرى مخصصة لمناطق وأقاليم وممالك مختلفة كالإمبراطورية العثمانية وإفريقيا وغيرها، والتي أظهرت تباين أسماء بعض المناطق والأقاليم والبحار بين خريطة وأخرى، حيث يعزى ذلك إلى الظروف الاجتماعية والجغرافية والسياسية التي كانت محيطة بتلك الفترة من الزمن.

وقال خلال الأمسية الرمضانية التي نظمها بمنزله تحت عنوان "الخليج العربي، مقتنيات وشواهد تاريخية"، أنه في معترك تساقط المفاهيم السائدة والنظم القائمة، وفي ظل تفاوت الأولويات الفردية والمجتمعية التي تأخذ فيها القضايا الفرعية ضجة وأهمية وتنكمش القضايا الرئيسية إلى زاوية منسية، تبرز قضية العروبة كنغمة من الماضي الجميل، قد نتذكرها أحياناً أو نشتاق إليها أحياناً أخرى، ولكننا وفي زحمة الصراعات اليومية، والصرعات المنادية بالعصرية والحداثة والعالمية ليس لدينا الوقت لسماعها، متسائلا هل يعني هذا بأن نترك ونهمل ثوابت كانت ولا تزال تشكل نظاماً متسقاً في لوحة هويتنا الوطنية الخليجية العربية؟.

نقاش

وأضاف إن عروبة الخليج كانت ولا تزال من أبرز المواضيع الجدلية التي غالباً ما يفضي النقاش فيها والدخول في معتركها إلى سجالات كبيرة واستثارة نعرات قومية ووطنية وقبلية، فهي غالباً ما تنتهي بشتائم وتهديدات وتشكيك في المصداقية الشخصية قبل المصداقية الموضوعية، وأنا، مع الأسف، كانت لي تجربة مريرة في هذا المجال، تجربة كنت فيها الضحية لأني تجرأت يوماً على المجاهرة بميولي العروبية! تجربة دفعت ثمنها سيلاً من التهديدات والشتائم الشخصية لأني قلت يوماً لما لا نناقش المسألة بموضوعية ولما لا يقبل الطرف الآخر الحجج والبراهين التاريخية؟ فكما لهم الحق في تسمية الخليج كما يشاؤون، لنا كل الحق بأن نختلف معهم ونقدم في ذلك الأدلة والبراهين التاريخية والجغرافية.

وقال "كانت بداية رحلتي مع عروبة الخليج عبر تعلق وولع شخصي بالآثار والمقتنيات النادرة ومنها الخرائط الجغرافية؟ هذا الولع قادني إلى دراسة تاريخ المنطقة والاطلاع على الكثير من الحقائق التاريخية التي كانت غائبة عن ذهني كما هي غائبة عن اذهان الكثيرين، تجربة عرفت من خلالها إلى أن تاريخ الدول والشعوب ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالخرائط، فكما كان التاريخ يسجل الأمجاد والانتصارات وفتوحات الدول، كانت الخرائط ترسم ملامح جديدة للسيطرة والهيمنة والمصالح المشتركة التي تسمح لدولة ما تدعيم سيادتها على المناطق المنسوبة إليها بحكم واقع الحال.

نزعة عاطفية

وأضاف "في مسيرة تجوالي وتطوافي في هذا البحر المتلاطم من النظريات والافتراضات، لاحظت بأن النقاش حول عروبة الخليج لم يكن يوماً ما موضوعياً، بل كان على الدوام سلطوياً إلغائياً للطرف الثاني، ويعبر عن نزعة عاطفية نحو التملك دون سماع وجهات النظر الأخرى، وهذا لا يمكن أن يكون في قضية تسمية ممر مائي كما هو الحال في الخليج العربي، فالتسمية عادة ما ترتبط بعدة عوامل ومتغيرات، فعلى سبيل المثال قبل القرن السابع عشر، كان العرب وغيرهم من الشعوب التي عاشت في الجانب الشرقي من بلاد ما بين النهرين يطلقون على الشعوب التي تقيم غرب بلاد ما بين النهرين بالروم أو الرومان، وحتى يومنا هذا، عندما يتحدث الناس عن تاريخ العصور المختلفة التي سبقتهم، يتحدثون عن روما وبلاد فارس، متناسين أعراقهم، متجاهلين حتى الدولة البيزنطية، لذا، فإن الخرائط التي وضعت من وجهة نظر الغرب، قبل القرن السادس عشر كانت مبنية في أساسها على التعميم وعلى ما كان متعارفاً عليه إبان تلك الحقبة.

وقال إن هنالك عاملا آخر لا يقل عنه أهمية وهي أن الشعوب، ومنهم العرب، عادة ما يطلقون على مجرى المياه المؤدي إلى الجانب الآخر باسم قاطنيه من السكان، فعلى سبيل المثال، فإن مجرى الماء الذي يعبره الناس للوصول إلى روما يطلق عليه "بحر الروم"، والشيء نفسه مع بحر الخليج العربي.

وأشار إلى أنه من ناحية أخرى، لم تكن تسميه الممرات المائية حكراً على السياسيين والحملات العسكرية، بل كان يستخدمها أيضاً التجار والبحارة، على سبيل المثال، كان للخليج العربي أسماء قديمة أخرى (مثل خليج البصرة، بحر القطيف، وخليج البحرين) اعتماداً على القوة المهيمنة اقتصادياً والمتخذة من المنطقة مركزاً تجارياً، أو قوةً سياسية، ولم تتعدد التسميات التي أطلقت على منطقة الخليج العربي بسبب نقصٍ في المعرفة من القيادات المختلفة من كافة أنحاء العالم بل كانت لأسباب سياسية أيضاً، ومما لا شك فيه أن موضوع الاختلاف في تسمية الممرات المائية هو أمر شائع حول معظمها، متسائلا : لماذا لا تكون هذه التسميات محور صراع كما هو الحال مع التسمية العربية للخليج؟ لماذا كل هذا الإصرار على إعطاء صيغة ثابتة لعامل متغير يحتمل كافة التأويلات؟.

 

 

وثائق

 

قال أحمد عبيد المنصوري: "إذا أردنا أن نُنحى هذا المسار فأنا امتلك شخصياً العديد من الوثائق والإثباتات التاريخية الصادرة عن جهات محايدة بأن عروبة الخليج واضحة وساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار على ضفاف مياهه الرقراقة، هذا بالإضافة إلى ما تزخر به المراجع التاريخية والجغرافية التي تؤكد بأن الصبغة العربية هي التي كانت غالبة على خليجنا الحبيب على مر العصور والأزمان".

وتابع: "يبقى سؤالي وشغلي الشاغل هنا، إلى متى سنقبل أن يكتب تاريخنا ويكرس حاضرنا ويغيب مستقبلنا، دون أن يكون لنا رأي في ذلك؟ إلى متى سنقبل بأن يسحب بساط عروبتنا من تحت أقدامنا، دون أن نكترث لذلك؟ إلى متى ستبقى لغة الاستعلاء والتعصب هي السائدة؟ العالم كله تغير، ولغة الحوار الحضاري وقبول الرأي الآخر هي السائدة، وإن لم يكن لديهم استعداد لقبول ذلك فليشربوا إذاً من مياه الخليج العربي.