دعت خطبة الجمعة إلى التوازن في إنفاق المال وعدم الإسراف، فقد خلق الله تعالى الإنسان وكرمه، وكفل له رزقه ويسره، وشرع له السعي في الأرض، والرزق المباح هو الحلال الطيب الذِي لا ريبة فيه ولا خداع، ولا شُبهة فيه ولا نزاع، فيجب التوازن في الإنفاق مع الاعتدال، فلا بخل ولا تقتير، ولا إسراف ولا تبذير، فيُلام البخيل على تقتيره، ويتحسَّر المسرف على تبذيره.
وأوضحت أنه لكي لا يقع المسلم في اللوم والحسرات طلب الإسلام منه الإنفاق وفق الأولويات، فيقدم الضروريات والحاجيات على غيرها من الكماليات، ولا يُضيِّع ماله في أبواب اللهو والترف، ومظاهر الحياة البراقة بسرف، على حساب حاجة أهله وعياله، من مسكن ومأكل وملبس.
وذكرت أن الإنسان إذا أسرف في شراء الكماليات التي لا تتوقف على اقتنائها الحياة، ولا تتوفَّر لشرائها الإمكانات، ألجأه ذلك إلى اقتراض الأموال من البنوك، ليُغطِّي ما اشتراه من الكماليات، فيُثقل كاهله بالديون الطائلة، وقد كان في غنى عنها، بل إن بعض الناس يقترضون كثيراً من الأموال، وهُم لا يملكون إمكانية الوفاء بها، ورُبَّما كان بعضهم غير جادٍّ في ردِّها، محذرة من التهاون في أداء الديون وقضائها أو عدم الاكتراث بسدادها.
وأشارت إلى أن مما يجُرّ الإنسان إلى تحمل الديون اهتمامه بتقليد الآخرين ومنافستهم، ومباهاتهم بالمال ومفاخرتهم، فيجب على من يفعل ذلك النظر في أحوال من هُم أقل منهم حالاً، وعدم التَّطَلُّع إلى من هُمْ فوقهم مآلاً، لئلا يزدروا النعم وتموت عندهم الهمم.
وذكرت أن التساهل في الاقتراض من غير حاجة ماسَّة أو ضرورة ملحَّة قد يجر الإنسان إلى المسألة المذمومة، وقد يعتاد بعض الناس المسألة مُستغلاً كرم الخيّرين، وَجُود الطيبين، فيسأل من غير حاجة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه رضي الله عنهم على القناعة والعفة وعزة النفس، واجتناب المسألة من غير حاجة وبأس، فهذا يتنافى مع مروءة المسلم وعزة نفسه، قال حكيم بن حزام رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني.
ثم قال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى». فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا.
فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيماً إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً. فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفىء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي. فيجب أن يكون المسلم قنوعاً بعطاء مولاه، شكوراً مُقرّاً برضاه، فالشكر والرضا والقناعة مصدر الفلاح والسعادة، وتلك الصفات من أعظم ما يجنِّب المرء الوقوع في محنة الديون وسؤال الناس.
وأشارت خطبة الجمعة إلى أنه إذا اقترض الإنسان لحاجة فينبغي أن يراعي آداب الاقتراض، وأهمها: أن تكون له عزيمة صادقة على الوفاء، ونية طيبة في القضاء، وأن يسارع في أداء الديون عند حلول أجلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خيار الناس أحسنهم قضاء»، وأن يمتنع عن المماطلة والتأخير في قضائها، أو التساهل وعدم الاكتراث في أدائها، فتكون سبباً في غلق باب الإحسان، والوقوع في الظلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم».
