أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟ هذا لسان حال شاعر النيلين، فماذا يقول بحرنا لمن يقتله عمداً ودون أن يلتفت لفعلته التي تترتب عليها آثار مدمرة للبيئة؟... وهل أصبح البحر مكباً لنفايات ضاق البر بها ذرعاً، ما استفز دوائرنا المحلية المسؤولة للقيام بحملة تلو الحملة، يقودها شباب متطوعون آثروا على أنفسهم من أجل إعادة الحياة للبحر، من خلال حملة مراسينا التي أطلقتها بلدية دبي قبل سنتين تقريباً، تنتقل بين شواطئ الإمارة، حاملة أهدافها النبيلة المتمثلة في تنظيف قاع البحر وتخليصه من كل ما يتركه البعض خلفهم من مهملات وأكياس بلاستيكية.
ومخلفات وشباك صيد، وغيرها الكثير، جاعلين من قاع البحر مكبّاً للنفايات، غير عابئين بالأثر البيئي السلبي المترتب على أفعالهم غير المبالية، بالإضافة إلى هدف أسمى وأكبر، يعتبر بمثابة «تنبيه» يضع المسؤولية بين يدي كل فرد ومؤسسة في المجتمع، لحماية الحياة البحرية من كل ما يهددها من أخطار ناتجة عن السلوك غير الصحيح الذي يمارسه العديدون دون أدنى شعور بالمسؤولية. الحملة بدأت بالشواطئ المفتوحة، وامتدت لتصل إلى المياه الإقليمية، كشفت عما لم تكن قد خططت له من الأساس.
فعلى الرغم من هدفها الكامن في تخليص قاع البحر من كل المخلفات بمختلف أنواعها، إلا أن القائمين على الحملة تفاجأوا بأنواع جديدة وغريبة من النفايات تم رميها في قاع البحر، على ما يبدو بشكل من الإهمال المتعمد، أو الإساءة المقصودة، لا العفوية أو تلك الناتجة عن حادث أو خطأ غير مقصود، لكنها في النهاية تصب في خانة واحدة، وهي «العادات البيئية الخاطئة والسيئة» التي تعمل على تدمير البيئة البحرية، دون أن يشعر الفاعلون بمدى خطورة ذلك.
ما السبب؟
فعلى خلاف علب المياه الفارغة وزجاجات وعلب المشروبات المختلفة، تم العثور على عبوات بلاستيكية «قارورة مياه» ما زالت معبأة بالمياه ولم تفتح على الإطلاق، والغريب أنها كانت بكميات هائلة، رسمت على وجوه الجميع الكثير من علامات الاستفهام حول سبب وجود مثل تلك العبوات وبتلك الكميات، أو الهدف الحقيقي لذلك، إضافة إلى استخراج بطانيات، وإطارات سيارات، وأكياس بلاستيكية، وشباك صيد تشابكت وعلقت بين الصخور وباتت تشبه فخاً حقيقياً للكائنات البحرية التي علقت فيها، وبقيت على حالها لم تستطع الخروج إلى أن نفقت.
6 أطنان
ستة أطنان من النفايات تم استخراجها من الأعماق على مدار أربع رحلات بحرية متنوعة، تبدأ كل منها في الصباح الباكر، وتنتهي عند المغيب، حيث تم استخراج تلك الأطنان من أكثر من موقع بحري وشاطئ في الإمارة، وعلى أبعاد ومسافات مختلفة، وما زال البحر يطرح أسئلته على رواده بمختلف فئاتهم ومهنهم: «لماذا»؟، وما زالت أيضاً الحملة مستمرة في طريقها نحو تحقيق أهدافها.
«البيان» رافقت فريق حملة «مراسينا» خلال رحلته الأخيرة إلى عمق البحر، حيث انطلق المركب في السابعة صباحاً، يضم 11 من الغواصين المتطوعين و«الغواصات» أيضاً، وكافة المعدات والمستلزمات الخاصة بقضاء نهار كامل في البحر، بينها عدة للصيد، كي يحظى الفريق بغداء بحري طازج، بالإضافة إلى الطاقم الفني والطبي ومعدات السلامة والاتصال والإنقاذ وغيرها.
خلال الرحلة، تمكنت ثلاث فتيات مواطنات من مشاركة 8 غواصين مواطنين في تنظيف قاع البحر، ولم تكن تلك رحلتهن الأولى، فقد شاركن فريق مراسينا خلال الرحلات السابقة، بعد أن تم تدريبهن على الغوص على يد ابن خالتهن وأحد إخوانهن، وهما من الغواصين المعتمدين، بالإضافة إلى الكابتن الغواص يوسف الحمادي.
استياء
فور خروج الغواصين من القاع ، بدا كل منهم مستاء جداً وهو يحمل في يده كيساً بلاستيكياً يضم أشكالاً وأنواعاً مختلفة من النفايات والزجاجات الفارغة والعلب وغيرها، وبعد التقاط أنفاسهم وجلوسهم لأخذ قسط من الراحة، تبادلت «البيان» معهم الحديث حول ما شاهدناه بأعيننا، وحول ردود أفعالهم تجاه ما رأوه في القاع، بداية قال خالد سليطين رئيس قسم الطوارئ البيئي في بلدية دبي:
«قمنا بالغوص في عدة أماكن طوال الرحلات التي قمنا بها، فقد انتقلنا لبعد 10 أميال بحرية، و 14 ميلاً بحرياً، و 25، و 28 ميلاً بحرياً، وفي كل مرة كنا نغوص على أعماق مختلفة، منها 30 متراً، و22، و20 متراً، ولمدة تصل إلى نصف ساعة تقريباً، حيث لا يمكننا البقاء تحت الماء فترة أطول من ذلك.
لكننا وللأسف الشديد واجهنا مواقع خلال تلك الرحلات، لا حياة فيها على الإطلاق، فلا أسماك ولا نباتات ولا أي نوع من أنواع الحياة البحرية على مدى نصف ساعة في العمق». وأضاف أن الوضع يعد كارثياً بكل المقاييس، ويهدد البيئة البحرية على المدى البعيد، فكل تلك المخلفات التي تم التقاطها من القاع عملت على قتل الأسماك والحيوانات البحرية، عوضاً عن الشباك غير المسموح باستخدامها، والتي بقيت في قاع البحر، وعلقت بين الصخور و«المشدات» فعلق فيها ما علق من الأسماك والسلاحف وغيرها من الكائنات إلى أن نفقت.
بالإضافة إلى كمية كبيرة من سنارات الصيد التي تم العثور عليها في القاع، والتي لابد أنها قتلت الكثير من الأسماك التي علقت فيها. وأكد أن المسؤولية تقع على الجميع، بدءاً من الصياد والعامل والمتنزهين، وانتهاء بالجهات الرسمية الرقابية المختلفة التي يتعين عليها أن تفعل من قوانينها، بل وتضاعفها لأجل ضمان عدم تهاون أي فرد من أفراد المجتمع، وعدم التفريط في هذا المرد الطبيعي المهم الذي يعاني بالفعل من سوء المعاملة.
التدريب على الغطس يلزمه التركيز على عوامل السلامة
الكابتن يوسف الحمادي الذي أشرف على تدريب الفتيات وتهيئتهن للقيام بعمليات الغطس والمشاركة في الحملة، هو مدرب معتمد، ويحصل كل من يقوم بتدريبه على رخصة للغطس معترف بها، أشار إلى أن تدريب الفتيات لم يشكل له أية مشكلة، وأنهن كن سريعات التعلم.
وأكد أنه أكثر ما يهتم به عند تدريب أي من الغواصين، التركيز على عوامل الأمن والسلامة، وعلى كيفية تعامل الغواص مع أي طارئ يحدث معه تحت الماء، دون أن يصاب بالخوف والهلع، ما قد يؤثر سلباً في تحركاته وتصرفاته التي قد تتسبب بأذيته إذا لم يحسن التصرف، مشيراً إلى أنه طوال فترة تدريبه لم يتعرض أي من المتدربين إلى أي نوع من الحوادث أو المشكلات، خاصة بعد أن علمهم كيفية التعامل مع الطوارئ.
بعد نهار متعب من الغوص والبحث في الأعماق، تمكن فريق الغواصين وفريق «البيان» من تناول غداء وسط البحر، لكنه لم يكن للأسف ما تأمل الجميع في البداية، لم يكن طازجاً من البحر مباشرة، فلم نعثر طوال الرحلة على سمكة واحدة، فاضطر الجميع لتناول الوجبات الاحتياطية التي كان حملها الفريق معه.
مشاركات تطوعية
أماني محمد، طالبة في جامعة زايد تبلغ من العمر 19 عاماً، كانت إحدى الغواصات اللاتي شاركن في الرحلة، أشارت إلى أنها سمعت بحملة مراسينا عبر الإذاعة، وعلمت بحاجتهم لمتطوعين، وكانت تعرف أحدهم، وهو ابن خالتها عادل العمري.
ويشارك في الحملة، الذي شجعها بدوره على خوض التجربة، بالإضافة إلى تشجيع أخيها الأكبر الذي يعد من خيرة الغواصين وأكثرهم جرأة. وأبدت استغرابها لما رأته في القاع، وأضافت: «على الرغم من الجمال الساحر للحياة تحت الماء بما فيها من مخلوقات غريبة وأنواع وأشكال من الأسماك، لم نكن نحظى برؤيتها إلا عبر التلفزيون، إلا أن ذلك الجمال للأسف الشديد يشوهه ويهدده أيضاً كمية النفايات التي وجدناها، من إطارات سيارات.
وزجاجات تملأ المكان بالآلاف». وأوضحت أن حبها للوطن ولخدمته دفعها للقيام بهذا العمل، والإقبال عليه والاستمتاع به أيضاً، وتسخير جزء من وقتها ووقت دراستها للقيام به، تماماً كما دفع أختها الصغرى شيماء محمد، وهي طالبة في الثالث ثانوي، وبدأت تعلم الغطس قبل عشرة شهور تقريباً، وبعد أن رأت الحماس واقتنعت بالهدف والغاية من وراء هذا العمل النبيل الذي يمكنها من خلاله خدمة وطنها، بالإضافة إلى ممارسة الرياضة وعمل شيء تحبه.
وتحدثت شيماء عن أحد أغرب المواقف التي تعرضت لها، حيث وجدت خلال إحدى مرات الغوص بطانية مرمية في قاع البحر، وظنت أن بإمكانها رفعها، إلا أن ثقل الماء فيها جعل من الأمر غاية في الصعوبة، فطلبت المساعدة من فريق الحملة الذي قام بحمل تلك البطانية ورفعها والتخلص منها، مشيرة إلى أن استغرابها زاد عندما رأت عدداً من تلك البطانيات لا تعرف لماذا تم إلقاؤها في البحر بهذا الشكل، على الرغم من إمكانية التخلص منها بطرق أقل ضرراً على البيئة.
سماح حسين هي أصغر الغواصات سناً، حيث تبلغ 17 عاماً، وبدأت تعلم الغطس والانضمام للفريق قبل عدة شهور فقط، تشير إلى أنها لم تكن تتوقع ما رأته من إهمال من قبل الناس والصيادين ومرتادي الشواطئ، حيث ساهمت في استخراج زجاجات مياه ما زالت محكمة الإغلاق، ولا تعرف لماذا قام أصحابها بإلقائها في المياه، وبتلك الكميات، وأضافت: «قد يظن البعض أن أحدهم شرب من الزجاجة ورمى الباقي منها بشكل لا مبال، لكن الوضع غير ذلك تماماً، فالزجاجات لا تزال ممتلئة ومحكمة الإغلاق، وهي بأعداد كبيرة، فمن الذي يقوم بذلك، وما هدفه بالتحديد من هذا العمل؟».
وقالت: «للأسف لا يقدر الناس حجم المشكلة، ولا يدرون أنهم يدمرون البيئة البحرية بما يقومون به من أفعال غير مسؤولة، ولو استمر الحال على هذا المنوال فلن تتبقى حياة بحرية حقيقية خلال السنوات القليلة المقبلة، ولن يظل هناك أسماك».


