استهدف البحث الميداني الذي أنجز على أسس ريادية تجريبية في أربعة أقطار عربية (الأردن والإمارات والمغرب واليمن)، استكشاف المهارات التي يمتلكها التلاميذ، والقيم التي يتحلّون بها، والبيئات التمكينيّة المحيطة بهم، وهي المحاور الثلاثة التي ضبطها تقرير المعرفة العربي الثاني، كركائز أساسية لإعداد الناشئة لمجتمع المعرفة. وأنجزت جميع المسوح الميدانية بالتعاون والتنسيق مع الجهات الشكلية المعنية في هذه الدول.

ووفقاً لهذا النموذج المفاهيمي، تمّت مقاربة هذه الموضوعات عبر طرفين رئيسيين:

التلاميذ بالدرجة الأولى، باعتبارهم الفئة المغذّية للكتلة الحرجة التي يتطلبها مجتمع المعرفة. والمدرسون باعتبارهم الطرف المسؤول المباشر عن تعليم النشء وإعداد تلك الكتلة الحرجة. ولتوفير رؤية أوسع حول القضايا المستهدفة بالبحث شملت عملية الاستقصاء كذلك مجموعات من المفكرين وأصحاب الرأي المعنيين بشأن إعداد النشء، تمّ اللقاء بهم في ورشات عمل في الدول المعنية.

 

أولًا: نتائج مهارات التلاميذ:

المهارات المعرفية: الفجوة الأكبر والضعف العام لدى النشء!

تم قياس المهارات المعرفية عبر أربع مهارات معرفية فرعية، وهي مهارة البحث عن المعلومات، ومهارة حل المشكلات، ومهارة استخدام التكنولوجيا، ومهارة التواصل الكتابي.

وبالنظر إلى المهارات المعرفية مفصّلة، نجد أن مهارة البحث عن المعلومات تعاني ضعفاً كبيراً، حيث عجزت الأغلبية الساحقة من التلاميذ المختبَرين عن بلوغ الدرجة الوسطى، أي 12.5 من 25، فقد تراوحت متوسطات البلدان المشاركة بين 9.37 في اليمن، و10.53 في المغرب، وتوقف المتوسط العام في حدود 9.88 من 25. وبالنسبة لمهارة التواصل الكتابي، لم يتعدّ متوسط العينة الكلية 5.12، كاشفاً عن ضعف كبير في القدرات الكتابية.

ولا يختلف وضع مهارة حل المشكلات عن سابقتها، إذ كشفت النتائج عن تدنّي قدرة التلاميذ المشاركين على التعامل مع الوضعيات التي تنطوي على مشكل مستمدّ من الحياة اليومية. فقد تراوحت المتوسطات بين 5.89 في اليمن، و8.09 في المغرب، ولم يتجاوز المتوسط العام 6.66 من 25، مؤكّداً وجود صعوبات لدى التلاميذ في فهم أبعاد مشكلة ما، وإجراء عمليات حسابية بسيطة والتفكير المنطقي في الحلول الممكنة.

أما بالنسبة لمهارة استخدام التكنولوجيا فكانت نتائجها أفضل من باقي المهارات المعرفية، ولكنها لم تصل إلى الحد الأدنى المطلوب لامتلاك تلك المهارة، حيث لم يتجاوز متوسط العينة الكلية 11 درجة، مع وجود فوارق بين البلدان المشاركة.

وتبعاً لذلك، استنتج واضعو التقرير أن المهارات تشترك في سمة الضعف، لكنها تتفاوت فيه، وذلك بالنسبة للعينة المجمّعة أو بالنسبة لكل بلد على حدة. وعلى هذا الأساس يمكن ترتيب هذه المهارات، بحسب امتلاك التلاميذ لها، كالآتي: مهارة استخدام التكنولوجيا أولًا، ومهارة البحث عن المعلومات ومعالجتها ثانياً، ومهارة حلّ المشكلات ثالثاً، ومهارة التواصل الكتابي رابعاً.

 ولا يبدو الأمر مستغرباً، بحكم إقبال الشباب المتزايد على استعمال التكنولوجيات الحديثة، على خلاف مهارة الكتابة التي باتت مهدّدة بسب انتشار أساليب ورموز تواصل لا تتطلب امتلاكاً للغة، ولا قدرة على تركيبها وتوليدها.

مستويات الجاهزية المعرفية

ووفقاً لمقياس الجاهزية المعتمد في التقرير، تركّز ما يقارب ثلثي العينة في مستوى بداية بناء الجاهزية، بينما لم يتوصّل أحد من التلاميذ المختبَرين إلى مستوى الجاهزية التامة في المهارات المعرفية.

كما نلاحـــظ أن أكثر من ربع العينة غير جاهز تماماً. وهذا يعني أن المقومات المعرفية لولوج مجتمع المعرفة لا تتوفّر لدى الغالبية العظمى من التلاميذ (91.9%).

ب - المهارات الوجدانية

تم قياسها عن طريق ثلاث مهارات وجدانية فرعية، هي مهارة معرفة الذات وتقديرها، ومهارة رعاية الدافعية للتعلم، ومهارة التخطيط للمستقبل. وقد تراوحت متوسطات درجات المهارات الوجدانية مجمعة بين 37.33 (في المغرب)، و43.17 (في الأردن)، مفضية إلى متوسط عام يساوي 40.41، وهي درجة تتجاوز الدرجة الوسطى (37.5 من 75)، مؤشرة إلى امتلاك التلاميذ المعنيين لحدّ أدنى من المهارات الوجدانية المستهدفة.

المهارات الوجدانية مجمّعة

وبالنظر إلى المهارات الوجدانية مفصلة نلاحظ أن متوسطات التلاميذ، بالنسبة لمهارة معرفة الذات وتقديرها، تكاد تبلغ الدرجة القصوى 25. وهذا يدلّ على وجود درجة عالية من الثقة بالنفس، وتصور إيجابي تجاه القدرات الذاتية. كما تقاربت متوسطات مهارة رعاية الدافعية للتعلم للتلاميذ في بلدان دراسة الحالة الأربع، متراوحة بين 18.58 و19.24، وبلغ المتوسط العام 18.86.

فالتلاميذ يجمعون بين تقدير الذات والحرص على التعلم والحصول على المعرفة، وهذا أمر مهمّ يُجمع أهل الاختصاص على تأثيره الإيجابي في استمرارية الجهود التعلمية والنجاح. أما بالنسبة لمهارة التخطيط للمستقبل، فلم يبلغ متوسط العينة الكلية في مهارة التخطيط للمستقبل الدرجة 5، مع وجود تشتت كبير بين التلاميذ، وهي درجة ضعيفة جدّاً وتعتبر من أضعف المهارات بصفه عامة لدى الطلاب.

هذا وقد أكّد التحليل الإحصائي دلالة الفروق بين المهارات الوجدانية المدروسة، خاصة بين مهارتي تقدير الذات والدافعية من جهة، ومهارة التخطيط للمستقبل من جهة أخرى، ويصحّ هذا على كل البلدان المشاركة في البحث.

وبالنظر إلى سُلَّم الجاهزية للمهارات الوجدانية مجمّعة، يتوزع التلاميذ على سُلّم الجاهزية بنسب متفاوتة جدّاً: فبينما يتركّز حوالي ثلثي العينة في فئة «طور الجاهزية»، نجد أقليتين في الطرفين، أقلية غير جاهزة، وأخرى أقل منها أهمية، حققت ما يخوّل اعتبارها جاهزة وجدانياً لولوج مجتمع المعرفة.

 

مستويات الجاهزية الوجدانية

ج - المهارات الاجتماعية:

تم قياسها عبر ثلاث مهارات فرعية، هي مهارة التواصل المباشر مع الآخرين، ومهارة العمل الجماعي، ومهارة المشاركة في الحياة العامة، على مقياس حده الأقصى 25 درجة. وقد تراوحت متوسطات درجات المهارات الاجتماعية مجمعة بين 36.39 و44.43، مفضية إلى متوسّط عام يقارب 39.5 من 75 درجة. وقد بلغ هذه الدرجة فما فوق 60.5% من مجموع التلاميذ، وهو ما يؤشر إلى امتلاك ما يقارب الثلثين الحد الأدنى أو أكثر من المهارات الاجتماعية.

وبالنظر إلى المهارات الاجتماعية مفصلة، بلغ المتوسط العام 17.10 من 25 في مهارة التواصل مع الآخرين، مع وجود تفاوت بين البلدان. لكن عموماً تفيد الإحصاءات أن أغلب التلاميذ يمتلكون هذه المهارة، على الأقل في حدّها الأدنى.

كما تفاوتت متوسطات البلدان في مهارة العمل الجماعي متراوحة بين 12.70 و15.36، بينما جاء المتوسط العام مساوياً 13.82، وهي درجة دون متوسط مهارة التواصل المباشر مع الآخرين، ما يدلّ على امتلاك نسبي لمهارة العمل الجماعي.

 

المهارات الاجتماعية مجمّعة

وفي مهارة المشاركة في الحياة العامة تراوحت متوسطات البلدان بين 11.57 و14.33، ولم يتجاوز المتوسط العام 13.50، مقترباً بذلك من متوسط مهارة العمل الجماعي. وهذه النتيجة تدلّ على وجود اهتمام نسبي (في حدود الدرجة الوسطى) بالمشاركة في الحياة العامة، لكن بقدر متفاوت بين البلدان، وحتى بين التلاميذ في البلد الواحد.

وقد يعود ذلك إلى العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة. وقد أظهرت عملية تحليل متوسطات المهارات الاجتماعية وجود فروق دالة إحصائياً بينها، مؤكّدة أسبقية مهارة التواصل المباشر مع الآخرين على مهارتي العمل الجماعي والمشاركة في الحياة العامة.

كما أظهرت النتائج أنّ نسبة الجاهزين، من حيث الــــمهارات الاجتماعية لولوج مجتمع المعرفة، لم تتجاوز ربع العينة في أحسن الحالات، بينما تركّز ما بين 40 و50 % في فئة «في طور الجاهزية». وهو توزيع أفضل من تـــــوزيع الجاهزية المعرفية، لكنه دون مســــتوى الجاهزية الوجدانية.

 

مستويات الجاهزية الاجتماعية

ويرى التحليل المُتضمن في التقرير أن تلاميذ العينة بدَو أكثر جاهزية في المهارات الاجتماعية والمهارات الوجدانية منها في المهارات المعرفية. وهنا يجدر التنبيه إلى نقطة منهجية مهمة قد تجعل عملية المقارنة نسبية: فالمهارات المعرفية هي نوع من الذكاء الأكاديمي الذي يمكن قياسه من خلال وضعيات اصطناعية، بينما تنتمي المهارات الوجدانية والاجتماعية إلى مجال الذكاء العملي الذي يستخدم في مواقف الحياة اليومية، وليس من السهل قياسه لعدم سهولة حصر مواقف الحياة و قياسها نظرياً، ما يضطر الباحثين لاستعمال الاستبيانات التي يمكن أن تخضع استجابات المستجوبين إلى مبدأ المرغوبية الاجتماعية أكثر منه إلى الواقع.

 

ثانياً: القيم

توافقاً مع المهارات تمّ استهداف أربعة أنواع من القيم، هي القيم المعرفية والوجدانية والاجتماعية والكونية، على مقياس حده الأدنى 1، وحده الأقصى 5. وبلغ متوسط درجات العينة الكلية 3.86 من 5، وهي درجة عالية تشير إلى حضور مهم للقيم لدى التلاميذ، بغضّ النظر عن انتمائهم القُطري.