استعان بها الغواصون في الماضي

المياه العذبة وسط الخليج.. زاد الأسفار

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

+++ رحلات الغوصرحلة الغوص الطويلة للبحث عن اللؤلؤ في عرض البحر على سفينة تتحرك بالأشرعة والمجاديف، حكاية تروي أشهراً كان يمضيها الصيادون بالمشقة والصعوبات، وانقطاع عن الأهل والأصدقاء .

بالإضافة إلى قلة الماء والطعام، وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن هذه الرحلة كانت لا تخلو من فوائد وإيجابيات، ربما كان أبرزها معجزة ذكرها القرآن الكريم قبل آلاف السنين، واكتشفها الغواصون فيما بعد، التي تتمثل بوجود عيون ماء عذبة وسط مياه البحر المالحة، تكثر عند المسطحات البحرية المحيطة بمملكة البحرين وهي عبارة عن آبار للمياه العذبة في قاع البحر، إذ كان العاملون على السفن الخليجية القديمة يترددون على هذه الينابيع العذبة المتدفقة من جوف البحر ويتزودون منها بالمياه العذبة والباردة، التي ذكرت في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان}، وقال تعالى: {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً}. الفرقان:53.

في حين أكدت المراجع الجغرافية أن سكان البحرين كانوا يحصلون على المياه العذبة الصالحة للشرب من نبع ينبثق من الأغوار البحرية شديدة الملوحة، وكان الغواصون يغطسون في البحر فيملؤون أوانيهم وجرارهم من هذه المنابع الصافية التي تعد نعمة من نعم السماء.

توزع الينابيع

وتتوزع هذه الينابيع العذبة بين جزر مملكة البحرين التي يقدر عددها بمائتي ينبوع، وفي الساحل بخمسة وعشرين ينبوعاً، وساعدت هذه الشبكة المائية النقية الممتدة تحت البحر على تحويل البحرين الى واحة غناء، ويصفها ديوراند الذي عمل في خدمة التاج البريطاني في ميناء بوشهر، وانتقل إلى البحرين في مهمة لاستكشاف هذه الجزيرة، قائلاً: (الجزر فضة، والبحر لؤلؤ، وتستطيع ان ترى الشعاب المرجانية في الأعماق، وتملك البحرين ينابيع الماء النقية التي تنبعث خلال الماء الأجاج في أماكن متفرقة حول الجزر البحرينية).

وقال علي صقر السويدي، رئيس مجموعة الإمارات للبيئة البحرية ومؤسس قسم علوم البحار والبيئة التابع لندوة الثقافة والعلوم، وجمعية الإمارات للغوص التي تتبع وزارة الشباب والثقافة في عام 1994م: «إن عيون المياه العذبة موجودة في مياه الإمارات، إلا أنها على بعد كبير خلافاً لما يوجد في مملكة البحرين»، مشيراً إلى أن الغواصين خلال رحلة الغوص الطويلة والصيادين كانوا يستعينون بهذه العيون للحصول على المياه أثناء رحلاتهم.

وقال إن مياه العيون بالإضافة إلى دورها في توفير المياه للغواصين والصيادين ومرتادي البحر، فإنها بيئة خصبة لتواجد الأسماك بالقرب منها لوجود الغذاء بكثرة في المناطق القريبة من هذه العيون.

زاد الأسفار

وأضاف حمد الرحومي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، وهو أحد الصيادين المشهورين: «سمعت من أكثر من شخص من «الشواب» أنه في مناطق معينة في البحر توجد عيون ماء عذبة، يتم من خلالها توفير ما يحتاجون منها لأسفارهم الطويلة للغوص على اللؤلؤ أو رحلات الصيد، وخاصة أن القوارب التي تأتي بالماء من البر والتي تسمى «تشالة» تأتي من مسافات طويلة وتتعرض للتغيرات الجوية، ما يتسبب في تأخرها، فكانت تلك العيون بدائل ووسيلة الإمداد الوحيدة عند نقص المياه على القوارب أو سفن الغوص».

وقال: إن الحياة التي عاشها الغواصون في الماضي من نقص للطعام والمياه التي تعد أحسن نعمة، علمتهم الترشيد وعدم الإسراف في استخدام الماء الذي لديهم وسط البحر أو على البر، حيث إن جلب الماء يأخذ مسافة كبيرة تصل إلى ثلاثة أو أربعة كيلو مترات من الآبار البعيدة، لما يقرب من 60 أو 100 شخص.

وقال إن نقص المياه تسبب في تقطع أجسام الغواصين وتعرضهم للأمراض نتيجة تراكم الملح على هذه الأجساد، إضافة إلى حاجتهم للمال والعمل في ظل «نوخذة» شديد لا تأخذه رحمة أو شفقة بالمريض أو العاجز، مع عدم وجود معدات ولا محركات مثل ما عليه سفن وقوارب اليوم، وإنما يحرك القارب وتسحب المرساة يدوياً بالمجداف أو الأشرعة، لافتاً إلى أن وقت الليل هو وقت يبث فيه الغواص شجنه وعواطفه تجاه الأهل والأولاد.

وقارن الرحومي رحلات صيد اليوم برحلات الأمس فيقول: على الرغم من وجود هذا الكم الكبير من المعدات والأدوات ووسائل الترفيه والاتصال إلا أن الفترة التي نكون فيها بالبحر والتي تستمر لمدة عشرة أيام نحس خلالها بالغربة مع الأمواج والرياح وعلى الأمل في رزق وفير من الأسماك، فما بالك بمن عانوا هذه المعاناة الشديدة وقسوة المناخ من دون تكييف أو مياه باردة أو طعام كاف.

طاقم الغوص

وعند نزول طاقم الغوص إلى الماء، يستمر العمل دون انقطاع حتى الظهر في موسم اللؤلؤ نحو الساعة 1.30 أو 2.00 بعد الظهر، حيث يتوقف لأداء الصلاة وتناول بضعة فناجين قهوة وأخذ قسط من الراحة لمدة ساعة. ولا يتوقف مرة ثانية، عقب استئنافه، في فترة بعد الظهر حتى اقتراب المساء. وبعد صلاة المغرب أو العشاء، يتناول الصيادون وجبة كبيرة من السمك والأرز والتمر، ومن ثم تناول قليل من القهوة، ويخلدون إلى الراحة طيلة الليل.

وقبل أن ينزل الغواص إلى البحر، يخلع ملابسه ويضع زوج كماشات مصنوعة من قرون الحيوان تدعى فطام (جمعها أفطمة) على أنفه لكبس منخريه، ويسد أذنيه بالقطن أو شمع النحل ويضع أغطية جلدية للأصابع تدعى خبط (مفردها خبطة) لحماية أصابعه من الاحتكاك بأشياء حادة، كما يعلق كيساً صغيراً بجسده يدعى دّيين (جمعها ديايين) من الليف الهندي وذلك بتعليقه حول عنقه أو بتثبيته حول خصره. ولمساعدته في الهبوط يكون معه حجر أو رصاص للغوص يزن من 10 إلى 14 رطلاً. ويربطه بحبل يدعى زيبل (جمعها زيابل) .

ويوجد فوق الوزن أنشوطة يضع الغواص فيها قدمه وهكذا يتم إنزاله إلى قاع البحر. ولدى وصوله إلى القاع يخرج الغواص قدمه من الأنشوطة في الزيبل التي يرفعها على الفور زميله الذي يهتم به ويمضي في تلمس طريقه عند القاع بيد وقدم واحدة، مستخدماً القدم الأخرى لدفع نفسه واليد الطليقة لجمع المحارات التي في متناوله ويضعها في الديين. ويقال إن المحارات توجد عادة مفتوحة الفاه، لكنها تغلق فاهها لدى الاقتراب منها. وعندما لا يستطيع حبس أنفاسه أكثر، يعطي الغواص الإشارة للسيب أي لزميله بهز اليد التي يتمسك بها، ويُسحب إلى السطح فوراً وتؤخذ منه الأصداف التي جلبها معه.

جمع الأصداف

 

يقوم الغواص بجمع الأصداف في غوصة واحدة أو تبة (جمعها تبات) ويتراوح عددها عموماً بين 3 و20 صدفة. لكنه أحياناً يعود خالي اليدين تماماً. والوقت الذي تستغرقه الغوصة يتراوح من 40 إلى 75 ثانية. لكن لا يستطيع إلا قلة من الغواصين البقاء تحت الماء أكثر من دقيقة واحدة. وفي الفترات الفاصلة بين الغوصات، يستريح الغواص في الماء، إلا إذا كان البحر مائجاً، حيث يستند إلى مجداف أو حبل يتدلى من جانب المركب. ويقوم الغواص نفسه بعدد من الغوصات يصل إلى 50 في اليوم إذا كان الطقس مؤاتياً، لكن العدد يُخفض إلى عشرة أو عشرين إذا كانت المياه باردة. ونادراً ما يتعرض الغواص لهجوم من جانب سمك القرش (الجرجور) أو كلب البحر وأحياناً يصاب الغواصون بلدغة من سمك «الهامة».

وعندما تكون موجودة بكثرة يرتدي الغواص قميصاً أبيض طويلاً لحماية نفسه من تطويقها له. ويزداد إجهاد الغوص جداً عند تيار، وحيث توجد تيارات يعوم الغواص غالباً إلى مسافة من الزورق ويصعد وقد أصيب بإعياء شديد. وفي هذه الأماكن يسمح بأن يربط حبل طويل بالزورق يستطيع الغواص أن يسبح عليه ليصل إلى السطح حيث يقوم السيب برفعه.

طباعة Email