ذكرت خطبة الجمعة أن سورة (العصر) قد حوت في طياتها كثيراً من المعاني الإيمانية والفوائد التربوية والسلوكية، يقول الإمام الشافعي عنها: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم. وقال: لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم.

وأضافت أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا يقرؤونها إذا التقوا أو افترقوا، وقد افتتح الله عز وجل هذه السورة بالقسم فقال: (والعصر) وهو الزمن الذي تقع فيه أعمال بني آدم، وهذا يدل على عظم الوقت وأهميته وشرف الزمان وعلو قيمته، فالوقت من أنفس النعم التي أنعم الله سبحانه بها على الناس، لأنه ميدان سعيهم، ومضمار سبقهم، والرابح من اغتنم وقته وصان من الزلل نفسه، والخاسر من فرط في الزمن، فيجب على الإنسان أن يحسن اغتنام وقته وعمره بالخير والعمل، ولا يضيع الوقت، وإن كان قليلاً، فهو إما له أو عليه، قال الله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).

واستعرضت الخطبة مكانة وقت العصر وشرفه، حيث فضل الله فيه بعض العبادات، فخص صلاة العصر من بين الصلوات، فأمرنا بالاهتمام بها، والمحافظة عليها، قال تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)، وحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تركها أو التهاون فيها، أو التغافل عن أدائها، فقال صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».

وقد بينت السورة أن الناس فريقان: فريق يلحقه الخسران، وفريق ناج من الخذلان، فمن وفقه الله تعالى جعل الوقت عوناً له في حياته، فأحسن استثماره في اكتساب أمور، منها: الإيمان بالله تعالى، قال عز وجل: (إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا).

وأضافت أن الإيمان هو الركن الذي لا غنى عنه للإنسان، وهو أساس الفرح والأمان، وباب السرور والاطمئنان، ولا يقبل الله تعالى من إنسان عملاً، ولا يثبت له أجراً، ما لم يكن عمله نابعاً من الإيمان بالله تعالى، وحقيقته التسليم والخضوع لله عز وجل، وامتثال أمره، والرضا بقسمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً».

طاعات وقربات

ومن الإيمان بالله استثمار الجوارح في عمل الطاعات والقربات، ولذا أردف الله سبحانه وتعالى عمل الصالحات بعد ذكر الإيمان فقال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، والعمل الصالح هو ما وافق الشرع والعرف والذوق السليم.

وذكرت خطبة الجمعة أن نجاة الإنسان وبعده عن أهل الخسران لا تكتمل إلا بالتواصي بالحق مع أهل الإيمان، قال تعالى: (وتواصوا بالحق)، والحق هو لزوم العمل بكتاب الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، فيوصي المرء أهله وأرحامه، وأقاربه وجيرانه، وأصدقاءه وأحبابه، ويدلهم على الطاعات، ويعينهم على فعل الخيرات، ويرغبهم في نيل الحسنات، فمن استثمر وقته في هذه الأعمال، ودعا الناس لاكتساب جميل الخصال، أكرمه الله تعالى بالخير في الحال، وأثابه بالأجر عند المآل، قال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً».

وأضافت أن خاتمة صفات أهل النجاة التواصي بالصبر قال تعالى: (وتواصوا بالصبر)، والصبر خلق رائق نفيس، ويعني حمل النفس على لزوم الطاعة، وكفها عن المعصية، واحتمال المصائب، ومن رزق الصبر أعطاه الله خيراً كثيراً، وجعل العسير عليه يسيراً، قال صلى الله عليه وسلم: «وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر».

وحثت الخطبة الثانية على الحرص على ما أرشد إليه القرآن الكريم من حميد الخصال وكريم الخلال، وأن من يفز هو من يغتنم وقته بالطاعات، ويستقيم على فعل الخيرات، ويكثر من عمل الصالحات، ويلتزم الحق ولم يتبع هواه، ويبذل النصيحة للناس، ويدعوهم إلى اتباع الحق والتواصي بالصبر، فإن الصبر مفتاح الفرج، وعاقبته كريمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله». قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم»، فالتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها، فمن حازه جمع الخير كله، قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).