أدى تطور الرعاية الصحية في الدولة واكتشاف أدوية جديدة لبعض الأمراض ومنها مرض الثلاسيميا، بعدما كانت في السابق تعد من الأمراض الخطيرة التي يصعب على الانسان أن يعيش معها أكثر من عقد أو عقدين، ولكن مع الاكتشافات الجديدة للأدوية تحسنت نوعية ونمط حياة هؤلاء المرضى، وتحولوا إلى أشخاص منتجين وفاعلين، تزوجوا وأنجبوا ومنهم من وصل إلى مراتب قيادية عليا في المجتمع.

وأمضى العديد من مرضى الثلاسيميا سنوات في تقديم طلبات التوظيف، لم يتركوا معرضا للتوظيف إلا قصدوه ولا بابا إلا طرقوه ، منهم من فقد الأمل وتولدت لديه قناعة بأن طلبه قد وجد طريقه الى رفوف النسيان رغم استقطاب الجهات الحكومية سنويا لمئات الباحثين عن فرص العمل ممن هم اقل خبرة وكفاءة ، ومنهم من لجأ للبحث عن مصادر للتمويل تمكنه من قضاء احتياجاته واحتياجات أسرته.

كذلك فان خصوصية مصابي هذا المرض، تفرض تخفيض سن التقاعد لديهم، قياسا للفترة العمرية.

وهنا السؤال: هل يعقل ان يحدث ذلك في بلد تنص كل قوانينه وتشريعاته على حق مثل هؤلاء بالصحة والتعليم والعمل .

 

تجارب محزنة ومثال مضيء

أعداد مرضى الثلاسيميا الباحثين عن العمل ليست بالآلاف ولا حتى بالمئات، وانما لا يتجاوز عددهم 20 شخصا وبالإمكان استيعابهم بجهة حكومية واحدة أو شركة صغيرة، كما فعلت "واحة الصحراء" التي تعد من الشركات الوطنية الرائدة في هذا المجال عندما قامت قبل سنوات بتشغيل 40 شخصا من ذوي الاعاقة ولم تتأثر نتائجها السنوية المالية، بل على العكس زاد نموها وارتفع دخلها نظرا لمساهمتها المجتمعية تجاه هذه الفئة .

المحظوظون من مرضى الثلاسيميا ممن وفقوا في الحصول على فرصة عمل أيضا، لهم مطالب لكنها من نوع مختلف فالبعض منهم يرى أن قانون التقاعد لمرضى الثلاسيميا وذوي الاعاقات الخاصة يجب اعادة النظر فيه ، ولا يمكن أن يعاملوا كمعاملة الأصحاء "علما بأن الأعمار بيد الله" ولكن بسبب ظروفهم الصحية قد يضطرون للتقاعد مبكرا، وبالتالي هم بحاجة إلى مصدر دخل ثابت يعينهم وأسرهم على العيش من دون الحاجة لطلب المساعدة من أحد .

 

ابداع

حامد عبد الرحمن درويش يعترف بأن وضعه الصحي يسمح له بالعمل في بعض الوظائف، شريطة أن يتم مراعاة وضعه الصحي حيث أنه يحتاج في بعض الأحيان إلى مراجعة الطبيب أو عملية نقل الدم ، ولكن بالمجمل مريض الثلاسيميا انسان منتج ولا يجب أن يعيش عالة على المجتمع، وإنما يجب توفير فرصة العمل له ، حتى لا يجد نفسه وحيدا بين أربعة جدران .

يقول درويش: للتعريف بالمرض وأسبابه وأعراضه عملت كتابا الكترونيا بطريقة سهلة وجاذبة لطلاب المدارس والكليات بطريقة مشوقة تجذب القارئ حتى ولو كانت عن المرض واستطعت من هذه الفكرة توفير مبالغ طائلة، وبالتالي هناك اعمال يمكن لمريض الثلاسيميا أن يقوم بها على أكمل وجه لو أعطيت له الفرصة .

يضيف أن هناك بعض الأمور الأخرى المتعلقة بمرضى الثلاسيميا، وهي أن سن التقاعد في الدولة غالبا ما تأتي بعد 30 أو 35 سنة ، وهذا جيد بالنسبة للناس الأصحاء ولكن مرضى الثلاسيميا وغيرهم يحتاجون إلى مدة أقل للتقاعد لأن المريض قد يتوفى مبكرا مع ايماننا التام بأن الأعمار بيد الله ، وفي حال لا قدر الله توفي الشخص مبكرا فيجب أن يكون لإبنائه راتب تقاعد يجنبهم الحاجة إلى الناس ، وبالتالي نتمنى من الجهات المعنية اعادة النظر في موضوع مرضى الثلاسيميا وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة في ما يتعلق بموضوع التقاعد .

 

يعيش على راتب زوجته

محمد ناصر يبلغ من العمر 30 سنة وهو متزوج، يبحث عن وظيفة منذ أربعة أشهر ويعيش على راتب زوجته، وضعه الصحي يسمح له بالعمل في الأعمال المكتبية وسبق أن عمل في أكثر من بنك، ولكن بسبب تغيبه المتكرر لعملية نقل الدم مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع ودخوله مستشفى دبي لإجراء عملية جراحية رفض البنك الاجازة وأخطره بانتهاء خدماته ، تقدم لجمعية الامارات للثلاسيميا للحصول على مساعدة ولكن تم رفض الطلب.

يقول ناصر: نحن نعيش على عملية نقل الدم وحياتنا تتوقف على ذلك ولا ندعي بأننا أسوياء كباقي البشر وهذا قدرنا ولا اعتراض، ولكن من غير المعقول أن نبقى عالة على أسرنا والمجتمع وإنما ينبغي توفير وظائف لنا تتماشى مع مؤهلاتنا العلمية وإمكانياتنا الجسدية .

 

دورات وشهادات

أمل بنت راشد مريضة ثلاسيميا أيضا، حاصلة على ثانوية عامة ودورة "اي سي دي ال " ودوره في اللغة الانجليزية، عملت في العديد من الاماكن للتدريب والحصول على الخبرة وأحيانا في الأعمال التطوعية كما عملت في تخليص المعاملات في احدى البلديات، وأخيرا قدمت لإحدى الوزارات للعمل في السجلات الطبية ولكنها ما زالت تنتظر وتخشى أن يحصل ما حصل في السابق .

تقول أمل: مع تقدم الرعاية الصحية في الدولة والاهتمام والرعاية الخاصة بمرضى الثلاسيميا، أصبح المرضى حاليا يعيشون عصرهم الذهبي ، وبدلا من استخدام أجهزة الـ"دسفورال" لتخليص الجسم من الحديد أصبح هناك أدوية تؤخذ عن طريق الفم ، وهذا الدواء أحدث نقلة نوعية لمرضى الثلاسيميا وتحسنت أوضاعهم الصحية وجنبتهم معاناتهم اليومية مع المرض ، لدرجة أصبح مريض الثلاسيميا انسانا عاديا يمكن أن يعمل ويتزوج وينجب .

واستطردت قائلة : الامارات بقيادتها الرشيدة وفرت كل سبل الحياة الكريمة للمواطنين والمقيمين، وكذلك الجهات الصحية في الدولة وعلى رأسها هيئة الصحة في دبي وفرت أغلى أنواع الأدوية للمرضى بغض النظر عن جنسياتهم ، مشيرة إلى أن دواء "أكسجيد" الذي يؤخذ عن طريق الفم يعتبر من أغلى أنواع الأدوية والغرام الواحد يصل سعره إلى نحو 43 دولارا ، وبالتالي نتمنى على الجهات الحكومية مساعدتنا في الحصول على الوظائف المناسبة حتى نشعر بأننا منتجون وطبيعيون، ونرد شيئا ولو بسيطا من الجميل والرعاية التي تحيطنا بها الدولة .

قصص تروي قهر الارادة للمرض وشق طريق النجاح في الحياة

جمال حسين الحمادي يبلغ من العمر 29 عاماً متزوج وأب لولدين وحاصل على شهادة بكالوريوس في العلاقات العامة وعضو مجلس ادارة جمعية الامارات للثلاسيميا، عمل في قسم كبار الشخصيات في مطار دبي الدولي لمدة ثلاث سنوات، بعدها تغير المدير وتم نقله إلى قسم آخر دون تغيير المسمى الوظيفي ولم يحصل على ترقية من تاريخ التعيين، ولكنه عندما يرى غيره من الباحثين عن عمل، يحمد الله .

 

سعيد العوضي انتصر على المرض

سعيد العوضي متزوج وله ولدان، قهر بإرادته المرض ووصل بالانتخاب إلى مجلس ادارة الرابطة العالمية للثلاسيميا، كما يشغل منصب المدير المالي لجمعية الامارات للثلاسيميا.

يشدد العوضي على ضرورة توفير فرص العمل المناسبة لمرضى الثلاسيميا بدلا من الزج بهم إلى المجهول او الحكم عليهم بالموت البطيء ، ويضيف: ماذا نتوقع من رب أسرة قادر على العمل واعاله أسرته ولكنه لا يجد الفرصة المناسبة للعمل رغم وجود عشرات الوزارات والدوائر المحلية وآلاف الشركات الخاصة.

وقد اجتمعت مع العديد من مديري الدوائر والمؤسسات الحكومية بصفتي عضوا لمجلس ادارة جمعية الامارات للثلاسيميا، وعرضت عليهم بأن تقوم الجمعية بتأهيل وتدريب المرضى وادخالهم الدورات المطلوبة ليشغلوا الوظائف الشاغرة في دوائرهم، ولكن الأهم من هذا أن يعملوا في مجال خبرتهم وعملهم فهناك العديد من الجهات الحكومية المعنية بالثلاسيميا كمراكز الثلاسيميا أو الجمعيات المشرفة عليهم .

يلفت العوضي الانتباه الى أنه في جمعيات الثلاسيميا العالمية نجد مثلا جميع العاملين في الجمعيات هم من مرضى الثلاسيميا لأنه المكان الانسب لهم ، للعمل على نشر التوعية والأخذ بيد المرضى الآخرين ، أما أن يبقوا من دون عمل فهذا غير مقبول خاصة في دولة الامارات، وأثناء زيارتنا المتكررة لعدد من جمعيات الثلاسيميا حول العالم لمسنا هذا عن قرب وبالأخص جمعية الثلاسيميا في المملكة المتحدة .

حيث تحدث إلينا جورج غوستانتينو وهو مريض ثلاسيميا ويشغل منصب رئيس الجمعية قائلا بأن خير من يعمل في هذا المجال هو المريض نفسه بدلا من أن يكون ولي أمره أو أي شخص أخر، فخبرته عن الثلاسيميا قد تساوي عمره الحالي. ينوه العوضي بأن القيادة الرشيدة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وأخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد.

والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قد أولوا مرضى الثلاسيميا جل اهتمامهم ووضعوهم في مقدمة أولوياتهم، وكان هذا واضحا في الأسابيع الماضية عندما تعرضت المراكز لنقص حاد في الدم، حينها بادر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ، برفقة سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي للتبرع بالدم لصالح مرضى الثلاسيميا، وبادرت الشيخة شيخة بنت سيف آل نهيان عضو الرابطة الدولية للثلاسيميا رئيسة جمعية الامارات للثلاسيميا للتبرع، وهذا ان دل على شيء فانه يدل على التفاف القادة والمسؤولين حول هذه الفئة من المجتمع، ومن هنا و بصفتي أولا مريضا بالثلاسيميا وثانيا مسؤولا في هذا المجال أتقدم بالشكر الجزيل لأصحاب السمو الشيوخ على تبرعهم لي وللآخرين.

كما أشكر كل من تبرع لي بالدم طوال سنين عمري حتى وصلت لما أنا فيه اليوم. أما عن مطالبات أخواني المرضى بالوظائف أو أي نوع من المساعدات الأخرى فنحن في جمعية الامارات للثلاسيميا، وبتعليمات من الشيخة شيخة بنت سيف آل نهيان رئيسة الجمعية ندرس جميع الحالات المقدمة بكل دقة، حتى نتمكن من تقديم العون لهم بأسرع وقت ممكن، وبخصوص الوظائف أنا على يقين بأن الدوائر و المؤسسات ستلبي النداء، وهذا ما عهدناه من أصحاب المناصب القيادية في بلد بناه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وعن المطالبات بتخفيض سن التقاعد لمرضى الثلاسيميا، قال: بالفعل نتمنى من الجهات المعنية اعادة النظر في سن التقاعد لأن مريض الثلاسيميا قد لا يعيش إلى عمر الستين. ومع ايماني التام بقضاء الله و قدره يجب أن تكون مدة التقاعد لمرضى الثلاسيميا وغيرهم من ذوي الاحتياجات نصف المدة ، كأن تكون مثلا 10 أو 15 سنة خدمة لا 30 سنة كما هو معمول به، حتى إذا ما توفي المريض يكون هناك دخل ثابت للأسرة من راتبه التقاعدي . 50 % من مرضى الثلاسيميا نتاج زواج الأقارب

أوضح الدكتور عصام ضهير منسق عام مركز الثلاسيميا، اختصاصي أمراض الدم الوراثية، أن أكثر من 50% من حالات الإصابة بمرض الثلاسيميا تأتي نتيجة الزواج من الأقارب، حيث إن هناك نوعين من الثلاسيميا، الأولى ويطلق عليها ألفا ثلاسيميا، وفيها يوجد الموروث المسؤول عن إنتاج مادة الألفا غلوبين على ألصبغي رقم 16. وتوجد منه أربع نسخ (أي أربع مورثات)، اثنتان منها موجودتان على ألصبغي رقم 16، الآتي من الأم، والاثنتان الأخريان موجودتان على ألصبغي رقم 16 القادم من الأب.

وأي خلل في هذه المورثات قد يسبب مشكلات صحية، حسب عدد المورثات المصابة بالطفرة، وإذا أصابت الطفرة مورثاً واحداً فقط، فإن الشخص لا يصاب بأي مشكلة صحية، وتسمى هذه الحالة بالألفا ثلاسيميا الساكنة، وفي العادة لا يعرف الشخص أنه حامل لموروث معطوب. وقد يصعب التعرف إلى هذه الحالة، حتى عند إجراء تحليل دم عادي، ( أي عدد الكريات الحمراء والهيموغلوبين)، ولا يمكن الكشف عنه إلا بعمل فحص لحركة المورثات مباشرة.

وأضاف، النوع الثاني هو البيتا ثلاسيميا، وهي التي تكثر لدى الزواج من الأقارب، وتعد من أخطر أنواع الثلاسيميا، ويسمى الموروث المسؤول عن إنتاج مادة ألبيتا غلوبين بموروث ألبيتا غلوبين، ويوجد على ألصبغي رقم 11، وتنقسم أيضاً إلى عدة أنواع، مثل الثلاسيميا الصغرى، وتحدث عند وجود موروث ألبيتا غلوبين سليماً، وآخر معطوباً، وفي هذه الحالة يسمى الشخص حاملاً للمرض (أو حامل لصفة ألبيتا ثلاسيميا)، ولا يعاني حامل صفة المرض من أي مشكلة صحية، إلا من فقر دم طفيف، ولا يحتاج إلى نقل دم، ولا يستجيب للعلاج بالحديد، بل يحذر من تناوله.

إلا إذا كان هناك نقص لمعدل الحديد في الدم. وحسب إحصائية منظمة الصحة العالمية فإن 3,8% من السكان في العالم هم من حاملي الثلاسيميا الصغرى، وفي دولة الإمارات هناك شخص واحد من كل 12 شخصاً حاملاً صفة ألبيتا ثلاسيميا، وقد يجمع الفرد صفة ألفا ثلاسيميا وبيتا ثلاسيميا الصغرى معاً، دون أن يؤدي إلى حالة مرضية.

وأوضح أن الثلاسيميا الكبرى، أو الشديدة، فتحدث عند وجود طفرة شديدة في كل من مورثتي ألبيتا غلوبين، فينتج عن ذلك نقص شديد في نسبة ألبيتا غلوبين، فينقص بذلك الهيموغلوبين إلى أقل من 7 غرامات لكل 100 ملليمتر، نتيجة لتكسر كريات الدم الحمراء خلال 30 يوماً، ويحتاج المريض لنقل دوري لكريات الدم الحمراء كل 3 إلى 4 أسابيع للمحافظة على نسبة عالية من الخضاب لكي ينمو الجسم بشكل طبيعي، ويمكن اكتشاف المرض خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل.

وهناك أيضاً الثلاسيميا المتوسطة، وهي نوع من أنواع الثلاسيميا الكبرى، وتحدث عند وجود طفرة خفيفة في مورثتي ألبيتا غلوبين ، فينتج عن ذلك نقص متوسط الشدة في كمية ألبيتا غلوبين المنتجة في الجسم، وتؤدي في هذه الحالة إلى نقص متوسط الشدة لمستوى الخضاب في الدم، فيتراوح في العادة بين 7 و10 غرامات لكل 100 ملليمتر.

وفي العادة لا يحتاج المريض لنقل دوري للدم، لكنه في بعض الحالات الخاصة، مثل الالتهابات الحادة وتأخر النمو والحمل وهشاشة العظام أو التغيرات الواضحة في عظام الوجه، فإنه قد يحتاج المريض إلى الدم وإشراف طبي بشكل منتظم، وتشكل الثلاسيميا المتوسط ما يقارب 10% من مرضى ألبيتا ثلاسيميا، وتظهر أعراضها خلال السنوات الأولى من عمْر المريض، مخبرياً تظهر علامات فقر الدم خلال السنوات الأولى من عمْر المريض من خلال فحص الدم الروتيني، وقد يتعرض المريض لبعض المشكلات الصحية، كضعف البنية، وتضخم الكبد والطحال، والإصابة باليرقان (اصفرار الجلد والعينين).