دمج أطفال التوحد في المجتمع جدل غاب عنه الحل بين صناع القرار، إذ أبقى أطفاله بين مرارة الواقع وأمل المستقبل القريب، بمشاركة أقرانهم من الأطفال السليمين في اللعب والمرح والدراسة، حيث تشكل هذه المكونات بمضمونها قضية جدلية يفتحها مركز دبي للتوحد تاركاً الباب للنقاش والقرارات والنظر بعين المساواة في الحقوق والتغيير نحو مستقبل واعد لأطفالنا ذوي الإعاقة، داعيا بذات الوقت الوزارات والهيئات والدوائر المعنية إلى تفعيل القوانين ذات العلاقة بالدمج فيما يخص أطفال التوحد.

 

من الواقع

محمد جوهر البالغ من العمر اثني عشر عاما وملتحق بمركز دبي للتوحد، يجسد الواقع الذي يعانيه أقرانه من اطفال التوحد، بما يملكه من قدرات كبيرة تحتاج إلى من يرعاها فقط ليكون مع أطفال آخرين في المدرسة مثلا، تقول والدته: "شٌخص محمد باضطراب التوحد في عمر الثالثة ومنذ ذلك الحين ونحن نتلمس الطريق للوصول به إلى بر الامان وبالذات وهو مُشخص بالتوحد مع القدرات العالية التي تعني استعداد الطفل العقلي لتلقي العلوم الاكاديمية المختلفة مثل اقرانه العاديين، ولكن في ظروف بيئية مناسبة له.

وكل يوم يمر علينا نتأكد من قدراته المختلفة سواء في الحفظ أو التعلم أو اكتساب المهارات فنشعر بالاسى الشديد له ولمثل من كان في حالته لحرمانه من الدراسة في المدارس المختلفة اي (فكرة الدمج)، وذلك لغياب المدرسة المناسبة من حيث المنهج والهيئة المدربة للتعامل مع هؤلاء الاطفال، ولذلك اُناشد كل المسؤولين الذين في سلطتهم تشريع القوانين أو المبادرات أن يحاولوا أخذ الخطوات المناسبة من أجل اعطاء الامل لأهالي هؤلاء الاطفال بمستقبل افضل لفلذات اكبادهم".

 

أنواع الدمج

أصحاب الاختصاص يعيدون فكرة الدمج إلى أنواع، ملوحين إلى مسؤولية جهات المعنية حيال ذلك، محمد العمادي مدير عام مركز دبي للتوحد قال: تتمثل انواع الدمج حسب المرجعيات الادبية بالدمج المكاني والذي يعرف على انه اشتراك مؤسسة التربية الخاصة مع مدارس التربية العامة بالبناء المدرسي فقط بينما تكون لكل مدرسة خططها الدراسية الخاصة وأساليب تدريب وهيئة تعليمية خاصة بها ومن الممكن أن تكون الإدارة موحدة، أما الدمج التعليمي .

وهو إشراك الطلاب ذوي الإعاقة مع الطلاب العاديين في مدرسة واحدة تشرف عليها نفس الهيئة التعليمية وضمن البرنامج المدرسي مع وجود اختلاف في المناهج المعتمدة في بعض الأحيان، يتضمن البرنامج التعليمي صفا عاديا وصفا خاصا وغرفة مصادر، ويعرف الدمج الاجتماعي على انه التحاق الأطفال ذوي الإعاقة بالصفوف العامة في الأنشطة المدرسية المختلفة كالرحلات والرياضة وحصص الفن والموسيقى والأنشطة الاجتماعية الأخرى.

كما أن الدمج المجتمعي يعني إعطاء الفرص للأطفال ذوي الإعاقة للاندماج في مختلف أنشطة وفعاليات المجتمع وتسهيل مهمتهم في أن يصبحوا أعضاء فاعلين ويضمن لهم حق العمل باستقلالية وحرية التنقل والتمتع بكل ما هو متاح من خدمات مجتمعية.

وأكد العمادي أن أهمية طرح مثل هذا الموضوع تكمن في الحاجة إلى إيجاد مناهج موائمة لقدرات الأطفال المصابين بالتوحد واعتمادها من وزارة التربية والتعليم وموائمة طرق التقييم بما يتناسب وخصائص تلك الفئة من الإعاقة، فلقد فقد أولياء الأمور والأطفال الكثير من الفرص ولم تتح الفرصة لدمج أطفالهم لأسباب غير واضحة وغير منطقية.

وشدد العمادي على الدور الذي يجب أن تضطلع به وزارة التربية والتعليم ودعمها لمراكز التربية الخاصة في إيجاد واعتماد المنهاج المناسب أسوة بالمدارس الخاصة وتفعيل قبول المصابين بالتوحد في المدارس العامة والخاصة سواء في الفصول الملحة أو الفصول العادية سواء كان الدمج جزئياً او كلياً حسب قدرات الطفل وإمكاناته، كما لابد من تدريب معلمي المدارس النظامية على التعامل مع تلك الفئة من الإعاقة وتدريبهم على آليات موائمة المنهاج وأدوات التقييم حتى يتحقق الهدف المرجو ويستفاد من الدمج وحتى لا يكون الدمج شكلياً لا أكثر.

 

الدمج ومبرراته

ويرى العمادي أن الهدف الاساسي من دمج الاطفال غير العاديين مع اقرانهم العاديين انما هو التفاعل وكسب كثير من الخبرات من خلال الاحتكاك اليومي مع اقرانهم الامر الذي يؤدي الى التكيف الاجتماعي وإتاحة الفرص لجميع الأطفال ذوي الإعاقة للتعليم المتكافئ والمتساوي مع غيرهم من الأطفال للانخراط في الحياة العادية، وإتاحة الفرصة للأطفال العاديين للتعرف على الأطفال ذوي الإعاقة عن قرب وتقدير مشاكلهم ومساعدتهم على مواجهة متطلبات الحياة.

وخدمة الأطفال ذوي الاعاقة في بيئتهم المحلية والتخفيف من صعوبة انتقالهم إلى مؤسسات ومراكز بعيدة عن بيتهم وخارج أسرهم واستيعاب اكبر نسبة ممكنة من الأطفال ذوي الاعاقة الذين لا تتوفر لديهم فرص للتعليم وتعديل اتجاهات أفراد المجتمع وبالذات العاملين في المدارس العامة من مدراء ومدرسين وأولياء أمور والتقليل من الكلفة العالية لمراكز التربية المتخصصة.

 

شروط النجاح

في المقابل إذا ما تم الدمج فهناك شروط يجب مراعاتها بحسب العمادي، ويشرح ذلك قائلا: اهم شروط نجاح الدمج التخطيط الواعي الذي يهيئ الفرص المناسبة للتفاعل بين الاقران، فالدمج لا يعني مجرد وضع الاطفال ذوي الإعاقة والأطفال العاديين في المكان نفسه.

والدمج دون تخطيط مسبق قد يقود الى مشكلات وصعوبات وليس الى تحقيق الاهداف المرجوة وعند التخطيط لبرامج الدمج ينبغي مراعاة العوامل الاساسية ومنها نسبة الاطفال ذوي الإعاقة إلى الاطفال العاديين في الصف، ان وجهة النظر الاكثر قبولاً في الاوساط التربوية تتمثل في التعامل مع هذه القضية بمرونة اعتماداً على ظروف متعددة منها خصائص الاطفال ذوي الاعاقة وخصائص الاطفال العاديين ومستوى معرفة المعلمين وبوجه عام يجب الا يقتصر عدد الاطفال المدموجين على طفل واحد او طفلين فذلك قد يقود الى عزلهم ونبذهم ، ومستوى النمو وليس العمر الزمني.

وان العمر النمائي اكثر اهمية من العمر الزمني وعليه ينبغي دمج الاطفال ذوي الاعاقة مع اطفال عاديين اصغر منهم سناً فذلك يخفف التباين ويقلل الفروق بينهم والخبرات التعليمية الفردية والمخطط لها بعناية.

وان البرامج التعليمية الجيدة هي البرامج التي تراعي مواطن القوة والمواطن التي بحاجة للتنمية الموجودة لدى الطفل، فمراعاة هذه الخصائص النمائية تعمل بمثابة مفتاح للخبرات التعلمية والنمائية الملائمة والفعالة.

 

ايجابيات الدمج

وبين العمادي ان ايجابيات الدمج تتمثل في ازالة المسميات والتصنيفات لفئات ذوي الاعاقة مما يعطي حالة من الشعور بالمساواة والثقة بالنفس لذويهم، والتركيز على خدمة ذوي الاعاقة في بيئاتهم والتخفيف من الصعوبات التي يواجهونها سواء في التكيف والتفاعل والتنقل والحركة كما ان الدمج يساعد في استيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة وتخليص أسر الأفراد ذوي الاعاقة من الشعور بالذنب والإحباط وتعديل اتجاهات أفراد المجتمع وبالذات العاملين في المدارس العامة من مدراء مدارس ومدرسين وطلبة وأولياء أمور وذلك من خلال اكتشاف قدرات وإمكانيات الأطفال ذوي الاعاقة التي لم تتح لهم الظروف المناسبة للظهور.

 

سلبيات الدمج

وأشار العمادي الى ان الدمج سلاح ذو حدين فكما أن له إيجابيات كثيرة فإن له بعض السلبيات أيضا وهو قضية جدلية لها ما يساندها وما يعارضها ومن هذه السلبيات عدم توفر معلمين مؤهلين ومدربين جيدا في مجال التربية الخاصة في المدارس العادية قد يؤدي إلى إفشال برامج الدمج مهما تحققت له من إمكانيات كما ان الدمج قد يعمل على زيادة الفجوة بين الأطفال ذوي الاعاقة وباقي طلبة المدرسة خاصة أن المدارس العادية تعتمد على النجاح الأكاديمي والعلامات كمعيار أساسي وقد يكون وحيدا في الحكم على الطالب.

واستطرد قائلا إن دمج الأطفال ذوي الاعاقة في المدارس العادية قد يحرمهم من تفريد التعليم الذي كان متوافرا في مراكز التربية الخاصة وقد يؤدي الدمج إلى زيادة عزلة الطفل ذوي الاعاقة عن المجتمع المدرسي .

وخاصة عند تطبيق فكرة الدمج في الصفوف الخاصة أو غرف المصادر أو الدمج المكاني فقط، الأمر الذي يستدعي إيجاد برامج لا منهجية مشتركة بين الطلبة وباقي طلبة المدرسة العادية للتخفيف من العزلة وقد يساهم الدمج في تدعيم فكرة الفشل عند الأطفال ذوي الاعاقة وبالتالي التأثير على مستوى دافعيتهم نحو التعلم وتدعيم المفهوم السلبي عن الذات خاصة إذا كانت المتطلبات المدرسية تفوق المعوق وإمكانياته

 

الاتجاهات نحو الدمج

الدكتور محمد فتيحة رئيس وحدة النطق والتواصل في مركز دبي للتوحد قال: ضمن المراجعات الأدبية هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية نحو سياسة الدمج، الاول يعارض فكرة الدمج ويعتبرون تعليم الأطفال ذوي الإعاقة في مدارس خاصة بهم أكثر فعالية وأمنا وراحة لهم وهو يحقق أكبر فائدة، بينما يؤيد أصحاب الاتجاه الثاني فكرة الدمج لما لذلك من أثر في تعديل اتجاهات المجتمع والتخلص من عزل الأطفال والذي يسبب بالتالي إلحاق وصمة العجز والقصور والإعاقة وغيرها من الصفات السلبية التي قد يكون لها أثر على الطفل ذاته وطموحه ودافعيته أو على الأسرة أو المدرسة أو المجتمع بشكل عام.

ويرى أصحاب الاتجاه الثالث بأنه من المناسب المحايدة والاعتدال وبضرورة عدم تفضيل برنامج على آخر بل يرون أن هناك فئات ليس من السهل دمجها بل يفضل تقديم الخدمات الخاصة بهم من خلال مؤسسات خاصة وهذا الاتجاه يؤيد دمج الأطفال ذوي الإعاقات البسيطة أو المتوسطة في المدارس العادية ويعارض فكرة دمج الأطفال ذوي الإعاقات الشديدة جدا ومتعددي الإعاقات.

 

طيف التوحد

وأشار الدكتور فتيحة إلى أن صعوبة دمج بعض حالات التوحد تكمن في وجود بعض السلوكات المعيقة للعملية التعليمية، مثل السلوك النمطي، والعدوانية، والنشاط الزائد، ومحدودية التواصل اللفظي وغير اللفظي والتي قد تتعداه إلى عدم الرغبة في التواصل بشكل عام، ومحدودية التفاعل الاجتماعي مع مجموعة الطلبة في البيئة الصفية، كل هذه الخصائص أو بعضها يعتبر عائقاً من وجهة نظر المعلم العام وفي حال عدم وجود برنامج تربوي فردي أو معلم متخصص سوف يزداد الأمر تعقيداً.

إلا أن هناك بعض الحالات من الأطفال المصابين باضطرابات طيف التوحد من ذوي القدرات العالية يمكنهم الاستفادة من برامج التعليم العام والاندماج مع الأطفال الآخرين، وهناك بعض التجارب الناجحة في الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، وللأسف لم يحظ أطفالنا ذوو القدرات العالية من المصابين بالتوحد بمثل هذه الفرص.

 

المدرسة البيئة المثالية

سارة باقر رئيس وحدة خدمة المجتمع في مركز التوحد، قالت: على أهمية دمج الأطفال المصابين بالتوحد في المدارس العادية مشيرة الى ان المدرسة تعد البيئة الطبيعية التي يمكن للطفل المصاب بالتوحد والطفل الطبيعي التطور فيها على حد سواء بعد إجراء بعض التعديلات في البيئة المدرسية لتناسب احتياجات الطفل المصاب بالتوحد حيث يشكل الدمج وسيلة تعلم مرنة يمكننا من خلالها تطوير وتنويع الخدمات التربوية المقدمة للتلاميذ.

وأضافت: "يعمل الدمج على تطوير وزيادة التفاعل الاجتماعي لدى الطفل المصاب بالتوحد والتي تعتبر من احدى الصعوبات التي تواجه أطفال تلك الفئة من الإعاقة ويساعد الدمج على التخلص من المفاهيم الخاطئة لدى الأطفال الطبيعيين عن الإعاقة وإكساب الطفل المصاب بالتوحد خبرات متنوعة أكثر واقعية ، مشددة على ضرورة تكاتف الجهود فالوقت يمضي والحاجة ملحة لدمج تلك الفئة من الإعاقة والاستفادة من خبرات المراكز".

 

«ليو وسيف» طفلان في صورة أخرى للواقع

 

(ليو وسيف) طفلان مصابان بالتوحد التحقا بمركز دبي للتوحد حيث كانت قدراتهما السلوكية والأكاديمية لا تسمح بدمجها في المدارس النظامية في ذاك الوقت، ومنذ التحاقهما بالمركز قام معلمو التربية الخاصة والمختصين بالعمل على الحد من السلوكات غير المرغوبة التي تؤثر على العملية التعليمية وتوفير فرص اجتماعية تواصلية وتنمية المهارات الاكاديمية وذلك لتهيئة ليو وسيف للانضمام للمدارس النظامية، وفعلاً وبعد مدة من التدريب المكثف والعمل بروح الفريق الواحد وتعاون الاهل تم إلحاقهما في مدرسة نظامية أجنبية، حيث قام المختصون في المركز بتقييم قدرات (ليو) وتزويد الأسرة بشروط نجاح الدمج والعوامل التي تضمن ذلك.

وخلال رحلتها في البحث عن مدرسة نظامية توفر خدمات للاطفال المصابين بالتوحد كانت الاسرة على تواصل مستمر مع الكادر الفني في مركز دبي للتوحد، حتى تسنى لها ذلك، ليو الآن في مدرسة نظامية، يحصل على درجات عالية في بعض المواد الدراسية، يستمتع بيومه الدراسي، كما أتيحت الفرصة (لسيف) ليكون ضمن الطلبة النظاميين بعد أن قام المختصون في المركز بتهيئته بالشكل المناسب للالتحاق بمثل تلك المدارس.

مثل اي طفل عادي، طفل التوحد لديه نقاط قوة ونقاط اخرى تحتاج الكثير من الجهد والعمل على تحسينها وتفويتها، واخصائي التربية الخاصة هو من يكتشف نقاط القوة ويستند عليها لكي يعلم الطفل الكثير من المهارات ونقاط الضعف ليعمل على علاجها. يمتلك سيف روح منافسة قوية وملكات قيادية وبامكانه انجاز الكثير من المهمات في سبيل الفوز او البقاء في المقدمة، ومن هنا عمل الاخصائيون في المركز على تعزيز روح المنافسة والقيادة لديه بشكل ايجابي مما اعطاه ثقة بالنفس وحب المبادرة.

كما يمتلك سيف مهارات تقليد عالية تمكنه من التعلم عن طريق تقليد اقرانه، وقد عمل الاخصائيون على تعزيز هذه الملكة لديه لتساعده في الاندماج مع اقرانه في المدارس النظامية، بجانب نقاط القوة هذه فان سيف كان يجد صعوبة في العمل ضمن المجموعة واتباع التعليمات وهي من المهارات الاساسية للاندماج في المدارس النظامية ،وقد عمل الاخصائيون على تشجيعه للعمل ضمن المجموعة واتباع التعليمات بالتوجيه المستمر وتقديم المعززات المناسبة. وبالنسبة لليو فهو يحب الحيوانات كثيرا وخاصة الديناصورات وهي نقطة قوة، عمل الاخصائيون على تعزيزها حيث قاموا بتعليمه الكثير عن الكائنات الحية وتصنيفها.

كما ان ليو يحب اللعب وجذب انتباه الكبار وقد عمل الاخصائيون على تعليمه الكثير من المهارات عن طريق اللعب وكذلك عملوا على تعليمه كيفية جذب انتباه الاخرين بطريقة ايجابية من خلال اداء المهمات وانجاز المهارات وهو بدوره عامل جذب انتباه ايجابي وفعال، كان ليو يعاني من مشاكل حسية خاصة مشاكل حسية سمعية وذلك شأنه شأن الكثير من اطفال التوحد ،وكان ينزعج من اصوات زملائه في الصف ولكن عن طريق التكامل الحسي امكن التغلب على هذه المشكلة.