ذكرت خطبة الجمعة أمس أن الأمة الإسلامية تعيش هذه الأيام ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله تعالى من أكرم الناس نسبا، وأعظمهم أصلا، وخيرهم بيتا، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر قريشا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار» فكان صلى الله عليه وسلم بحق خيرا لأمته وللإنسانية، فما من خير يقربنا من الجنة إلا وأرشدنا إليه، وما من شر يقربنا من النار إلا وحذرنا منه.

واستعرضت الخطبة شمائله الشريفة صلى الله عليه وسلم لنقتدي به في حياتنا، فقد كان صلى الله عليه وسلم كثير التعبد لربه، وكانت الصلاة قرة عينه، يقوم من الليل يناجي ربه عز وجل بصوت جميل، قال البراء بن عازب رضي الله عنه: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ (والتين والزيتون) في العشاء، وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه أو قراءة.

وكان صلى الله عليه وسلم ودودا مع أهله، جميلا في معشره، فإذا دخل بيته يكون في مهنة أهله، رقيقا مع أولاده وأحفاده، فقد صلى بالناس وأمامة بنت ابنته زينب على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها.

وأضافت "ومن شمائله الشريفة صلى الله عليه وسلم أنه كان متواضعا، يترفق بالصغير، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا، وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار.

 

أحسن الناس عشرة

وذكرت الخطبة أنه كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس عشرة، وأسمحهم نفسا، وألينهم عريكة، وأجودهم يدا، وأبسطهم كفا، شديد الحياء، واسع الصدر، يعطي من يسأله، ويحلم على من يجهل عليه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء.

وكان صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي إليه المجلس، ويعطي كل واحد من جلسائه نصيبه، ومن جالسه صلى الله عليه وسلم لحاجة صبر عليه حتى ينصرف صاحب الحاجة، ومن سأله حاجة لا يرده إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس علم وحلم وحياء وصبر وأمانة، وكان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، وكان صلى الله عليه وسلم عظيم العفو، كثير المعروف، يعز عليه عناء أمته في الحياة وبعد الممات، قال الله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) حتى إنه صلى الله عليه وسلم ادخر دعوته المستجابة لأمته يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».

وجاء في الخطبة الثانية ما أجمل أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقتدي به، ونتمثل سيرته في كل جوانب حياتنا، وأن نرسخ أخلاقه في أبنائنا ونحبه ونحب آل بيته وأصحابه، ونكثر من الصلاة والسلام عليه، فعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: «ما شئت». قلت: الربع. قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت: النصف. قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت: فالثلثين. قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك». قلت: أجعل لك صلاتي كلها. قال: «إذاً تكفى همك، ويغفر لك ذنبك».