برعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، اختتمت مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر بدبي فعاليات مؤتمر دبي الدولي للأوقاف 2012 م، الذي نظمته المؤسسة تحت عنوان "أفضل الممارسات والتجارب في مجال المصارف الوقفية" بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في المجالات الخيرية والإنسانية والوقف بلغ عددهم أكثر من ألف مشارك من 50 هيئة ومؤسسة محلية وخارجية.
وأكد المشاركون في المؤتمر على أهمية إنشاء مصرف وقفي لدعم البحث العلمي وإنشاء صندوق وقفي لديمومة جميع الأصول الوقفية، ودعوة منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة للاهتمام بوضع تشريعات وقوانين تتيح وتسهل إيصال ريع الأوقاف في البلاد الإسلامية إلى الجهات المستحقة الواقعة في البلدان الإسلامية الأخرى، وشددوا ضرورة العمل على نشر ثقافة الوقف وعدم حصره في عمارة المساجد.
ودعا المؤتمر رجال المال والأعمال لوقف بعض ممتلكاتهم وأموالهم لخدمة مجتمعاتهم العربية والإسلامية، للإنفاق على المؤسسات العلمية والثقافية والتربوية والاجتماعية، بالتعاون مع المؤسسات الوقفية لغرض إنشاء صناديق وقفية متخصصة.
توعية الجمهور
وأكد المشاركون على ضرورة استحداث وسائل استقطاب عصرية جديدة لتسهيل عمليات التبرع واستقطاب الأوقاف النقدية، كالاستقطاب عن طريق شبكة المعلومات أو الرسائل الهاتفية [SMS]، والعمل على إنشاء صناديق وقفية متخصصة مرتبطة بالمصارف الوقفية مباشرةً، والاستثمار فيها ضمن الخطط الاستراتيجية وبرامج العمل المهنية لتسد احتياجات الموقوف لهم، وتأمين الأصول الوقفية الدائمة، مع توعية الجمهور وتشجيعهم على الاستثمار في الصناديق الوقفية المخصصة للصرف على الموقوف لهم والمستحقين.
ودعا المشاركون إلى إدراج العمل الوقفي ضمن المناهج التعليمية بالمدارس والجامعات، وتأهيل كوادر المؤسسات الوقفية وتزويدها بالمهارات والمعرفة بما يرتقي بها إلى أفضل الممارسات، والاهتمام بالجانب العملي من العمل الوقفي، وعدم حصر الوقف في إنشاء وعمارة المساجد فقط، والتوجه بها إلى جميع المجالات التي كانت عليها في العصور الإسلامية، والتي شملت جميع المجالات التعليمية والصحية والبنية التحتية.
واتفق المشاركون في المؤتمر على لزوم العمل بشرط الواقف، وأنه هو الأصل المعتبر في الصرف على الموقوف لهم، ولا تجوز مخالفته إلا على سبيل الاستثناء، مؤكدين أن نظام الوقف ساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية على مدار تاريخ الدولة الإسلامية، وكذلك إقامة مشروعات البنية الأساسية والإنتاج ومحاربة البطالة، والمساهمة في توزيع الدخل.
النموذج الغربي
وأكد المشاركون على احترام الضوابط الشرعية والقانونية والإدارية والمالية في مجال إدارة واستثمار الأوقاف، مع اعتبار مقاصد الوقف وغاياته كإطار مهم في فهم حقيقة الوقف الإسلامي.
وطالب المؤتمر بضرورة الاستفادة من النموذج الغربي في مجال عقد الشراكات الاستراتيجية بين المنظمات غير الربحية، والعاملة في القطاع الخيري والإغاثي. وكذلك تنظيم وبناء الشراكات الاستراتيجية بين مؤسسات الأوقاف والمؤسسات العائلية ومواثيقها الخاصة، وتنظيم هذه المواثيق بناءً على القوانين الوقفية المتخصصة في قطاع الوقف الذري (العائلي)، مع ضمان التوازن في الصرف على الموقوف لهم، لتشمل كافة الموقوف لهم بدون محاباة أو إفراط في العطاء، حتى لا يؤدي ذلك إلى الإخلال بشروط الواقفين، أو تجاوز إرادتهم.
كما طالب المشاركون في المؤتمر بوضع معايير مهنية محترفة لعموم المصارف الوقفية لغرض الرقي بأدائها وإدارتها واستثماراتها، والاتفاق على عدد معين منها، والاحتكام إلى تجاربها، ومحاكاة الناجح منها، بالإضافة إلى تحديد التشريعات والقوانين واللوائح المنظمة للمؤسسات الوقفية في مجال المصارف الوقفية، مع إمكانية تعميمها على عموم المؤسسات العاملة في قطاع الأوقاف.
وأكد المشاركون على الاهتمام بتنوع المصارف الوقفية ضمن الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، مع إعطاء مصرف البحث العلمي التطبيقي الأولوية كمصرف وقفي قادر على نهضة الأمة الإسلامية.
ودعا المشاركون في المؤتمر مؤسسة الأوقاف وشؤون القُصر بدبي لتنظيم مؤتمر دولي متخصص في موضوع الشراكات الاستراتيجية بين القطاع الوقفي والقطاعات الأخرى ذات صلة مباشرة بأعمال الأوقاف، مع إعادة النظر في إدارة ممتلكات الأوقاف وبخاصة الممتلكات الاستثمارية، بما ينسجم مع إرادة وشروط الواقفين من جهة ومع نصوص الشريعة ومقاصدها من جهة أخرى، وتشجيع التوسع في مفهوم "الأموال المنقولة الوقفية" لتشمل النقود والأسهم والسندات، مما يفتح مجالات جديدة للاستثمار الوقفي، إلى جانب تشجيع الاجتهادات الحديثة في استثمار أموال الوقف، وتوسيع دائرة الممارسات الجديدة مثل: سندات المقارضة والاستصناع والمضاربة، مع مراعاة نسب المخاطرة لكل صيغة يتم اعتمادها في أموال الأوقاف.
ضوابط محددة
ومن جهته قال حسين القمزي رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر إن المؤتمر خلال اليومين الماضيين ركز من خلال جلساته على أفضل الممارسات والتجارب في مجال المصارف الوقفية، وعلى أفضل الطرق والمصارف الوقفية التي تمثل حاجة ضرورية لتنمية المجتمع، والتي تتناسب مع رؤى التنمية والازدهار والتفوق التي تسعى حكومتنا الرشيدة لتحقيقها.
وأضاف إن مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر قطعت شوطاً طويلاً في إعادة إحياء مفهوم الوقف والتعريف بدوره في المجتمع بمشاريعها وبرامجها وفعالياتها، وبما يعود على المجتمع بكافة شرائحه بالفائدة والتنمية.
وقد جاءت الجلسة الأولى للمؤتمر بعنوان "مدخل نحو الدلالات الشرعية والقانونية والاجتماعية للمصارف الوقفية"، تم خلالها استعراض عدد من أوراق العمل من أبرز الخبراء والمتخصصين أدارها الدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني المدير العام لدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، الذي أكد أن الوقف قام بدور كبير في دعم المشاريع التنموية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، و له الكثير من المساهمات على المستوى الفردي والاجتماعي.
وقدم الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل والخيري، ورقة عمل تناول فيها "الدلالات الشرعية والقانونية والاجتماعية للمصارف الوقفية"، قال فيها إن الوقف يمثل مجالاً فقهياً رحباً يحتاج إلى المزيد من التطوير والتوسع وفتح مجالات المصالح الخاصة به، ومؤكداً على ضرورة العمل على تأصيل العمل الوقفي، وتحقيق بنيته التحتية اللازمة بما يجعله عملاً موثوقاً من قبل العلماء والقائمين عليه.
وأشار الدكتور الحداد إلى أن الأصل في المصارف الوقفية هو المساهمة في فعل الخير تحقيقاً لقوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون".
وفي رده على سؤال ما إذا كان مسموحاً قبول الوقف من غير المسلمين، قال إنه لا يشترط أن يكون الواقف مسلماً ولا مانع من أن يستفيد المسلم من أموال غير المسلمين، ولكن لغير بناء المساجد أو غيرها من الأوقاف الإسلامية، وإنما تستخدم في المصالح العامة، و"هذا المبدأ معمول به في قديم الزمان وحديثه".
وقال الدكتور طارق عبدالله الأستاذ في جامعة زايد في ورقة العمل التي قدمها للمؤتمر بعنوان "توجهات مصارف الأوقاف في عالم اليوم.. رؤية مقارنة" إن الصدقة شهدت على مر العصور تطوراً ملحوظاً، حيث جرت العادة على أن تكون الصدقة ممارسة مؤقتة يقوم بها أفراد تجاه أفراد آخرين، ولكن التوجه الجديد الذي شهدناه هو أنه أصبح لهذه الصدقات مؤسسات تعنى بها، وتنظمها وفق قوانين وضوابط محددة، ومؤكداً أن ثقافة الوقف أتاحت تخصيص جزء من أموال أصحاب الثروات والمحسنين وأهل الخير لدعم ذوي الحاجة على اختلاف أنواعهم.
وأشار الدكتور طارق عبدالله إلى أن الوقف شهد فترة تراجع إلا أن الملاحظ وجود عودة حالية لإحياء سنة الوقف، مستدركاً بقوله إن التوجه العام يسير نحو سد الحاجات الفردية، وبالتالي الخروج عن الفلسفة الجوهرية للوقف، والتي تركز بشكل أساسي على النفع العام والدائم.
وشدد عبد الله على ضرورة إدراج العمل الوقفي ضمن المناهج التعليمية، وتأهيل كوادر المؤسسات الوقفية وتزويدها بالمهارات والمعرفة للارتقاء بها إلى أفضل الممارسات في مجال العمل الوقفي، والاهتمام بالجانب العملي من هذا العمل في الجامعات، مضيفاً إن جامعة زايد تشهد حالياً مناقشة أول رسالة ماجستير في الوقف.
مبادرات جديدة
ومن جانبه قدم الدكتور أشرف محمد دوابة الأستاذ في جامعة الشارقة ورقة عمل سلط من خلالها الضوء على "الأسس الشرعية والاقتصادية للمصارف الوقفية"، مشيراً إلى أن الوقف عرف منذ عهد النبوة واتسم حينها بالتنوع والاتساع، بحيث كان يغطي جميع الجوانب والتفاصيل الحياتية للناس، ومؤكداً أن الوقف تعرض لظلم بيّن أدى إلى جمود مصارفه وفساد إدارته، "ولكن هناك مبادرات مباركة أحيت العمل الوقفي وجعلته يعود إلى فترة النمو والازدهار، ولا سيما في دولة الكويت التي تعد صاحبة السبق في هذا المجال".
وأكد الدكتور أشرف دوابة أن الإمارات شهدت نمواً وزيادة في عدد الواقفين والمبالغ الموقوفة في كل مجالات الوقف، مثل وقف الشؤون الإسلامية ووقف الصحة ووقف البر والتقوى وغيرها من أنواع الوقف.
مشاركة واسعة
شملت الدول المشاركة في مؤتمر دبي الدولي للأوقاف المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الكويت ودولة قطر، والجمهورية السورية والمملكة المغربية والجمهورية الجزائرية والمملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية الليبية والجمهورية السودانية ودولة فلسطين والجمهورية اللبنانية، والجمهورية التركية وجمهورية باكستان ودولة ماليزيا وإندونيسيا، والجمهورية الفرنسية والولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية النمساوية ونيوزيلندا وكندا والمملكة المتحدة وجمهورية جنوب إفريقيا وأستراليا وغيرها من الدول.
فضلاً عن ممثلي المؤسسات الدولية، كالبنك الإسلامي للتنمية بجدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المؤسسات الإسلامية والعربية والمحلية، إضافةً لمشاركة الأساتذة وطلبة الجامعات والكليات داخل الدولة. تجارب تاريخية للمصارف الوقفية
وفي الجلسة الثانية التي عقدت تحت عنوان "تجارب تاريخية ناجحة في واقع المصارف الوقفية"، استضافت نخبة من كبار الخبراء والمتخصصين في مختلف صنوف ومجالات العمل الوقفي، وهم عبلة سعيد عبد القادر المهتدي الأستاذة في الجامعة الأردنية التي قدمت ورقة عمل حول "المصارف الوقفية على الموقوف عليهم "تكية خاصكي سلطان في القدس"، مؤكدة على الأركان الأساسية للأوقاف على اختلاف أنواعها، وهي الوقف وعين الوقف والموقوف عليهم وشروط الوقف.
وركزت المهتدي على شروط الوقف وهي التي تحدد جهة المصارف على الموقوف عليه، وقالت إنه إذا كانت الشروط جيدة فإنها تؤدي إلى نمو الوقف، وأما إذا كان العكس فيؤدي ذلك إلى اندثاره، و"من هنا تأتي أهمية تحديد شروط دقيقة وواضحة للوقف مع ضرورة الالتزام بها".
وأوردت المهتدي نموذج "تكية خاصكي سلطان في القدس" كمثال على العمل الوقفي المنظم ووفق شروط محددة، مشيرة إلى أن مجال عمل "التكية" لم يقتصر على القدس فقط بل امتد إلى العديد من المدن الأخرى في العهد العثماني.
وبينت أن "التكية" نجحت في وضع أسس ومعايير شاملة ومنظمة للعمل الوقفي في ذلك الزمن، بما في ذلك على سبيل المثال تحديد شروط الوظائف وتقديم الأطعمة وصناعة الوجبات التي تقدم في مختلف المناسبات.
من جانبه قدم الدكتور إسماعيل إسوب مونشري أحد المتطوعين بمؤسسة أوقاف جنوب إفريقيا ورقة بعنوان "مؤسسات المجتمع المحلي والأوقاف .. نموذج جديد للأعمال الوقفية" ابتدأها باقتباس لنيلسون مانديلا الذي قال: "إن الأعمال الخيرية ليست دلالة على العطف وإنما العدالة الاجتماعية"، لافتاً إلى أنه في حين تشهد إفريقيا مستويات متفاوتة من الغنى والفقر، فإن العمل الوقفي جعل من الممكن التحكم بكيفية إنفاق أموال الأغنياء على الفقراء.
وقال إن الفجوة بين الفقراء والأغنياء في إفريقيا لا تزال في اتساع رغم المبادرات الحكومية والأنشطة الخيرية للشركات الخاصة، بسبب أن العمل الخيري يقتصر على تقديم المساعدات المباشرة من الأغنياء إلى الفقراء، وبالتالي يبقى الغني غنياً والفقير فقيراً.
وأكد إسماعيل أن القرآن الكريم حث أفراد المجتمع على العدالة الاجتماعية والمساواة في المجتمع وتوفير الفرص للذين هم أقل حظاً سواء من الأفراد أو العائلات للقضاء على الفقر.
مساعدة الأيتام
وقدمت راندي ديجلم الأستاذة بجامعة آيكس مارسيليا بفرنسا، ورقة عمل بعنوان "نظام الوقف الإسلامي، الحالة الفرنسية"، تطرقت خلالها إلى هيئة الإغاثة الإسلامية وما تبذله هذه الهيئة من جهود لدعم العمل الخيري، حيث استطاعت أن توجد نموذجاً جديداً للعمل الخيري، وقالت إن الهيئة حرصت على اختيار تسمية الوقف للتعبير عن شبكة الأنشطة الخيرية التي تقوم بها لكثير من الأسباب، أهمها المرونة التي تتيح الاستفادة من الوقف لدعم المحتاجين والمعوزين.
