"غليله" تاريخ خالد تختزنه الجبال وإرث أصيل تستحضره قرية زايد التراثية قرية "غليله" في رأس الخيمة لها ألف وجه ووجه عندما تستقبلك في ربوعها يمكنك أن تكتشف وجهها الذي تريده أو وجهها الذي تبحث عنه، فهي قرية تعطي لكل زائر حصته من روحها ووهجها، بينما تبقى خزائنها متجددة بكل ما هو جميل وجذاب.

وأنت تدلف إلى غليله، فأنت في حضرة التاريخ، جبال بنية اللون متقاربة الارتفاع وعرة المسالك يلفها الصمت وكأنها تقاسمت بالتساوي رصد مشاهد وأحداث مرت عبر عشرات القرون، وسهول خضر تفيأت في ظلال قامات سنابلها وأشجارها روايات المؤرخين القدماء والمحدثين الذين زرعوا أوديتها وضواحيها.

وأعطى وادي غليله المشهور باتساعه وخصوبة تربته ووفرة مياهه ميزة لإنسان تلك الأرض أن يستقر على جوانبه وأن يمتهن زراعة الشعير والمحاصيل.

 

مخاوف

وتقع غليله في شمال إمارة رأس الخيمة بين الساحل والجبال وتبلغ مساحتها 150 كيلومتراً مربعاً ويسكنها حوالي عشرة آلاف نسمة تقريباً.

ورغم جمال المكان ورائحة الماضي وسحر التراث إلا ان شيئاً من الحزن والخوف يخالط الزائر المتمعن في واقع القرية التي تعاني كغيرها من المناطق من أفول الماضي بسبب قربها من مخالب التمدد العمراني.

ويقول المواطن سالم سعيد حسن الشحي: سميت غليله بهذا الاسم نظراً لشهرتها بكثرة الغلال والمحاصيل وما زالت تحتضن العديد من الأشجار والنباتات المتنوعة التي تنمو على سفوح الجبال والأودية والسهول ومن أهمها أشجار النخيل والسدر والسمر والحناء والمرخ ومن المحاصيل الشعير والبر واليح والفندال والبصل ولا يزال الأهالي يمارسون تربية النحل خاصة في الأماكن التي يكثر فيها أشجار السدر والسمر.

وأضاف: (غليله قرية زراعية تغلب عليها الأجواء الريفية وتنتشر فيها بساتين النخيل والمزارع وكانت إلى وقت قريب مرتعاً للغزلان والظباء وما زالت حيوانات أخرى تشاهد حتى اليوم مثل الأرانب البرية وطيور القطاه والحجل والحمام وتستجلب مناظر منازل القرية القديمة وأطلال المكان الذكريات من الماضي البعيد.

وأوضح أن غليله ذات موقع استراتيجي مهم حيث عرفت منذ القدم كمرفأ جيد للسفن ترسو عند شواطئها وتتزود من آبارها بالمياه العذبة، كما كانت من أولى المحطات التي ترسو عندها السفن التجارية القديمة في طريقها إلى جنوب الخليج.

 

اجواء حميمية

وأشار إلى أن الود والمحبة يسود أجواء غليله الحميمية، لأن الأهالي متقاربون وترجع أصولهم إلى القبائل العربية المعروفة، التي سكن أبناؤها المنطقة منذ آلاف السنين، حيث اجتمعت في المنطقة مقومات الحياة إذ امتازت المنطقة بواديها الذي وفر لها المياه وأسهم في انتشار المزارع وتربية المواشي والجمال إضافة للتجارة التي اشتهرت بها منذ زمن بعيد إلى أن تغيرت موازين العمل والتجارة في الوقت الحالي فغدا الوادي معلماً أثرياً وشاهداً على أصالة المنطقة.

وتحدث الشحي عن أوضاع الزراعة في منطقة غليله، فقال: (انصب اهتمام أهالي غليله قديماً على زراعة الوادي لأن به طوي "بئر" يسمى "خرانة" والوادي يعتمد على ماء المطر والوعوب "جمع وعب" وهو منطقة تستصلح للزراعة على سفوح الجبال تكون على يمين ويسار الوادي وفي وقت الربعية "المرابيع" تجهز الناس الوعب بجانب الوادي ويحاط بالحصا ويسمدونه ويترك جاهزاً بانتظار هطول الأمطار والتي بعد نزولها يقوم ثلاثة أشخاص وإيهيسونه "الهيس هو أداة حديدية لحرث الأرض لها يد من الخشب تربط بحبل، وبدوره المزارع يربطه بظهره ويسحبه فوق الأرض ويشخطون الأرض ويضعون فيها البذور والحبوب .

 

امطار غزيرة

ويذكر أن الأمطار كانت تهطل بغزارة وتستمر لمدة 10 أيام وتجري على إثرها الأودية ووادي غليله الرئيسي له فروع منها فرع حلحل وبروت والخب والشرية وهناك فروع أخرى.

وأضاف: (تنتشر مساكن الأهالي حول مجرى الوادي وكانت المنازل تبنى من الخشب والحجر ونضع فوق حطب السقف شجرة "إسديف" ويدفنون المسكن بالطين، بحيث يكون منسوبه تحت الأرض ويستخدمونه في الشتاء ويسمونه "قفل".

وأشار الشحي إلى الطوايا المنتشرة في المنطقة قديماً مثل طوي المريهان وعليوات والرولة وطوي خرانة وطوي الشرع كان قريباً من الساحل مما سهل عملية نقل مائه بالسفن إلى المناطق المجاورة في أم القيوين والشارقة ودبي وأبوظبي التي كانت تعتمد على مائه العذب.

في رحلتنا إلى غليله لزيارة قرية زايد التراثية رافقتنا سلسلة الجبال التي تفصل رأس الخيمة عن سلطنة عمان الشقيقة حتى استقبلنا باني ومؤسس القرية المواطن سعيد علي لحه الشحي الذي يقول غليله قرية محفوظة في ذاكرة التاريخ بمجدها وماضيها المؤثل والمؤثر في قيام حضارة إماراتية عريقة وهي تفتح ذراعيها للزائر تطوقه بجمال حقيقي ونادر يختلط فيه البحر بالسهل والسهل بالجبل والحضارة والتاريخ الذي استمد روحه من تراث يضرب بجذوره في الماضي العريق ومن تقاليد ورثتها عن الطبيعة وأبقت عليها خضراء مزهرة ترفل بها قراها.

وأضاف: (خلال السنوات الماضية عملت على جمع كل تحف وقطع وأدوات تراثية تنبعث منها رائحة الماضي الجميل وتعج بالأصالة وأقتني كل ما دأب آباؤنا وأجدادنا على استخدامه، ولم اكتف بذلك وقررت بناء نموذج يوثق لحياة كنا قد عشناها قبل ظهور النفط وحدوث الطفرة والخطوة الأولى في رحلة بناء القرية كانت في عام 2004 وبعد الانتهاء من تشييدها في عام 2005 قام صاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة بافتتاحها رسمياً وبدأ مشروع القرية وأطلقت عليها اسم "الشيخ زايد" كنوع من رد الجميل لما قدمه لنا ولوطننا وللأمة الإسلامية والعالم أجمع.

وفيما يتعلق بتفرد القرية وتميزها عن القرى والمتاحف التراثية الأخرى الخاصة، قال: (قرية زايد التراثية دخلت الأسبوع الماضي التاريخ من أوسع أبوابه عندما تشرفنا بمقابلة وزيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة للقرية واستقبله ألف ومائتا شخص من أهل المنطقة، والتقى سموه بهم واستمع إليهم وتناول الغداء بينهم).

 

زيارة كريمة

وشدد الشحي على ان هذه الزيارة الكريمة تؤكد تقدير الدولة لمكانة الآثار والمناطق التاريخية وأهمية المحافظة عليها وتنميتها وأبان أن مثل هذه المشاريع تحظى بالاهتمام والمتابعة المباشرة من شيوخنا الكرام.

وأضاف: (قرية زايد التراثية هي القرية الوحيدة في الدولة التي تضم آثاراً حقيقية كشفت عنها بعثات التنقيب الأثري إذ يوجد بالقرية مدفن غليله الأثري وكل الدلائل تشير إلى أن هذه المنطقة سكنت قبل آلاف السنين إذ يعود المدفن الأثري بقدمه إلى 4 آلاف عام واستخدم مرة ثانية وبصورة جماعية في العصر الحديدي بين 500 إلى 900 عام قبل الميلاد وأغلب الأدوات المكتشفة مماثلة لتلك التي عثر عليها في بيوت تعود للعصر الحديدي والتي وجدت في العين ومدافن القصيص في دبي).

وأشار إلى أنه عثر فيه على بقايا رفات 53 شخصاً على الأقل وبالرغم من أن هذه البقايا وجدت مبعثرة إلا أنه تم الكشف عن عظام كاملة لشخصين وعدد من الخواتم البرونزية على مقربة منها كما عثر في هذا المدفن أيضاً على أكثر من مائة آنية يوجد بعضها في متحف رأس الخيمة.