استعرض سلطان بن بطي مدير دائرة الأراضي والأملاك في دبي تاريخ نشوء الدائرة، مشيراً إلى أنها إحدى أهم وأقدم المؤسسات الحكومية في الإمارة، وقال إن إسمها لم يكن على هذا النحو تاريخيا، فقد كان يطلق عليها "الطابو" وكانت تمتاز بأنها مجتمع يقصده الجميع من شعراء وأدباء فضلا عن أصحاب العقارات والمراجعين الذين كانوا معتادين على اللقاء تحت مظلة هذه الدائرة الحيوية التي مرت بمراحل عديدة إلى أن أوكلت مهمة إدارتها لسلطان بن بطي الذي بدأ عمله في دائرة الأراضي سنة 1986 وتدرج في المناصب.
جاء ذلك في محاضرة ألقاها بن بطي في مجلس جمال بن حويرب في مقره بمنطقة الجميرا بدبي وحضرها معالي الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي والمهندس حسين ناصر لوتاه مدير عام بلدية دبي وأحمد الجميري المدير العام الأسبق لدائرة الصحة بدبي وخالد راشد آل ثاني نائب الأمين العام في مؤسسة الأوقاف وشؤون القُصّر ومحمد حميد المري مساعد للمدير التنفيذي للشؤون الإدارية والمالية في مؤسسة محمد بن راشد للإسكان والأديب الشاعر محمد بن طوق.
استعرض بن بطي ، في هذه المحاضرة التي قدم لها الشاعر جمال بن حويرب، تاريخ نشوء الدائرة والحيثيات والضرورات التي دفعت باتجاه اتخاذ قرار تأسيسها موضحا أنها انطلقت في عملها من مقر خاص صغير ثم انتقلت غلى المبنى الثاني، وأنها جاءت استجابة لتوسع المدينة وضرورة تحديد الأملاك العامة وتمييزها عن الأملاك الخاصة من الأراضي فيها، وقال: "عندما أستعرض تاريخ الأراضي في دبي، كأني أستعرض جزءا مهما للغاية من تاريخ دبي نفسه"، منوها إلى أن عملية توثيق الأراضي والأملاك وكيفية تسجيلها وطريقة المبايعات مرت بمرحلتين قبل أن يتم انشاء الدائرة.
ضرورة
نوه بن بطي ، في بداية محاضرته ، إلى أن عملية امتلاك الأملاك وتسجيلها والمحافظة عليها موجودة منذ مئات السنين ومنذ أيام الصحابة رضي الله عنهم ، حيث ذكر بن بطي بأن أحد الورثة كان عليه ديون وقد أجيز له تسديد تلك الديون بقطعة أرض، ذلك أن الأرض كان لها مكانة وقيمة كبيرتين على مر التاريخ، فالناس يعيشون عليها ويأكلون من خيراتها فضلا عن أنها تتمتع بقيمة تجارية، الأمر الذي لا يختلف على الاطلاق في حالة أراضي دبي.
حيث أكد بن بطي أن مدينة دبي كانت صغيرة المساحة ولم تكن الحاجة تستدعي تسجيل وتوثيق الأراضي والعقارات، فكان الحاكم يقوم بهذه المهمة عن طريق وصف البيت وتحديد موقعه واتجاهاته وتسمية الشخص الذي يملكه وكان ذلك بمثابة عقد ملكية غير قابل للنقض، بمعنى آخر كانت الأراضي والبيوت معروفة للناس وكانت تلك المعرفة تكفي، وقد عرض بن بطي لصورة وقف عليها توقيع الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر كتب فيها الشيخ :" أعطيت أخي جمعة بن مكتوم الأرض" ويصف تلك الأرض وكان ذلك إشعارا كافيا لنقل ملكيتها.
وأكد بن بطي أن شيوخ إمارة دبي كالشيخ مكتوم بن حشر والشيخ بطي بن سهيل والشيخ سعيد كانوا جميعا يوثقون ملكية الأراضي والعقارات، وأن أول وثيقة متوفرة في الوقت الحالي تعود إلى عام 1900 وهي مصدقة من قبل الشيخ مكتوم بن حشر، لكنه أكد كذلك أن تلك الوثائق كانت تحفظ عند أصحابها ولم يكن هناك حاجة لحفظها في دائرة حكومية، لكن عندما اتسعت رقعة البلد وكبرت أنشأ الشيخ راشد بن سعيد في الخمسينات من القرن الماضي مكتب لتوثيق الأراضي ملحق بمحكمة دبي، في حين تولت المحكمة ختم وثائق الملكية، علما بأن التجار كانوا يوثقون عقودهم في المكتب البريطاني قبل هذه المرحلة.
وقد لاحظ الشيخ راشد بن سعيد تزايد الحاجة إلى توثيق ملكيات الأراضي عندما قرر المضي قدما في توسيع خور دبي، الأمر الذي ظهر معه اختلافات بين الناس دفعت باتجاه اتخاذ الشيخ سعيد قراره بإنشاء دائرة للأراضي ظهرت تحت مسمى لجنة شؤون الأراضي " الطابو" وذلك سنة 1960، التي تعني باللغة التركية سند الملكية واعتاد الناس في الكثير من البلدان العربية على استخدامها للإشارة إلى دائرة الأراضي، وقد ترأس تلك اللجنة الشيخ مكتوم بن راشد وكان مديرها أحمد آدم من السودان، الذي يعتبر أول بلد عربي أسس لسجل عقاري عربي.
توخي الدقة
وقال بن بطي إن الشيخ راشد كان يهدف من وراء هذه الخطوة إلى تحديد أملاك الحكومة وأملاك الشعب، لا سيما وأن أوراق" الطابو" القديمة لم تكن دقيقة تماما، وقد عين الشيخ راشد لأجل هذا الغرض مندوبين عنه وطلب من الناس إحضار شهود على ملكيتهم للأراضي سواء كانت تلك الأراضي زراعية أم سكنية، وكان محمد الدويس أحد المراقبين الذين عينهم الشيخ لمراقبة عملية المسح، كما عين خبراء مثل مطر بن درويش وعلي بن تميم وخميس بن مشحوم وبطي العيالي، الذي كان رئيس اللجة وكذلك سالم بن درويش وراشد يابس الراس، ومقابل هذه اللجنة كان المدعي يحضر شهوده للإدلاء بشهاداتهم حول أرض ما مختلف عليها.
كما أوضح مدير دائرة الأراضي في دبي أن دائرة الأراضي والأملاك كانت في البداية تستعين بمساحين من بلدية دبي التي كانت تلبي طلب الدائرة وتعيرها ما يلزمها من المساحين، الذين لم يعودوا قط إلى البلدية بعد أن تم ابقاؤهم هناك، مؤكدا أن الدائرة انتقلت ثلاث مرات إلى ثلاثة مبانٍ مختلفة أولها كان مكتبا صغيرا يعمل فيه مدير المكتب والعاملون فيه في مكان واحد وهذا المكتب كان يقع عند السوق ( بندر بن طالب)، الذي لم يعد موجودا في يومنا هذا، وبينما كانت اللجنة تجتمع وتستمع للشهود وتستقبل الطلبات وتقوم بحسم الخلافات، عين الشيخ راشد عددا من الخبراء .
وأصدر مرسوما بتاريخ 24 يناير 1960 بإنشاء الدائرة، وقد استقدم لإدارتها من السودان أحمد آدم الذي أمضى ثلاث سنوات مديرا لها ، أي من عام 1960 إلى عام 1963، ثم أسند منصبه إلى الراحل محمد التيجاني، الذي ظل على رأسها من عام 1963 وحتى عام 1997، وكان محمد التيجاني شديدا في عمله وقادرا على حسم القضايا الخلافية حتى أن الشاعر راشد يابس راس قال فيه شعرا لا يزال يتردد على ألسنة أهل دبي حتى يومنا هذا ، وكانت قوته تكمن في أنه كان صاحب قرار، مما مكنه من تأسيس الدائرة على أسس قوية.
التأسيس
عرض سلطان بن بطي صورة فوتوغرافية مهمة للغاية تظهر فيها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد لحظة تأسيس الدائرة، كما كشف النقاب عن عثور الدائرة على وثيقة تعود إلى عام 1963 وتتضمن نص قرار المغفور له الشيخ مكتوم تدل على حرصه على اللغة العربية وجاء فيها: "بما أن اسم الطابو اسم أعجمي، تم تغيير اسم الدائرة إلى دائرة الأراضي والأملاك"، وتم تداول الاسم الجديد في الدائرة الرسمية، بينما ظل الناس يستخدمون كلمة "الطابو"، إلى يومنا هذا، وقد أطلقت الدائرة حديثا على قاعدة بياناتها مسمى "الطابو" وكذلك مجلتها.
مسح الأراضي
ويوضح بن بطي أنه بعد فترة المسح التي تمت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، تم تحديد الأراضي الحكومية والخاصة، مما مهد الطريق إلى أن يستفيد الناس من هذه العملية من خلال عمليات البيع والشراء، فنما سوق العقار لا سيما مع ظهور النفط، لكن عام 1976 شهد حالة ركود في حركة البيع والشراء، في حين استمرت عملية مسح الأراضي إلى وقت لاحق.
ثم أمر الشيخ مكتوم بإعادة مسح الأراضي من جديد، وهذا أمر طبيعي إذا أخذنا في الاعتبار أن عملية تثبيت أملاك الناس ليست عملية سهلة، حتى أن بعض الدول لم تنجز إلا نسبة ضئيلة من هذه العملية، في حين أنجزت دبي مسح جميع أراضيها في وقت قياسي.
منهجية دائرة الأراضي كانت واضحة في كل جوانب عملها ونشاطها، وقد سارت الدائرة على هداها ولا تزال ، وقد أوقفت عام 2007 عملية المسح لأنها وصلت إلى نهايتها، وإذا عدت إلى عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد تجد حرصا على تنفيذ عملية التدقيق وإنشاء السجل العقاري، وقد نوه بن بطي إلى أن الدائرة تستطيع في الوقت الراهن رسم خرائط لشكل دبي في الخمسينات وما بعدها.
المبنى الثاني لدائرة أراضي دبي في الستينات يقع تماما في المكان الذي تشغله في الوقت الحالي مواقف بلدية دبي وهو مبنى حديث نسبيا وقد تم إلحاق مبنى آخر به، بينما تم في بداية السبعينات القرن الماضي تعيين الشيخ محمد بن خليفة آل مكتوم رئيسا لها.
كانت هيكلية الدائرة تتضمن محمد التيجاني مديرا للدائرة وخليفة الخلافي نائبا للمدير العام والشيخ عمر الماجد مساعدا للمدير العام وقد عين سلطان بن مجرن عام 1986 نائبا للمدير العام، في حين شغل برين أوليفر منصب رئيس المساحة.
كما أشار بن بطي إلى مصادفة غريبة في عالم الأراضي والعقارات، حيث أكد أن سوق العقار في دبي تشهد كل عشر سنوات تقريبا هبوطا، حدث ذلك عام 1977 و1988 و2008، منوها إلى أن هذه السوق تشهد حالة صعود في الوقت الحالي، لكنه أكد كذلك على حقيقة أنه لو استمر صعود سوق العقارات، لما كان هناك قدرة للتعامل معه، وكأن من طبيعة هذه السوق أن تصلح ذاتها بذاتها، فكلما شهدت صعودا كبيرا يحدث في المقابل هبوط من شأنه أن يعيد لها حالة من التوازن. تميز
تقدم الدائرة أكثر من 205 خدمات تتعلق بالمعاملات العقارية وأبرزها توثيق عمليات البيع والشراء وإصدار الملكية العقارية وتنظيم وتسجيل التصرفات كافة. وتعتمد على كوادر وطنية مؤهلة ومدربة على تقديم الخدمات وتسهيل الإجراءات للمتعاملين.
تقوم الدائرة بتنظيم السوق العقاري عبر ذراعها التنظيمي مؤسسة التنظيم العقاري والتي أنشئت عام 2007 حيث ساهمت في دعم استراتيجية الدائرة لتنظيم صناعة العقار وتوفير خدمات عقارية متميزة لعملائها.
وعرفت دائرة الأراضي والأملاك بأسلوبها الراقي في التعامل ومبدأ الشفافية الذي اتخذته أساسا في كل تعاملاتها، فاجتهدت في المجال العقاري حتى نالت سمعتها محلياً، حيث إنها نالت جائزة دبي للأداء الحكومي المتميز كأفضل دائرة حكومية في عام 2007 كحصاد لجهودها، الأولى في رضا العملاء لأربع سنوات متتالية والأولى في رضا الموظفين لثلاث سنوات.
سمّاك أصبح تاجراً
من بين أوائل الدلالين الذين بدأوا يتاجرون بالأراضي في دبي ناصر بن عبد اللطيف السركال ومحمد محمود الدلال وعبيد الحلو وسلطان الجلاف، الذي كان سماكا وتحول إلى دلال عن طريق الصدفة المحضة بعد أن قبض مبلغا من المال مقابل المساعدة على بيع أرض أحدهم، وحينها قال قولته الشهيرة: لم أجمع مبلغا مثل هذا طوال فترة عملي في صيد الأسماك".
تجمع للشعراء
كانت دائرة الأراضي تشهد تجمعا لمجموعة من الشعراء والأدباء من اصحاب العقار والدلالين وغيرهم من أمثال الشاعر راشد يابس راس والشاعر حمد بو شهاب والشاعر سامر الجمري والشاعر حميد النحو وغيرهم، وكانوا يتجمعون ويبيعون ويشترون ويستمعون في الوقت نفسه للأشعار والآداب والقصص وقد كان تجمعا فريدا من نوعه في العالم.
من بين الشعراء الذين كانوا يترددون على دائرة الأراضي حمد بو شهاب ومحمد المري وسالم الجمري وخادم بن طوق وحميد النحو وسلطان العمري وسيف النمري.
الكلمة الوثيقة
ومن الطرائف الأخرى التي رواها سلطان بن بطي وأكد عليها مدلولاتها حسين لوتاه والتي تشير إلى الثقة التي كانت قائمة بين الناس حين كانت كلمة الشخص تضاهي وثيقة، وتقول هذه الحكاية الطريفة أن أحد التجار كان جالسا وجاءه أحدهم وعرض عليه زيادة تقدر بنحو نصف مليون درهم مقابل أرضه، فرفض قائلا: "انتهى الأمر، لقد بعتها"، علما بأنه لم يكن قد وثق عملية البيع تلك.




