يصاب سنويا ما يزيد على 3 آلاف و200 شخص بمرض التهاب الكبد بنوعيه (سي) و (بي) في الدولة، وفق إحصاءات وزارة الصحة وهيئة الصحة في أبوظبي، ومع ذلك لا تزال المؤسسات الصحية سواء الاتحادية أو المحلية تغض الطرف عن تقديم العلاج لهؤلاء المرضى الذين أصبحوا يتسولون العلاج أمام المساجد والهيئات الخيرية وعلى صفحات الصحف طلباً لتكاليف العلاج المرتفعة، ولكن إذا كانت بعض شركات الضمان الصحي في الدولة (باستثناء 3 شركات من بينها شركة أبوظبي للخدمات الصحية (ضمان)، لا تعترف بمرض هذه الفئة من المرضى لأنها ترى أن المرض يختلف عن بقية الأمراض، وكأنه رجس من عمل الشيطان لا يجوز تقديم العلاج لمرضاه، فما يضير وزارة الصحة أو الهيئات الصحية الحكومية أن تلزم جميع الشركات بضرورة تحمل هذه التكاليف؟
في ظل ذلك يبدو المشهد على أرض الواقع مختلفا، فتكلفة العلاج التي تصل إلى 60 ألف درهم بما فيها تكاليف التشخيص والأشعات والتحاليل سواء للمرض (سي) أو (بي) تشكل العامل الأساسي لإحجام معظم شركات التأمين الصحي عن تغطية علاج تلك الأمراض على الرغم من خطورتها على المجتمع، إذ إنها تندرج تحت تصنيف أمراض معدية وشديدة الخطورة، أما العامل الثاني وراء هذا التجاهل فإن وزارة الصحة والهيئات الصحية المحلية حتى الآن لم تصدر قراراً يلزم شركات التأمين الصحي سواء على المستوى الاتحادي أو المحلي بتحمل تكاليف العلاج لهؤلاء المرضى الذين تقل نسبتهم عن 1.1% من سكان الدولة وفق تقديرات الأطباء أنفسهم.
أمراض مزمنة
على النقيض هناك أمراض مزمنة مثل ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والسرطان ونسبتها مرتفعة جدا بالدولة، ورغم ذلك تقوم شركات الضمان الصحي بتغطيتها عن طيب خاطر وربما تكون تكلفة علاج مريض واحد بمرض السكري أو القلب على المدى البعيد تفوق تكاليف علاج 5 مرضى من المصابين بأمراض التهابات الكبد، وذلك لأن مريض السكري أو القلب أو الضغط يقوم بصرف الأدوية بصورة شهرية وربما تزيد تكلفة الوصفة الطبية للمريض الواحد على 500 درهم، فعلى سبيل المثال لو استمر هذا المريض بصرف الدواء لفترة 10 سنوات بغض النظر عن تكلفة المضاعفات المحتملة التي يمكن أن تحدث له طوال هذه المدة، وبطبيعة الحال سيتم تغطية تكاليف العلاج بالمستشفى أو المركز الطبي فإنه يكلف شركة التأمين نحو 60 ألف درهم، في حين تكلفة علاج مريض التهاب الكبد (سي) أو (بي) لا تزيد على 60 ألف درهم وفي مدة قصيرة نسبياً من 6 ـ 12 شهراً.
خارجياً
في الدول الأوروبية والأميركية تقوم المؤسسات الصحية الحكومية بإلزام شركات التأمين العالمية بتغطية أمراض التهابات الكبد بالكامل ولا تسمح لأي شركة أن تقوم بالتلاعب أو التحايل للهروب من التغطية العلاجية للمرضى، بل وتعطي أولوية وأهمية قصوى لعلاج الأمراض المعدية قبل الأمراض المزمنة لأنها تدرك أن الأمراض المعدية يمكن أن تسري في المجتمع بصورة كبيرة على عكس الأمراض المزمنة التي تأتي فقط نتيجة للممارسات غير الصحية في طبيعة المأكل والمشرب ولا يتعدى حدودها الشخص المصاب.
الشركات تغض الطرف
الدكتور سالم عوض استشاري أمراض الباطنية والكبد أشار إلى أن شركات التأمين الصحي التي تغض الطرف عن تغطية تكاليف العلاج لمرضى التهابات الكبد يجب تعيد النظر وأن تراعي مسؤوليتها الإنسانية والأخلاقية تجاه هؤلاء المرضى الذين لا يجدون ثمن العلاج، وإذا لم تستجب فعلى وزارة الصحة والهيئات الصحية المحلية أن تتدخل في هذا الأمر، خاصة أن هذه التكلفة العلاجية تقل عن تكلفة علاج مريض السكري أو ضغط الدم على المدى البعيد؛ حيث إنها لا تستغرق وقتا ولا تزيد تكلفتها في الغالب على 60 ألف درهم فضلا عن قلة أعداد المصابين بمثل هذه الأمراض بالدولة.
وقال: إن فرص العلاج أصبحت متاحة خاصة لمرض التهاب الكبد وإن العلاجات الحديثة أصبح لديها القدرة على القضاء على الفيروس تماما، مشيراً إلى أهمية دقة الفحص والتحاليل حيث هناك أجهزة حديثة تستطيع تحديد كميات الفيروس (بي) في الدم ثم سهولة اختيار الأدوية المناسبة.
وتوقع الدكتور عوض أن الطب الحديث سيتمكن من القضاء نهائيا على مرض التهاب الكبد (بي) خلال القرن الحالي ليصبح المرض مثله مثل شلل الأطفال والحصبة وأمراض أخرى كثيرة انتهت من الوجود، مشيراً إلى أن برنامج التحصين ضد الأمراض السارية والمعدية الذي تطبقه وزارة الصحة ساهم بشكل كبير في حماية وتحصين الأطفال، مشيرا إلى أن الأطفال الذين تلقوا الطعم الثلاثي منذ 18 عاما لا توجد بينهم أي إصابة بمرض التهابات الكبد.
وأشار الدكتور عوض إلى أن نسبة الإصابة بمرض التهاب الكبد (بي) بين المواطنين لا تزيد على 2% وتقل هذه النسبة إلى 1.1% بين المواطنات الحوامل، بينما تصل بين المقيمين إلى 4%، وشدد على أهمية إجراء فحص ما قبل الزواج لكشف أمراض التهابات الكبد، مؤكدا أن التطعيم حال اكتشاف المرض يحول دون إصابة أحد الزوجين بالمرض بنسبة تزيد على 95%.
نظام تكافلي
الدكتور سمير غويبة متخصص طب الأسرة أكد أن التأمين الصحي هو نظام تكافلي وضع في الأساس لتساهم فيه كل شرائح المجتمع الغني والفقير والقطاع العام والخاص بحيث يكون وعاء مالياً يغطي تكاليف العلاج بغض النظر عن طبيعة المرض ونوعه وتكلفته، وأضاف: "من هذا المنطلق لو وجد مريض واحد يعاني من مرض مهما كانت طبيعته ولا يتم تغطية علاجه فلا شك أن هذا النظام يكون منقوصا ولا يؤدي واجبه على الوجه الأكمل".
وطالب أن تراعي شركات الضمان الصحي البعد الإنساني والاجتماعي لنظام الضمان الصحي بحيث لا يجب أن تغض الطرف أو تتملص من تكاليف العلاج لهؤلاء المرضى، مشيرا إلى أن وجود مريض يتسول ثمن علاج هذا المرض على صفحات الصحف وأمام المساجد والجمعيات الخيرية يسيء إلى تجربة الضمان الصحي برمتها، والتي بلا شك حققت نجاحاً كبيراً خلال السنوات القليلة الماضية.
وقال" على شركات التأمين الصحي التي تحقق مكاسب كبيرة أن تنظر إلى الأمر نظرة مستقبلية وشاملة فهذا المريض الذي تخلفت عن علاجه سيدخل المستشفى في يوم من الأيام بسبب مضاعفات هذا المرض إما بفشل كبدي أو بفشل كلوي وفي هذه الحالة ستكون شركة التأمين ملزمة بتحمل كافة تكاليف العمليات أو الغسيل الكلوي لهذا المريض لأنه سيدخل المستشفى بتشخيص آخر غير التهاب الكبد وستتضاعف هذه التكاليف بطبيعة الحال لبقاء المريض فترات طويلة".
من الناحية الوقائية يشير الدكتور سمير غويبة إلى أن ترك مريض التهاب الكبد (بي) أو (سي) بدون علاج يعني أننا نترك قنبلة موقوتة قد تؤثر في أفراد المجتمع كافة إذا ما اختلط دم هذا المريض بدم الأصحاء خاصة أن عمليات الحجامة والطب الشعبي تمارس بصورة عشوائية وفوضوية".
مبادرة حقيقية
فيما يرى الدكتور محمد حسن، متخصص أمراض الكبد، أنه لا بد من مبادرة حقيقية من الهيئات الصحية سواء في أبوظبي أو دبي أو وزارة الصحة، لدعم تكاليف علاج مرضى التهاب الكبد، لأن تكلفة العلاج كبيرة لا يستطيع حتى أصحاب الدخول المتوسطة توفيرها فتكلفة الكورس العلاجي الواحد تزيد على 1300 درهم أسبوعيا بخلاف التحاليل والأشعات.
وتابع: على شركات التأمين أن تضطلع بمسؤولياتها الإنسانية وان تنحي الجانب الاقتصادي والمادي فيما يخص هذا المرض فلا استثمار من وراء أمراض الناس بل ينبغي أن تستثمر في صحة الناس، وطالب وزارة الصحة وهيئتي الصحة في أبوظبي ودبي بضرورة إصدار قرارات فورية تلزم شركات التأمين بهذا الأمر حماية لأفراد المجتمع من سراية هذه الأمراض الخطيرة وحفاظاً على كرامة المرضى الذين يتسولون العلاج.
ويؤكد الأطباء أن التهاب الكبد (سي) مرض معد يحدث نتيجة اكتساب العدوى بالفيروس المسبب للمرض ويمكن أن تتراوح درجة وخامة ذلك المرض من شكل خفيف يدوم بضعة أسابيع إلى شكل خطير يدوم مدى الحياة، وينتشر المرض، عادة، عندما يدخل دم أحد المصابين بالفيروس جسم شخص غير مصاب به وهو من أشيع الفيروسات التي تصيب الكبد.
وتشير التقديرات إلى أن فيروس التهاب الكبد (سي) يصيب 3 ملايين إلى 4 ملايين نسمة كل عام، وهناك نحو 130 إلى 170 مليون نسمة ممن يعانون بشكل مزمن من ذلك الفيروس ويواجهون مخاطر الإصابة بتشمع الكبد أو سرطان الكبد. كما تتسبب أمراض الكبد المرتبطة بذلك الفيروس في وفاة أكثر من 350 ألف نسمة كل عام.
كما يشير الأطباء إلى أن مرض الالتهاب الكبد الفيروسي (بي) من الأمراض المعدية شديدة الخطورة لأن الفيروس (بي) يستطيع أن يظل حياً في الخارج لأكثر من 7 أيام في البيئة المحيطة ويعد الأسهل من حيث انتقاله من شخص لآخر من مرض فقدان المناعة البشرية المكتسبة (الإيدز) بأكثر من 50 ـ 100 مرة وهو إصابة فيروسية تصيب الكبد وتمثل خطورة كبيرة على الحياة، وقد يسبب المرض مضاعفات عديدة تستمر مدى الحياة وقد يؤدي إلى حدوث تليف وفشل الكبد والإصابة بسرطان الكبد، ولا يوجد علاج شافٍ للمرض ولكن التطعيم يساعد على منع الإصابة بصورة كبيرة، وينتقل الفيروس عن طريق نقل الدم أو سوائل الجسم ومن الأم لطفلها خلال فترة الحمل أو من خلال الاتصال المباشر بمكونات الدم الملوث.
وتقدر منظمة الصحة العالمية في أحدث تقاريرها عدد المصابين بفيروس التهاب الكبد (بي) في العالم بنحو مليارين، كما أن هناك أكثر من 350 مليونا ممن يتعايشون مع النوع المزمن بي (طويل الأجل) الذي يصيب الكبد.



