شهد سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، المحاضرة التي استضافها مجلس سمو ولي عهد أبوظبي بقصر البطين بأبوظبي امس الاول بعنوان "النقاش حول كيفية معالجة الجوع في العالم من التحديات الى الحلول" التي ألقاها الدكتور أوليفر دي شوتر المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء بالأمم المتحدة والخبير في الحقوق الاجتماعية والتجارية، وذلك في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية الرمضانية التي ينظمها المجلس.
وحضر المحاضرة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية وسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي وعدد من الشيوخ وكبار الشخصيات وأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى الدولة.
وتناولت المحاضرة الاتجاهات الواسعة للعرض والطلب على السلع الغذائية على مستوى العالم والبعد الايكولوجي والموارد الطبيعية المتضائلة وتغير المناخ واعادة الاستثمار في الزراعة ودور الحوكمة العالمية والحق في الغذاء.
توفير الغذاء
واكد الدكتور أوليفر دي شوتر ان العالم يواجه اليوم تحدياً لم يسبق له مواجهته والمتمثل في توفير الغذاء لمجموعات سكانية متزايدة أجبرتها الحياة المتمدنة على تناول الأغذية الغنية بالبروتين الحيواني.
وقال: إن التغير المناخي وانحسار رقعة الأراضي ادى إلى زيادة التنافس على الموارد الطبيعية وسوف يؤديان إلى تراجع المساحات المتاحة للإنتاج الزراعي وفي الوقت نفسه، إذا كان جل همنا التركيز على التوترات الناجمة عن العرض والطلب على المستوى العالمي فربما سيكون تشخيصنا لمشكلة الجوع ناقصاً وسنخرج بحلول خاطئة.
واضاف انه على مدار الأعوام الخمسين الماضية تجاوزت الزيادة في الإنتاجية الزراعية باستمرار الزيادة في الطلب على المنتجات الزراعية ونتيجة لذلك فقد تحسن معدل توافر السعرات الحرارية للفرد بصورة ملحوظة ورغم ذلك فإن هناك شخصا من كل سبعة أشخاص في العالم يعيش معظمهم في جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى غير قادر على إطعام نفسه بصورة لائقة.
واشار الى ان هذا يوجب علينا بالاضافة الى إنتاج المزيد من الغذاء أن ننتج نوعيات أفضل وبأساليب مستدامة بيئياً ومنصفة اجتماعياً، وعلينا أن نقوم بذلك ونحن نضع في اعتبارنا الحد من الفقر في المناطق الريفية وتلبية احتياجات الفقراء هناك وفي المناطق المتمدنة في الوقت ذاته والاستفادة في هذا الصدد من تجارب أميركا اللاتينية وأفريقيا بصورة خاصة.
قضية كبرى
واكد المحاضر ان الجوع قضية كبرى ومشكلة تحاول الحكومات معالجتها مشيرا الى ان المشكلة بدأت في التراجع وانخفاض اعداد الجوعى في الثمانينات والتسعينيات ولكن عادت للصعود مرة اخرى في السنوات الاخيرة وتشير التقديرات إلى أن عدد الجوعى في العالم يبلغ اليوم 925 مليون شخص تقريباً، بعد أن ارتفع هذا العدد من 852 مليون بين الأعوام 2003 2005 ومن 820 مليون سنة 1996 مشيرا الى ان منظمة الاغذية والزراعة لم تقدم اي ارقام حول الجوع منذ العام 2010 ولكنها قدرت عدد الجياع في العام 2009 بمليار شخص وان ٪35 وبعدد 3.5 ملايين طفل من وفيات الاطفال سنويا بسبب الجوع.
تفسير مشكلة الجوع
واضاف ان هناك اربعة اتجاهات لتفسير مشكلة الجوع في العالم الاول النمو كبير في عدد سكن العالم البلاغ حاليا 7 مليارات نسمة وسيصل العدد خلال العام 2075 الى 10 مليارات نسمة وتتركز معظم الزيادة في البلدان النامية والناشئة.
واشار الى ان الاتجاه الثاني يرجع الجوع الى التوسع الحضري في بناء المدن في كل القارات حيث يعيش في افريقيا اغلبية السكان في المناطق الافريقية وسوف ينتقل نصف السكان في عام 2030 الى المناطق الحضرية.
والاتجاه الثالث انه بحلول عام 2030 ستشهد الكثير من المناطق في العالم وخاصة الاستوائية الاكثر سخونة انخفاضا في النشاط الزراعي وتعاني انعدام في الامن الغذائي وستنخفض نسبة الانتاج الزراعي والمحاصيل بها ما بين 16 % الى 20 % لأنها متلائمة مع البيئة والتي تؤثر مباشرة على الزراعة. والاتجاه الرابع التدهور في حالة التربة وبدأت 25 % من التربة في العالم في التدهور وان 45 % من التربة في مناطق شديدة الانحدار وان 9 % من المناطق الزراعية والقابلة للزراعة بدأت في الدهور نتيجة لشح المياه مشيرا الى ان الاستخدام المفرط للتربة في العالم يؤدي الى اجهادها مما يهدد الانتاج الزراعي في المستقبل.
ضعف النظام الغذائي
واكد أن أزمة الغذاء العالمية كشفت مدى ضعف نظامنا الغذائي والذي أثبت عجزه عن الصمود في وجه الصدمات مثل ارتفاع أسعار النفط والتغير المفاجئ في مستوى الطلب على سبيل المثال نتيجة لتحوّل المحاصيل الغذائية نحو إنتاج الوقود أو لسلوك المضاربة في أسواق السلع، مشيرا الى المنظمات العالمية والحكومات والقطاع الخاص ادركت الحاجة إلى استثمار المزيد في قطاع الزراعة.
مكافحة الجوع
واشار الى ان إنتاج المزيد من الغذاء لن يسهم في مكافحة الجوع وسوء التغذية إذا بقي الفقراء عاجزين عن شراء الغذاء المتوفر في الأسواق، ورغم أن خفض الأسعار أمر مستحب على المدى القصير، إلا أن ذلك لا يعدّ حلاً بعيد المدى إذا ما كرس إدمان الكثير من الدول النامية على الغذاء الرخيص الثمن وقادها بالتالي إلى التضحية باهتمامها البعيد المدى في تطوير كفاءتها على إطعام نفسها مقابل انصرافها القصير المدى إلى شراء الأغذية الجاهزة من الخارج بأسعار تقل عما لو تمّ إنتاج ذلك الغذاء داخل تلك البلدان.
خفض الأسعار
واكد ان خفض الأسعار وإنتاج كميات كبيرة من الغذاء ليسا الحل للمشكلة التي يعاني منها 500 مليون منزل في الدول النامية والتي تضمّ ما يزيد على 2,1 مليار شخص يعتمدون في معاشهم على إنتاج غذائي صغير الحجم، علماً بأن غالبية الجوعى هم من بين هؤلاء الفقراء في المناطق الريفية المنتجين للغذاء على نطاق صغير في معظم الأحيان.
واشار الى انه من بين المليار شخص الذين يعانون من الجوع في العالم منتجون للغذاء ويتألفون من مجموعات تعيش في المزارع وييلغ عددهم 1.4 مليار نسمة والجزء المهم منهم يعيشون في جوع لاستنفاد احتياجاتهم من الغذاء لأنهم يملكون مساحات صغيرة من الاراضي ويستهلكون ما ينتجونه وهؤلاء لن يمكنوا من العيش اذا لم يعملوا في مجالات اخرى لتوفير مصادر دخل اخرى.
وقال: إن هناك 450 مليون نسمة عمال مزراع منهم 240 مليون فقراء جدا لا يجدون المال الكافي لشراء الغذاء ويبقون جوعى على مدار العام وهناك فئة يعيشون على الصيد والرعي وجمع الغذاء من الغابات ويقع ضمن هذه الفئة ما يتراوح بين 120 مليون الى 150 مليون نسمة وهناك 1.3 مليار نسمة يعيشون في الاحياء الشعبية العشوائية وهناك 2 مليار نسمة بحلول عام 2030 في المناطق الريفية لن توفر لهم الزراعة العيش الكريم.
حلول سياسية
وقال: إنه ينظر الى الجوع من خلال وجهتي نظر الاولى فنية والتي تعتمد على العرض والطلب على الغذاء في ظل تزايد اعداد السكان في العالم، الأمر الذي يتطب زيادة الرقعة الزراعية والانتاج من الغذاء، ووجهة النظر الثانية سياسية تتعلق بالعدالة الاجتماعية ويقع على عاتق الحكومات معالجتها مشيرا الى ان القائمين على السياسة يرون ان نسبة الجوع في انخفاض وسوف يستمر العدد في الانخفاض حتى العام 2020 وان 16 % من عدد سكان العالم يعانون من الجوع وهناك 40 % من كل 25 مليون يعانون من فقدان الامن الغذائي وبالتالي فإن الجوع ليس مسألة فنية تتعلق بالعرض والطلب على الغذاء ولكنه موضوع سياسي له علاقة بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الغذاء بعدالة بحيث لا تسمح بأن يكون هناك اشخاص فقراء جدا لايستطيعون تلبية احتياجاتهم في مجتمعات تعاني عدم المساواة.
الثورة الخضراء
طرح المحاضر الدكتور أوليفر دي شوتر بديلا للثورة الخضراء لزيادة الانتاج الزراعي ومعالجة مشكلة الجوع من خلال الزراعة الايكولوجية والتي تمزج بين علوم البيئة والزراعة باستخدام المنهج الصناعي في الزراعة وان يتم استخدام النفايات الناتجة عن الزراعة واعادة استخدمها لمعالجة التربة، مشيرا في هذا الصدد الى قيام اليابان وبنغلادش والفلبين بتربية نوع من الاسماك والبط في المزارع والاستفادة من مخلفاتها في تسميد التربة وزيادة الانتاج الزراعي وتخفيض تكاليف الاسمدة وزاد الانتاج بنسبة ٪25. وقال: إن مناقشة مسألة الجوع ومحاول معالجته أسفرت عن ان هناك جدلا بين منهج الثورة الخضراء والزراعة البيئية ولكن الواقع يشير الى انه يمكن ان يكون الاثنان مكملين لبعضهما.

