في الطابق الثاني في مستشفى دبي أطفال يرقدون على أسرة تفوق أجسامهم بأمتار، لا حول لهم ولا قوة، لا يعرفون ما يجري حولهم ولا إلى أين سينتهي بهم المطاف، وآباء تخفق قلوبهم، وأمهات لا تتوقف أعينهن عن ذرف الدموع بانتظار الساعات القليلة القادمة التي سيمضيها أكبادهم داخل غرف العمليات.

فجأة تظهر ممرضتان كلفتا بتجهيز الطفل أحمد للعملية، تسرع الأم مرافقة لولدها وعند بوابة غرفة العمليات تتوقف رحلتها القصيرة، تودع الأم طفلها بدموع وتبدأ بالدعاء له بالسلامة، وبعدها يغلق الباب وتجلس الأم في الاستراحة المخصصة تتلو القرآن، ويغادر زوجها متوجهاً إلى أحد اجتماعاته كما أفاد، لنعلم فيما بعد بأنه في إجازة ولكن هول المنظر وعدم تحمله رائحة غرف العمليات جعلته يختلق أي عذر لمغادرة المستشفى على أمل أن يعود بعد ساعتين لتكون الامور قد توضحت وانقشعت سحابة الغمام.

ورغم الحالة النفسية والمعنوية التي تمر بها الأم إلا ان ذلك لم يمنعها من توجيه عظيم الشكر والامتنان لمؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والانسانية التي تكفلت بعلاج المقيمين على ارض الدولة، مشيرة إلى أن تكاليف العملية والسفر والإقامة في الخارج كانت عائقاً كبيراً لعلاج ابنها احمد.

 وتقول: مرت علينا ايام كانت أمرّ من العلقم، كنا نقضي الليل نفكر ماذا سنفعل، ولكن جاء الفرج عندما أخبرونا في مستشفى دبي بأن مؤسسة محمد بن راشد ستتكفل بعلاج الطفل وجميع الأطفال المقيمين الذين يعانون من مشاكل وعيوب خلقية في القلب مجاناً، وقالت لا أملك سوى الدعاء لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على هذه اللفتة الإنسانية الرائعة، والله نسأل أن يجعل ذلك في ميزان حسناته.

زوال الهم

في الممر المقابل يقف والد الطفل الباكستاني أحمد حامد مهموماً مغموماً لا يدري ماذا يفعل، فالأطباء أخبروه أن حالة ابنه من الحالات المعقدة والتي تحتاج الى مدة شهر بعد العملية في العناية المركزة مع مراقبة ومتابعة دقيقة لحالته، ونصحوه بإجرائها في المراكز العالمية ولكن من اين وراتبه بالكاد يسد رمقه، ومصاريفه الشهرية تفوق دخله بأضعاف، ولكن ما هي إلا دقائق معدودة حتى يعود جراح القلب الايطالي الدكتور عبد الله راوح مبتسماً ليخبر والد الطفل ان هناك قراراً صدر من مركز سان دوناتو ميلانو لنقل الطفل الى إيطاليا للعلاج مع تحمل كافة تكاليف العلاج والسفر. وسيتم نقل الطفل الى هناك في شهر سبتمبر المقبل.

الخبر وقع على والد الطفل كالصاعقة، ولم يصدق ما سمع وراح يطلب من الدكتور أن يعيد ما قاله مرات حتى اقتنع، معلقاً: ما دامت مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والانسانية تتكفل بعلاج جميع الاطفال المصابين بالعيوب الخلقية فبالتأكيد هناك مؤسسات اخرى تقوم بنفس الدور، وما يهمني هو علاج أحمد.

وقال الدكتور راوح تعقيبا على حالة محمد البالغ من العمر 8 سنوات الحالة تعد من الحالات النادرة والمعقدة وتحتاج لفترة طويلة من العناية المركزة، وبسبب الضغط الواقع على مستشفى دبي، فقد قررت إدارة مركز جراحة القلب والشرايين في ميلانو نقل الطفل الذي يعاني من انعكاس اتجاه الشرايين التاجية وتضخم القلب وهو ما يشكل خطرا على صحة الطفل، الى المركز لتلقي العلاج مع تعهد تام بتحمل كافة التكاليف التي قد تترتب على ذلك.

وأوضح أن الفريق الطبي الإيطالي قام امس بإجراء عمليات قلب مفتوح لطفلين مواطنين وثلاث عمليات للقسطرة تكللت جميعها بالنجاح. وبدوره قال الدكتور عبيد الجاسم رئيس مركز القلب في مستشفى دبي ان عدد العمليات التي تم إجراؤها وصل لغاية الآن الى 23 عملية منها 8 عمليات قلب مفتوح و 15 عملية لقسطرة الشرايين، نصفها لمواطنين والباقي لأطفال مقيمين، مؤكدا ان جميع العمليات تكللت بالنجاح.

وقال الدكتور إن الفريق الطبي الايطالي يقوم حاليا بالتعاون مع كادر طبي إماراتي بإجراء جراحات لتشوهات قلوب الأطفال وعلاج الحالات المرضية التي تعاني من تشوهات القلب، وعدم اكتمال الصمامات، والثقوب البينية للأذينين والبطينين، وتشوّه (رباعية فالو) حيث يتم تشخيص وعلاج هذه الحالات وإجراء القسطرة العلاجية للصمامات وزراعة شرايين القلب لمن يعانون من انعكاسات في الشرايين، وإجراء عمليات القلب المفتوح لبعض الحالات المرضية.

بوملحة: مبادرة علاج قلوب الأطفال ضمن خطة عمل المؤسسة

 أكد المستشار إبراهيم بوملحة نائب الأمين العام لمؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والإنسانية أن مبادرة علاج قلوب الاطفال التي تبنتها المؤسسة مع هيئة الصحة منذ اطلاقها في العام 2007 جاءت بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لافتا إلى أن تكاليف هذا النوع من العمليات يفوق إمكانيات الكثير من المقيمين في الدولة، وأضاف أن المبادرة تأتي ضمن خطة عمل المؤسسة لتفقد أحوال المستشفيات وتقديم المساعدة الممكنة لها لتقوم بدورها تجاه معالجة المرضى والمساعدة لإتمام النواحي العلاجية بالصورة المثلى.

وقال قاضي سعيد المروشد مدير عام هيئة الصحة بدبي ان المبادرة تأتي انطلاقا من التزام هيئة الصحة بدبي بتوفير أرقى الخدمات العلاجية للمرضى في ظل تزايد عدد الأطفال المصابين بتشوهات قلبية وارتفاع الكلف المالية لإجراء هذا النوع من الجراحات وندرة توفر الأطباء الجراحين في هذا التخصص الطبي الدقيق بمستشفيات الدولة، مشيرا إلى أهمية هذه المبادرة وانعكاساتها الايجابية على المرضى وذويهم من ناحية تخفيف العبء المالي عن كاهل الأسرة وتوفير الراحة والاستقرار النفسي لهم وتفعيل برنامج التعليم الطبي المستمر ونقل الخبرات العالمية وتوطينها بمستشفيات الهيئة في هذا المجال الطبي المتخصص.

وأكد حرص الهيئة على استقطاب أفضل الخبرات العالمية للمستشفيات التابعة للهيئة لتقديم الخدمات العلاجية للمواطنين والمقيمين على ارض الدولة، لافتا الى ان مبادرة علاج قلوب الاطفال التي تبنتها الهيئة بالتعاون والتنسيق مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الخيرية والانسانية عالجت منذ العام 2007 ولغاية الغاية الآن 230 طفلاً من المواطنين والمقيمين.