بعد سنوات من الحديث عن »امن الغذاء« في الوطن العربي بشكل عام، وفي دول الخليج بشكل خاص لم يعد توفير الغذاء مشكلة أساسية تستوجب النقاش والمؤتمرات ، على الرغم من ان معظم الأغذية في الوطن العربي وتحديدا دول الخليج يتم استيرادها من الخارج بكميات ضخمة، بل وبالأطنان، وتصل في بعضها إلى ما نسبته 80%
وبما ان الغذاء بات متوفرا، على الرغم من عدم توفره محليا إنما يستورد كغيره من البضائع المختلفة الا ما ندر مما ينتج محليا، بات الحديث الاوجب والاهم الآن ، هو "الغذاء الآمن" لا "امن الغذاء" .
وقد شهد الأسبوع الماضي نشاطا استثنائيا للمختصين والباحثين والتجار وكافة المعنيين بسلامة الغذاء في دول الخليج ، من خلال تجمعهم في ملتقى دبي العالمي لسلامة الأغذية والذي يقام للعام السابع على التوالي ، لمناقشة ابرز التحديات والعوائق التي تواجه متعاملي الأغذية الرئيسيين في تلك الدول.
ورغم تشابه عدد من المعوقات والأسباب التي تواجه هؤلاء المسؤولين في دول التعاون، نظرا لتشابه الظروف والعادات الغذائية ، وطبيعة المواد المستوردة، وغيرها، إلا ان المؤتمر بيّن وجود بعض الخصوصية بين تلك الدول ، التي تستحق الوقوف عليها ومناقشتها كونها تحديا أساسيا.
تحديات حقيقية
وبالرغم أيضا من الإشادة الكثيفة بتجربة دبي بشكل خاص في مسألة التعامل مع الأغذية منذ لحظة وصولها الى المنافذ مرورا بتوزيعها على وكلائها، ومن ثم آلية نقلها وحفظها وتخزينها، وانتهاء بوصولها الى مائدة المستهلك، الا ان دبي كغيرها تواجه تحديات حقيقية تقع على عاتق المستهلك نفسه ، كزيادة الوعي بكيفية التعامل مع الغذاء ، والأنواع المختلفة منه ، وأهمية عدم الخلط بين المجموعات الغذائية ، والاهم من ذلك عدم تصديق الشائعات التي دائما ما تستهدف الأغذية والمشروبات ، والتي تلقى رواجا كبيرا عبر أجهزة البلاك بيري أو الرسائل الالكترونية، إضافة الى ضرورة توعية العاملين بالأغذية وتحضير الطعام في البيوت والمطاعم ، كونهم في الغالب من جنسيات مختلفة.
وبالتالي فإن تعاملهم مع الغذاء يأتي وفق عاداتهم هم ، ويتعين توعيتهم بالتعامل الصحيح والآمن مع الأطعمة، إضافة إلى غيرها من التحديات الخاصة بالإمارة ، والعامة في كافة دول المجلس ، بالإضافة إلى الحلول العامة والمقترحات التي قدمها المؤتمرون والمسؤولون على اختلاف تخصصاتهم ، والتي تصب بمجملها في النهاية نحو مصلحة المستهلك محليا وخليجيا، جمعتها " البيان" من خلال اللقاء المباشر مع مسؤولي الغذاء في دول المجلس في هذا التحقيق:
تحدث خالد شريف العوضي مدير إدارة الرقابة الغذائية في بلدية دبي رئيس اللجنة العليا المنظمة لمؤتمر دبي العالمي لسلامة الأغذية حول التحديات الفعلية التي تواجه مستقبل السلامة الغذائية في الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي التي تعتبر وطنا واحدا، متشابها في العادات والتقاليد والظروف والسياسات وغيرها من الأمور، وعلى رأسها قضية الغذاء والأمن الغذائي من ناحية توفر السلامة الغذائية لا توفر الغذاء نفسه، مؤكدا ان عوامل السلامة مطلوبة وغاية في الأهمية لتلك الدول ولأجلها تعقد المؤتمرات والاجتماعات وتصدر القرارات ، خاصة وان كل تلك الدول مجتمعة تعتمد بشكل أساسي على استيراد الأطعمة ، لا زراعتها او إنتاجها الا في نطاق محدود نظرا لطبيعتها التي لا تؤهلها لمثل هذا الأمر.
وأوضح ان الإمارات لا تختلف بالطبع عن أخواتها من دول مجلس التعاون الخليجي ، اذ أنها تستورد الغذاء بنسب عالية كما غيرها لعدم توفر تلك الأغذية المستوردة محليا ، وللتنوع في الجنسيات التي تقطن الدولة والتي تحتاج لمختلف أنواع الأطعمة والمنتجات، مشيرا إلى ان دبي وحدها استوردت العام الماضي أكثر من 6.7 ملايين طن من الأغذية مقارنة بحوالي 5.6 ملايين عام 2010، بزيادة قدرها 18% ، تم استيرادها من 151 دولة ، مقارنة مع 160 دولة عام 2010 .
ما يؤكد على ريادة الإمارة كمركز هام على مستوى المنطقة فيما يتعلق بتجارة المواد الغذائية، كما تم ترخيص 2202 مؤسسة غذائية دائمة (مختلفة الأنشطة) العام الماضي، مقارنة بحوالي 2075 مؤسسة عام 2010 ، مما يعني مزيدا من الأعباء على البلدية لضمان استيفاء كافة تلك المؤسسات للشروط المعمول بها بالإمارة.
وقال: (تلك الأطنان من الأغذية التي تدخل الإمارة تتطلب فحصا دقيقا بدءا من لحظة وصولها والتأكد من صلاحيتها ، ومن ثم صلاحية أسلوب النقل والتخزين ، انتهاء بوصولها الى مائدة المستهلك، وتلك ليست بالمسؤولية السهلة انما هو تحد كبير يتطلب عددا لا يستهان به من العاملين والمختصين في الوقت ذاته ، ويشكل ضغطا على المختبرات وعمليات الفحص خاصة مع ازدياد الكميات المستوردة عاما بعد عام كما تشير الأرقام ).
فحص دقيق
واكد ان التحدي ايضا يكمن في عدم إمكانية خضوع تلك الكميات من الأغذية المستوردة للفحص الدقيق ، نظرا لكبر حجمها ولعدم توفر الكوادر والوقت الكافيين لهذا الإجراء، مبينا ان البلدية ارتأت ان الطريق الامثل لايجاد حل لهذه المسألة ان يتم فحص تلك المواد في بلدانها الأصلية أي البلاد التي تصدر هذه الأطعمة والأغذية للإمارة، بحيث تلتزم بالشروط والمعايير التي تطبقها البلدية في هذا المجال.
وأشار الى ان البلدية بدأت بالفعل بتطبيق هذا النظام بشكل تدريجي وبدأت البلدان بالالتزام بمتطلبات وشروط البلدية، مؤكدا انه بعد تطبيق هذا القرار قلت نسب الأغذية المرفوضة او المعادة الى مصدرها بنسبة 50% خلال العام الماضي، مما يعد انجازا كبيرا في هذا المجال، عمل على تخفيف العبء كثيرا عن مفتشي البلدية وإدارة الأغذية بشكل عام والمختبرات أيضا، مبينا ان هذا القرار يعد واحدا من ابرز الأمور التي ناقشها المؤتمر خاصة في الدول الناشئة والمصدرة .
وأضاف العوضي: " نحن كأجهزة رقابية نعرف التحديات التي نواجهها كل في بلده ، لذلك وبصفتي رئيس اللجنة المنظمة للمؤتمر رغبت في ان نجتمع للإعلان بشكل جماعي عن تحدياتنا لما في ذلك من فائدة على الجميع من خلال الاستفادة من خبرات كل منا ، وسماع اراء الحضور والمشاركين الذين قد يثرون بمقترحاتهم القوانين والنظم التي نعمل بها ".
شائعات ضارة
وأكد ان إحدى التحديات الكبرى التي يعاني منها جهاز الرقابة الغذائية في الإمارة هي " الشائعة" ، مؤكدا على ضرورة عدم الاستهانة بالأمر ، فالشائعات التي تنتشر من وقت لآخر عبر أجهزة البلاك بيري او البريد الالكتروني والتي عادة ما يقوم ناقلوها بوضع اسماء مبهمة ورموز لمواد غذائية لا يعرفها الا المتخصصون في الغذاء، الا ان البعض ينشرها للجمهور على انها مواد مسرطنة او أسماء لمواد سامة وضارة بالصحة على المدى البعيد.
وقال: (عانينا كثيرا من اثار الإشاعة في مجال الغذاء، ونظرا لكون الغذاء امر يهم كل فرد من افراد المجتمع على اختلاف جنسيته او عمره ، فالغذاء يدخل كل بيت ويتعامل معه الجميع بشكل يومي ومستمر، ولطالما تردني اتصالات متكررة من عدة أشخاص يطلبون التأكد من خلو مادة غذائية او مشروب من المواد المسرطنة ، ويقدمون لي شخصيا مبررات سمعوها ويحاولون إقناعي على انها الحقيقة على الرغم من محاولاتي المستمرة لإقناعهم بعدم صحة الامر .
لا من باب عدم التخويف بل من باب الحقيقة البحتة ، فعلى سبيل المثال تلقيت ما يزيد على عشرة اتصالات قبل يومين يستفسر من خلالها المتصلون حول أسباب منع احد المشروبات الغازية المشهورة من السوق بحجة انه مسرطن، الا اني حاولت جاهدا ان انفي لهم الموضوع ، علما ان السبب الرئيسي لمنع ذلك المشروب هو اختلاف الشركة مع وزارة الاقتصاد حول شرط من شروط العبوة .
بحيث يكون محتوى العبوة 300 ملي لتر عوضا عن 250 ملي لتر، فتم سحب المشروب من السوق بناء على هذا الخلاف ، لا على أساس يتعلق بالصحة ، لكن الناس يحبون الشائعات ويروجون لها بشكل كبير، خاصة فيما يتعلق بالغذاء"
آلية الفحص
كما اكد على خضوع كل شحنات المواد الغذائية الواصلة للامارة من اي منفذ كان، مبيّنا ان الفحص يبدأ بالتدقيق على الاوراق والشهادات الصحية المعتمدة المرفقة مع المنتج، ثم التدقيق على المستندات والشهادات الصحية المعتمدة المرفقة مع المنتج، ومطابقتها مع المعلومات المسجلة في النظام الإلكتروني، بالإضافة إلى التدقيق على فترات الصلاحية التي تصنف إلى نوعين، فترات صلاحية اختيارية تحدد من قبل المصدر ويتحمل مسؤولية صحتها المستورد، وفترات صلاحية إجبارية تخص بعض المنتجات مثل الحليب ومشتقاته، التي تحددها البلدية استنادا إلى تاريخ الإنتاج.
وشدد على أن الفحص الظاهري للشحنات الغذائية يتبع فحص المستندات والمعلومات الغذائية، حيث تُؤخذ عينة من المنتج ويُكشف عليها للتأكد من أنها لم تتعرض لأي ظروف تؤدي إلى تغيير خواصها الفيزيائية أو الكيميائية، وفي حال ظهور أي دلائل خلال الكشف الظاهري على عدم مطابقة المنتج للشروط، أو وجود سوابق لمخالفة المنتج للشروط المعتمدة يخضع لفحص أدق يعرف بفحص تقييم وتحليل المخاطر.
وذكر ان الأجهزة الرقابية في دول التعاون تعمل جاهدة بكل ما أوتيت من إمكانيات ، لكن يتعين على الجمهور ان يعرف هذا الامر ويكون من الوعي بدرجة يعرف ان التعامل مع الأغذية ليس بالأمر السهل، فعلى سبيل المثال ما حدث في أوروبا قبل فترة من التسممات التي نتجت عن بكتيريا الايكولاي ، وعلى الرغم من ان تلك الدول الأوروبية سبقت العربية بمراحل كبيرة في الخبرة بالفحوصات الغذائية والتعامل مع المختبرات المتعلقة بفحص الأغذية ، إلا أن الموضوع لم يتم حله بين يوم وليلة، إنما استغرق ما يقارب الشهرين إلى ان تم إيجاد أسبابه وتحديد النبتة التي نقلته ، ومن ثم تم اتخاذ الإجراءات المطلوبة تجاه ذلك الأمر.
يشاركه في الرأي الدكتور حسام العميرة الباحث العلمي في معهد الكويت للأبحاث العلمية ، الذي أكد ان ابرز المعوقات التي تقف أمام رقابة الأغذية وذوي العلاقة في هذا الأمر ، هو مدى وعي الجمهور ، ومدى تعامله مع الخبر المتداول حول أي نوع من الأغذية ، بالإضافة إلى أهمية وعيه بكيفية التعامل مع الأغذية.
واقترح ان يتم تبادل التخصصات بين دول الخليج ، بحيث يتم الاستعانة بالمتخصصين في مجال الاغذية وتوزيعهم بين تلك الدول بحيث لا يتم الاعتماد فقط على الجهات الرقابية ، تماما كما في الاتحاد الاوروبي.
وأشارالدكتور إبراهيم المهيزع نائب الرئيس التنفيذي لشؤون الغذاء في الهيئة العامة للغذاء والدواء في السعودية إلى أن المملكة تستورد ما يقارب إلى 60 إلى 70 % من إجمالي الاستهلاك الغذائي بالمملكة ، من حوالي 125 جولة مختلفة حول العالم، بواقع 500 الف ارسالية في السنة، وتنفق ما يزيد على 50 مليار ريال سعودي سنويا عليها، موضحا ان الحبوب تشكل النسبة الأكبر من الأغذية المستوردة، تليها مجموعة الخضار والفاكهة، ثم اللحوم ، وبعدها الألبان .
المطلوب وجود جهاز خاص بتقييم المخاطر
قالت الدكتورة مريم حارب الرئيس التنفيذي لقطاع السياسات والمواصفات في جهاز ابوظبي للرقابة الغذائية : " اكبر التحديات التي تواجهنا في الدول هو عدم وجود جهاز خاص بتقييم المخاطر وهو الذراع العلمي للأجهزة الرقابية في حال أردنا وضع اية قرار يجب ان يكون على أسس علمية كما في الدول الأوروبية التي لديها جهات معنية بالدراسات التي تدعم قرارات الاتحاد الأوروبي، وعرفنا التحدي من خلال اللجنة الخليجية لسلامة الأغذية واشتراكنا مع مؤسسة الغذاء والدواء ، خرجنا بتوصية حول ضرورة تأسيس مركز خاص بتقييم المخاطر واعتماد المقترح ونتمنى بالفعل اعتماده، وهو إحدى التوصيات التي خرج بها المؤتمر".
وأكدت الدكتورة وسن الباكر رئيس جهاز الرقابة الغذائية في قطر على ضرورة مواجهة تحديات الغذاء قطر يعتمد على انشاء هيئة موحدة تعتمد على الرصد ، واضافت: " استفدنا من خبرات دبي والسعودية في هذا المجال ، وستعتمد الهيئة على الرصد وعلى التقصي ايضا للامراض المنقولة عبر الغذاء، وتشترك في الوقت ذاته مع السعودية في برنامج الإنذار المبكر ، علما ان أفضل الحلول لدول المجلس اجمع هو ان تكون مراقبة الأغذية تحت مظلة جهة واحدة خليجية تضم السلسلة الغذائية كاملة من المزرعة الى المائدة".
من جهته، اشار الدكتور وسن الأمين أخصائي اول مواصفات من هيئة التقييس لدول مجلس التعاون الخليجي ان تحديات سلامة الأغذية اهمها المستجدات المتسارعة في مجال الغذاء والتي تتطلب مواكبة التغييرات والتشريعات الدولية أولا بأول، وتطوير المواصفات وتوحيد إجراءات المطابقة ، ومعاملة المنتجات المستوردة معاملة خاصة، وتطبيق الاجراءات بشفافية.
واكد على مشكلة التفاوت الموجود بين القدرات الفنية في دول المجلس وفي الدراسات ايضا، وعدم توافر قاعدة بيانات وطنية للغذاء، بالاضافة الى ضعف البنى التحتية لبعض الدول من النواحي المتعلقة بالمختبرات واجهزة الفحص والياته، مطالبا بضرورة التنسيق ووضع الخطط المشتركة لتلافي كل تلك المعوقات.
سلامة غذائية
واتفق كافة المسؤولين عن فحص وسلامة الغذية في دول المجلس على ضرورة التركيز على رفع وتحسين ثقافة السلامة الغذائية في مختلف المؤسسات، كونها الأساس في منع الأمراض والإصابة بالتسممات، وضرورة تحسين عمليتي التفتيش والتدقيق، مؤكدين على اهمية تصنيف الأغذية حسب الخطورة، والبدء في التفتيش بمنشأ الأغذية والذي يتم عبر التدقيق على المؤسسات الرقابية خاصة فيما يتعلق بالأغذية ذات المنشأ الحيواني.
ورصد مشاكل الغذاء العالمية من خلال تفعيل مركز الإنذار المبكر الذي تم إنشاؤه مؤخراً بدول مجلس التعاون الخليجي، وتطوير قدرات المختبرات المحلية والإقليمية لتكون مختبرات مرجعية مع ضرورة تخصص كل مختبر في فحوصات معينة، على أن يتم فحص الأغذية مركزياً في هذه المختبرات، وتطوير الكوادر العاملة في مجال الرقابة الغذائية على أفضل الممارسات في مجال السلامة الغذائية.
وارتأى المسؤولون ضرورة وجود مركز خليجي لرصد وتقصي الأمراض المنقولة عبر الغذاء، وإعداد آلية فعالة لنقل المعرفة العالمية في مجال السلامة الغذائية وتطبيقها على المستوى المحلي ودول المجلس، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الصحية والرقابة الغذائية والجهات ذات الصلة، ووضع قاعدة البيانات للمعلومات التي تساعد في اتخاذ القرارات، مع وضع وتحسين وتحديث السياسات والضوابط في مجال سلامة الأغذية بناء على أفضل الممارسات، وتحسين العلاقات بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي، وتوحيد الإجراءات المتخذة في التفتيش على الأغذية الواردة لدول مجلس التعاون الخليجي من خلال اعتماد الإجراء المتخذ في دولة خليجية واحدة على بقية دول المجلس.

