شاطئ البحر، الذي اتخذه عدد من الشباب ملاذاً آمناً بعيداً عن صخب الحياة، وكل ما هو عصري وحديث، وجدوا فيه ضالتهم التي أغنتهم عن التسكع غير المجدي «برأيهم» في الطرقات والمراكز التجارية إلا لحاجة فقط.. موضوع يتأرجح بين رغبة الشباب في الترويح عن أنفسهم واستغلال الطبيعة والبيئة التي تربوا فيها وارتبطت بها أرواحهم، وبين المسموح والممنوع ضمن القوانين التي تفرضها بلدية دبي كونها المسؤول المباشر عن تلك المناطق.
إلى هنا، لا تبدو القصة وكأنها تحوي همّاً أو تشكّل نقطة خلاف، إلا أن هؤلاء الشباب أحبوا البحر لدرجة جعلتهم يشترون (كرافانات) خاصة بهم ويضعونها على الشاطئ لأشهر عديدة للاستمتاع بالبحر طوال الوقت عوضاً عن نقلها بشكل أسبوعي للاستمتاع بها في إجازة نهاية الأسبوع، وهي المدة المحددة والمسموح بها من قبل البلدية، وهنا بداية الخيط.
البلدية ترى أن البحر ملك عام للجميع لا ملك هؤلاء الشباب فقط، والشباب يقولون: نحن من ضمن "الجميع" والبحر لنا أيضاً ويحق لنا الاستمتاع به، مشيرين إلى أن طلب البلدية منهم إحضار" كرافاناتهم" ومعداتهم بشكل أسبوعي أمر مكلف ومتعب وغير ممكن عملياً.
«البيان» جمعت بين الطرفين المختلفين قبل الشروع في كتابة شكوى أحدهم دون الآخر، وفتحت الحوار على طاولة النقاش، لأربع ساعات كاملة، قضتها في الاستماع لرأي كل منهما، في ضيافة "شباب" البحر، الذين عرضوا علينا فور وصولنا كوباً من الشاي الحار، وسط الهواء البارد الذي شهدته البلاد خلال الأسبوع الماضي.
خلال الجلسة التي بدا فيها الشباب متحمساً كثيراً لإبداء آرائهم مدافعين بحماس واندفاع شديدين عن مكانهم بحجج لا تخلو من منطق أبداً، فيما جلس خالد بن سليطين رئيس مكتب الطوارئ البيئي في إدارة البيئة ببلدية دبي يرد على حججهم بمنطق آخر، إلا أن النهاية تؤكد أن الكرة الآن في ملعب البلدية.
انذارات
"خالد إنذار" هذا ما أطلقه الشباب القاطنون على البحر لقباً لخالد بن سليطين، فهم يعرفونه حق المعرفة، ويتواصلون معه عبر الهاتف باستمرار خاصة عندما تصلهم رسائل إنذار تفيد بضرورة إخلائهم للمكان، فما يكون منهم إلا أن يتصلوا به للتعبير عن اعتراضهم، ولا يلبث أن يواصل هو بدوره تهدئتهم، غير أن الغضب سرعان ما يعلو بمجرد وصول رسالة إنذار أخرى تطالبهم بالإخلاء، فيما يطلق "خالد إنذار" ضحكة عميقة على هذا اللقب الذي وصله وبات يعرفه تماماً، ويقول: (نحرص على مبدأ الشفافية في تعاملنا مع كافة الأطراف في بلدية دبي مهما كانت طبيعة المتعاملين، ولأجل ذلك لم أتردد لحظة في الاجتماع بالشباب وسماع آرائهم قبل تنفيذ القرار الذي وصلني، والذي يطلب مني تنفيذ أمر الإزالة خلال أسبوع على الأكثر).
عبدالله المري، حافظ على مكانه في تلك البقعة من شاطئ جبل علي طوال 7 سنوات، يمتلك (كرافاناً) مكوناً من غرفة مقسمة إلى قسمين، قسم منها للجلوس والآخر للمبيت، بالإضافة إلى المرافق الخاصة، تلفزيون كبير يعرض قناة "ناشيونال جيوغرافيك" وبرنامجاً عن الصيد البحري وأنواع الأسماك، علاّقة الملابس لا تخلو من ملابس الغطس وبعض المعدات الخاصة، كل المكان رغم بساطته الشديدة إلا أنه يوحي بالكثير من الحميمية ويجبرك على عدم المغادرة، بل يحثك على البقاء للاستمتاع بكل مغامرة بحرية يتحدث عنها سكان الشاطئ.
في الخارج بضعة كراسي، ومولد كهرباء، وموصلات لضوء خارجي لأوقات الليل، وأمام (الكرافان) قارب صغير يستخدمه وأصدقاؤه لصيد السمك، ودراجة مائية، في الخلف يجلس العامل المخصص للإشراف على نظافة المكان من الداخل والخارج أيضاً، فقوانين النظافة صارمة لا جدال فيها فيما بين كافة الشباب المتواجدين على البحر، إضافة لفرضهم قوانين نظافة على زوار البحر الذين يفدون بالمئات في نهاية الأسبوع، فيوزعون عليهم الأكياس المخصصة للقمامة ويطلبون منهم ترك الأماكن نظيفة كما وجدوها.
ممارسة الهوايات
"كرافانه" لا يختلف كثيراً عن البقية المصطفة على الشاطئ، أغلبها متشابه في الشكل والمضمون، والكل يعرف بعضه دون استثناء وكأنهم عائلة واحدة، وغالباً ما يتناولون وجباتهم سوية، محولين صيدهم اليومي، إلى وليمة جماعية.
يقول المري متسائلاً: (أين يمكن لشباب في مثل عمرنا ممارسة هواياتهم، التسكع في المراكز التجارية لغير حاجة لا يمتعنا، والبر منعوه عنا بحجة التصاريح وغيرها، فأين يذهب شباب مثلنا في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن حماية الشباب من الفراغ وتوجيههم نحو الرياضات المفيدة، والانتفاع بأوقاتهم).
وأوضح أنه طوال تلك السنوات كان يجلس لبضعة شهور وما ان يتم إنذاره حتى يحمل أغراضه، ثم يعاود بعدها بفترة وهكذا إلى أن تعب وقرر البقاء، مشيراً إلى أن نقل (الكرافان) والقارب والمولد الكهربائي وكافة المستلزمات مرتين أسبوعياً "ذهاباً وإياباً" ليس بالأمر الهين، لذلك قرر البقاء من باب تسهيل الأمر على نفسه لا من باب معاندة القوانين على الإطلاق.
وأشار إلى أن كل الدول المتقدمة مثل أميركا وألمانيا على سبيل المثال لديها مجمعات خاصة على الشواطئ يسمح من خلالها البقاء في (الكرافانات) مقابل دفع إيجار، ويكون إيجار الصف الأول الواقع مباشرة على الشاطئ أغلى سعراً من الثاني ثم الثالث وهكذا، إضافة إلى نقاط بيع للمأكولات والمشروبات والاحتياجات اليومية البسيطة، مما يعد مصدر دخل ثانياً للبلدية، ويكون بمثابة متنزه يضاف إلى أماكن التنزه الأخرى في الإمارة، على أن يكون محكوماً بقوانين تمنع الصيد الجائر أو استخدام الشباك والأدوات المحظورة، ويوفر الأمان للموجودين.
وأضاف: (لا نطالب بشيء مجاني،لا نريد المجان في أي شيء، نحن على استعداد لدفع المبالغ والرسوم المطلوبة ونتعهد بإبقاء المكان نظيفاً كما ترونه الآن غاية في النظافة لا يشوبه شيء، فهو في النهاية مكاننا ونهتم به وكأنه بيتنا، وأنا اخصص 3 عمال للنظافة ادفع لهم من حسابي الخاص فقط ليشرفوا على نظافة المكان طوال الوقت، ولدي دراسة كاملة حول المشروع يمكنني تقديمها للبلدية أو للجهة المعنية، والدراسة تؤكد الفائدة العائدة من مشروع كهذا، وان كانت الأرض مخصصة لمشروع ما فلا نظن أن 300 متر ستؤثر على أي مشروع، كما أننا على استعداد ليتم نقلنا إلى أي شاطئ آخر غير مخصص لأي من المشاريع، المهم أن يتوفر لنا مكان على الشاطئ).
وأكد أنه يصرف شهرياً ما مقداره 8 آلاف درهم، تصل أحياناً حسب المواسم إلى 15 ألف درهم، رغم أن سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية يوفر لهم المياه العذبة بمكرمة شخصية من سموه، مبيناً أنه لو استفادت الإمارة من هذا المبلغ الذي يصرف مثله كافة القاطنين على الشاطئ فستحصل على متنزه يعود بالنفع على الطرفين.
وقال منصور إبراهيم حسين، مقيم أيضاً على الشاطئ من سبع سنوات، ما بين ذهاب وعودة، وهو المتخصص في تصليح الكهربائيات والأعطال الطارئة عن كافة (الكرافانات) والمولدات التابعة لها أو أية أجهزة أخرى، وبالمجان أيضاً، «نحن كلنا على قلب واحد» هكذا يؤكد منصور بمعنى أن كافة الموجودين في ما يقارب الـ 40 (كرافاناً) هم أصدقاء ومتعاونون في كل الظروف، حتى لو كان صوت الموسيقى مرتفعاً في الليل من احد (الكرافانات) أو الساهرين على الشاطئ، فإن مكالمة واحدة بين الطرفين تحل الموضوع بكل ود وتفهم، مؤكداً انه لم يسبق أن حدثت مشكلة أو سوء تفاهم أو عراك أو ما شابه ذلك.
عدم الازعاج
يشاركه الرأي صديقه يوسف الخياط، الذي أكد أن وجودهم على الشاطئ لم يسبب الأذى لأحد، ولم يزعج حتى القاطنين على مقربة منهم في فندق جبل علي، وأضاف: (الأمر الوحيد الممنوع الذي نقوم به ونعترف أننا نفعله مضطرين هو إحضار الكلاب، فمثل هذا الأمر تمنعه البلدية خوفاً على الناس من أن تتأذى منها، لكننا نضطر لإحضارها لأجل حراسة المكان، فكل منا يتجه إلى عمله أو إلى جامعته أو أي مكان آخر ويظل المكان عرضة للسرقة ولطالما حدثت مثل هذه الأمور، فلو أغلقنا الباب على (الكرافان) إلا أن المولدات في الخارج وغيرها من الأثاث المستخدم يومياً، فلا نجد لنا سبيلاً لحمايتها سوى الكلاب).
حمد الدويس لا يستطيع هو الآخر الاستغناء عن المكان، مؤكداً انه لا بديل أجمل من الطبيعة وممارسة الرياضة بعد يوم عمل طويل، لكن الإنذارات المتتالية تعكر صفو استقرارهم في المكان الذي يعتبرونه متنفسهم الوحيد في الحياة، على الرغم من أن وجودهم لا يؤذي أحداً ولا يتسبب بإزعاج احد،
وطالب بمنحهم تصريحاً واحداً لعام كامل، عوضاً عن الذهاب بشكل أسبوعي للحصول كل مرة على تصريح لمدة يومين ما يوفر الوقت والجهد على الطرفين، إذا ما لم توافق البلدية على بقائهم، مشيراً إلى أنه ليس من المنطق الذهاب أسبوعياً لإحضار تصريح ليومين.
وأضاف: «هذه مناطقنا التي تربينا فيها ونشأنا، وبقينا فيها سنوات طويلة، لا يمكننا الانفصال عنها" هكذا يؤكد خالد جمال الدويس الذي لا يكتفي فقط بالاستمتاع وحده بالطبيعة، بل يؤكد أن المكان مناسب أيضاً للعائلات، حيث يحضر أبناءه وأهله للاستمتاع خاصة في أيام نهاية الأسبوع.
البلدية تدرس الأمر
ووعد خالد بن سليطين الذي استمع لكل اقتراحات الشباب ومطالبهم، وعد بنقلها إلى مكتب المدير العام للنظر فيها، وعدم تطبيق إجراء الإزالة المطلوب منه خلال أسبوع من الآن، قبل تقديم مقترحاتهم للمهندس حسين ناصر لوتاه مدير عام بلدية دبي للنظر فيها.
وحول أسباب رغبة البلدية في إزالة هذه (الكرافانات) رغم أنها لا تزعج أحداً كما أفاد أصحابها، أشار إلى أن الشاطئ ليس ملكاً لأحد، إنما هو مفتوح لكل محبي الشواطئ والرياضات البحرية، لافتاً إلى أن البعض منهم يتسبب بالإزعاج من خلال مكبرات الصوت والأغاني خاصة في الليل.
وأضاف: «المسألة ليست مسألة نظافة فقط، فوجود (الكرافان) بحد ذاته يعد مخالفة، فهم لا يسمحون للآخرين بممارسة هواياتهم، في البداية تعاطفت البلدية معهم ومع هواياتهم، إلا أنهم تمادوا وأطالوا مدة بقائهم، فبات من الصعب حتى على الآليات التي تقوم يومياً بغربلة الرمل ومعالجته من أية شوائب، لم تعد قادرة على ممارسة أعمالها المعتادة، إضافة إلى تركهم لبقايا الفحم على الرمل).
كما أشار إلى ورود شكاوى للبلدية من إزعاج المتواجدين على الشاطئ خاصة في الليل، مؤكداً أن بإمكان البلدية توجيه مخالفات لهؤلاء الأشخاص، لكنها لا ترغب في اتخاذ مثل هذا الإجراء، بل هي تحرص على تحفيز الشباب على مواصلة هواياتهم لكن من خلال التعاون بين الطرفين.
وقال: إن البلدية تمنح الراغبين في التخييم أو البقاء على الشاطئ تصريحاً مجانياً لمدة يومين لا أكثر، إلا أن البعض لا يكتفي بذلك بحجة صعوبة نقل المعدات أسبوعياً. ووعد في النهاية بنقل مقترحاتهم للإدارة العليا في البلدية، تاركاً الحل النهائي لهذه المشكلة بيد البلدية، وستكشف الأيام المقبلة نتائجه، إما من خلال الإزالة، أو الوصول لنقطة وسط بين الطرفين.


