أجبر عدد من النساء بسبب الظروف المعيشية الصعبة على ممارسة مهن كانت محظورة عليها وبالذات إذا ما طرقن كل الأبواب ليحصلن على وظيفة تسد رمق حاجتهن، وعلى الرغم من أن الجنس الناعم الذي لا يليق به إلا أعمال معينة بدأ يعمل في مهن الرجال أو مهن يكثر فيها تواجد العنصر الذكوري، حيث تخلت بعض النساء في المهن التي اخترنها أو بالأحرى التي أجبرن على عملها عن ثوب الأنوثة ليرتدين ثياباً يستطعن بها مقاومة تقلبات الحياة رغم انتقاد المجتمع لهن.
(نادية، س) أو كما تكنى بـ «أم أحمد» من سكان مدينة دبا مسقط رأسها، وأم لخمسة أطفال أقعد زوجها العسكري لعجزه الطبي، فكانت بديلة لعينه التي فقدها في حادث مروري وكان كعقلها التي تستعين به. تجاوزت معه بعد الحادث مراحل البحث عن العلاج والحصول على أمل الشفاء يعينه على العمل في إيجاد سبيل الخلاص له ولعائلته. غير أنه لا يزال حبيس جدران البيت.
طريق النجاح
وتقول «أم أحمد» في تصوير مشاهد حياتها وحصولها على هذه الوظيفة:«ربما ظروفي أجبرتني للعمل في هذا الموقع لا أنكر ذلك، وبالأخص فإن شهادتي العلمية ثانوية عامة. وأنا سعيدة في العمل هنا رغم أنه جاء بمحض المصادفة، إلا إن ما أناله من تسهيلات إيجابية رائعة من قبل إداري الجمعية جعلني ارتاح فيه وأرغب في الاستمرار في العمل». مضيفة ، أنها عملت كمتطوعة (بوظيفة سكرتيرة ) في إحدى المدارس الخاصة بمدينة دبا الحصن وبقيت على رأس الوظيفة ما يقارب الأربع سنوات. وأثبت قدرة ممتازة في العمل ولكن اضطررت لتركه لعدم تثبيتها ولقلة ما تحصل عليه من مكافأة مادية لم تساعدها على الاستمرار فيه.
التواصل والاستقلالية
وبكل ثقة تمارس الشابة المواطنة ( نادية ) عملها على الرغم من نظرات الكثيرين لها. تخرج من الصباح الباكر حتى الثانية ظهراً لتذهب للعمل ) كسكرتيرة في جمعية صيادي الأسماك بدبا الفجيرة (عبر تسهيل الإجراءات واستخراج الرخص وأرشفة الملفات والتواصل مع الجهات، وتطور عملها لتصبح العين والعقل واليد المساعدة للصيادين وأغلبهم من كبار السن وهواة الصيد والبحر وأصحاب الرحلات البحرية والجهات المختصة كجمعيات الصيادين ووزارة البيئة والمياه.
تلك المهنة التي قررت بها أن تقتحم عالم الرجال، وتتعرف على أسرار مهنة لم تكن تعرف شيئا عنها بأحاديث وقصص تروى منذ سنين مضت ودردشات ومواضيع مستجدة تزخر بالكثير من التحديات الحالية لهذه المهنة. وأوضحت بقولها: " بالرغم من كوني زوجة وأم لأطفال إلا أنني أقوم على تنظيم حياتي بشكل منهجي وعلمي مدروس. أمنح العطف والحنان لأبنائي والاحترام لزوجي، وبنفس الوقت أمنح الصيادين وجميع الفئات التي أتعامل معهم بشكل مباشر وغير مباشر على حل الكثير من المشاكل والصعوبات التي يواجهونها ". وهو الأمر الذي يفرض على هؤلاء المتعاملين معها احترامها على حد وصفها - والذين أغلبهم من الرجال.
وتؤكد بأنه لم يخلُ عملها من بعض المواقف التي تصفها بالطريفة ولكنها تتعامل معها بشكل سلس بالرغم من أن وظيفتها لا تشمل الصيد أو القيام برحلة في البحر - كما يعتقده بعض الناس عنها -. منها أن شخصا سمع أن امرأة تعمل في هذا الموقع ولم يعجبه أبداً ذلك، فقرر أن يرى المرأة التي تعمل في هذا المجال، وبالفعل جاء والتقى بها وخرج من اللقاء مقتنعا بعملها.
نادية، تؤكد أنها كانت تبذل جهودا مضاعفة لتقنع من يعمل معها من الرجال وأيضا النساء رغم استغرابهم واستهجانهم بعض الأحيان، أنها ستنجح في هذا العمل، وذلك لأنها تكره الفشل، وأيضا لتحسن من دخلها، حيث إن راتبها - الذي لم تفصح عنه- لا يكفي لسد التزاماتها، وخصوصا وأن زوجها متقاعد ولا يعمل إلى الآن، ولكنه على الأقل يسد الحاجة وتفضل أن تعمل إضافيا لتزيد من دخلها.
بريق أمل
وتقول في ختام حديثها: " ربما هو شيء ليس غريباً أو مستغرباً أن تعمل المرأة في مجال يختص بالعنصر الرجالي فقط. بحيث يبقى العمل حالة من التواصل مع الحياة باختلاف الأهداف وهو الميدان الحقيقي لإظهار قدرة الإنسان على النجاح أو الفشل، والرضا عن نفسه ذكراً كان أو أنثى " .
وأضافت:" فالنجاحات عند البعض تقاس بالمرتبة الاجتماعية التي استطاع الوصول إليها أو بالمال الذي جمعه أو بأمور أخرى، غير أني ربما لا أرفض هذا المبدأ ولكني مقتنعة بوضعي الذي أجبرني على الخروج إلى العمل والتواصل للنجاح والوصول إلى ما أحلم به من تثبيت راتبي ليسد حاجتي ويساعدني على امتلاك منزل خاص بي يأويني أنا وزوجي وأطفالي بدلا من شقة الإيجار التي يتضاءل حجمها علينا عاما بعد آخر".
إشادة
أشاد سليمان الخديم رئيس لجنة الصيد والصيادين بالشرقية ورئيس جمعية صيادي الأسماك بدبا الفجيرة بالشابة «نادية» وجهودها الكبيرة وتفانيها بالعمل، لافتاً إلى ما أضفته من جوانب أنثوية في المكان الذي هو بحاجة إلى لمساتها ومساعدتها، وأثنى على جهودها في تحسين العمل وتطويره وتقبل التعامل مع جميع المتعاملين مع الجمعية والقبول بالراتب البسيط الذي يمنح لها. مشيرا إلى أنه يجد أن المرأة أقوى من الرجل خاصةً تلك المرأة التي تعمل وتصبو إلى نجاحها وأرى بأن هنالك متسعاً لذلك الطموح ولا مانع للمنافسة مع الرجال. ويكفي فخراً بأن " أم أحمد " هي المرأة الوحيدة التي تعمل مع صيادي المنطقة.
