نظم رواق عوشة بنت حسين الثقافي والاجتماعي أول أمسياته الرمضانية نهاية الأسبوع الماضي في مقره في دبي، بمحاضرة للشيخ محمد ياسين ويسي الواعظ لدى دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، وجاءت المحاضرة الأولى تحت عنوان " مكونات الإنسانية في ميزان خير البرية ".

وقالت الدكتورة موزة غباش رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي والاجتماعي، إن الرواق حرص على أن تكون أولى مجالسه دينية، ومن ثم التطرق إلى موضوعات متعددة أخرى للخروج بتوصيات يمكن الاستفادة منها مستقبلا، كجزء من رؤية الرواق في نشر الثقافة والمعرفة بين شرائح المجتمع المختلفة من خلال ربط الأحداث الثقافية والسياسية والعلمية بالتطور الذي تشهده الدولة والمنطقة عموما.

وأضافت إنها حرصت على استضافة موضوع حساس مثل الانسانية وعلاقتها بمكونات الحياة، وحاجة المجتمع الملحة للغذاء الروحي الذي يساعدها على الاستمرار في عطائها الثقافي والعلمي بشكل مستدام.

قولا وعملا

الشيخ محمد ويسي ذو الباع الطويل في مجال التوعية والإرشاد الديني، قال: إن "الإنسانية ومكوناتها وصفاتها" تنطلق من كون الانسانية بحد ذاتها هي خلافة الله سبحانه في الأرض بكل ما يتجلى من صفات الخالق، وأن الإنسان عليه أن يرتقي بصفاته قولا وعملا إلى المستوى الذي قبل به الأمانة في أن يكون خليفة للخالق.

واعتبر أن هذه مهمة شاقة على البعض ولهذا فهم يتجردون من انسانيتهم وأن مستوى الخليفة يكون دائما بمستوى المخلوف، فإن كان المخلوف هو الله والخليفة هو الأنسان فحري بالإنسان أن يكون بمستوى المخلوف (الله) سبحانه وتعالى.

وأشار الشيخ محمد إلى أن الأنسان يولد موحدا بالفطرة وأن البيئة هي التي تؤثر فيه استنادا إلى الحديث الشريف " الأنسان يولد مؤمنا فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، أي أن البيئة المحيطة والتي تبدأ بالأسرة هي التي تفعل فعلها في تغيير سلوك الأفراد من السلوك الإنساني إلى السلوك الغير إنساني أو يقويان فيه غرس الخالق الانساني.

وهنا ضرب الشيخ ويسي مثلا عن حالتين أحدهما تربية شخص لحيوان بحري أطلقه بعد ذلك إلى البحر ولكن بعد مدة تصادف تواجد الشخص بالقرب من مكان تواجد ذلك الحيوان فقدم ذلك الحيوان للسلام عليه ومعانقته، والمثل الثاني هو أن جدة الشيخ محمد أعانت جرذا بإطعامه الا أنها وجدت أن الجرذ بدأ بالهزال كونه تناول طعاما من غير بيئته. وبهذين المثلين أعطى الشيخ محمد كيف أن البيئة تلعب دورا في نمو سلوكيات معينة قد تكون في أحيان ضارة للشخص.

وقدم شرحا مسهبا من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عن علاقة المخلوق (الإنسان) بالخالق على ضوء ما تقدم من خطوط عريضة، مشيرا إلى أن العلاقة لا يمكن أن تكون صحيحة من دون إيمان بوجود وقدرة الله سبحانه وتعالى وأنه (الانسان) لابد أن يكون مؤمنا كي يستحق أن يكون خليفة له، وهذا الأيمان يجب أن يتجسد في الشعور الحسي والقول اللفظي والسلوك اليومي.

الاخلاص والشكر

أما عن الإخلاص، فرأى الشيخ ويسي انه علامة على الوفاء المستدام للمخلوف (الله) فلا يجوز للخليفة أن يخون من خلفه وبوأه تلك المكانة قولا وعملا، ويتجسد الإخلاص من خلال العمل بكل ما أمره به من خلال الشرائع والأحكام التي أنزلها الله إليه بكل صدق وأمانة، مؤكدا أن الله سبحانه وتعالى هو المحسن لكل مخلوقاته ولهذا لابد من أن يتصف خليفته بهذه الصفة التي هي من أسماء الله الحسنى ولا يمكن أن يكون عكس ذلك.

وقال إن الخليفة لابد أن يكون شاكرا لمن خلفه في السر والعلن، وأحسن صفات الشكر هو شكر الله في السر وعند الخلوة إلى جانب الشكر على كل النعم وفي جميع الأحوال يسرا وعسرا، لأن في كل منهما إرادة الخالق هو أعلم بنفعها عن ضرها لخليفته، والشكر واجب على جميع المخلوقات.

وهي تمارسه من خلال التسبيحات لله. وعن محبة الخليفة لله سبحانه وتعالى فهي وان كانت ملزمة لتبوؤ المكانة إلا انها يجب أن تكون نابعة من دمج المشاعر والأحاسيس التي هي في الانسان بمحبة الخالق (الله) وأن لا يكون هذا الحب تجملا بل أن يسري في الجسد مسرى الدم.

وعن القرب من الله سبحانه وتعالى، أكد الشيخ محمد ويسي على أن هذه الصفة تحتم على الخليفة أن يكون قريبا من الله سبحانه وكل شرائعه وسننه وأن يراعي في ذلك مخافة الله في أي سلوك أو قول جهرا أو خفية وفي كل وقت وحين.

مشاهد القتل والتدمير

وطلبت الدكتورة موزة غباش من المحاضر التوقف عند هذه الجزئية لإتاحة الفرصة للنقاش من قبل الحضور، وبخاصة أن موضوع الإنسانية يتزامن مع ما يجري في الوطن العربي من أحداث نأت عن المعاني الإنسانية لبعض الحكام من خلال القتل والتدمير العبثي الذي يمارس يوميا من دون وازع ديني وأخلاقي.

والذي يدل على أن البعض خالف النواميس ومتطلبات أن يكون خليفة الله في أرضه ولهذا نطرح الموضوع على الجمهور. وفي مداخلتها أكدت شيخة الديماس على ضرورة أن تكون هذه الصفات جزءا تربويا وأن يسعى كل فرد في المجتمع إلى التحلي بأخلاقيات وصفات الخليفة لأعظم مخلف (الله) سبحانه وتعالى.

الجوع حالة انهزامية

ثم تحدث الدكتور محمد الشرياني عن ظاهرة البعض ممن يردون الإحسان بالإساءة ، وضرب مثلا بأحد مدربي حيوان وحشي بعد سنوات من العشرة والتآلف قتل ذلك الحيوان الوحشي مدربه بسبب الجوع، مؤكدا أن الجوع قد يكون سببا لتغيير سلوك وصفات الإنسان وهي حالة انهزاميه وتخل من المخلوق عن صفات الخالق وهي الصبر عند البلوى والمثابرة في طلب الخير والعمل.

وعقب آخرون عن ما يحدث في بعض بلدان الوطن العربي من مشاهد قتل وتدمير، بالقول إن ذلك يدل على تجرد هؤلاء من إنسانيتهم، إذ أكد المحاضر الشيخ محمد ويسي على أن ذلك يعد دليلا صارخا على عدم التزام الخليفة بما استخلف عليه، وأنه لا يمت بالخلافة وصفات الخالق سبحانه وتعالى أو بعلاقة المخلوق بالخالق من أي صلة.

مناقشات

امتدت مناقشات الأمسية الرمضانية هذه إلى ما بعد منتصف الليل، وتوقفت المحاضرة عند هذا الحد على أن تستكمل في الأربعاء الموافق 8 أغسطس المقبل، كما ينظم الرواق مجلسا رمضانيا في الأول من الشهر نفسه مع محاضرة للدكتور داود حسن كاظم المدير التنفيذي للرواق وموضوعها "الإسلام والبيئة".

صاحب الأمسية معرض لصور أحد الفنانين العراقيين وسوق لبعض المشغولات من الألبسة.