خلاصة "تجربة حياة" لخصتها "مريم علي عبيد" (في أواخر العقد السادس من عمرها) بكلمات قليلة: " كنز الأخلاق والأدب ثروة لا تعوض ألبستها أولادي" ، و"ليس بالمال فقط تصنع النجاح".

ومن منزلها الشعبي الكائن في منطقة الفصيل بإمارة الفجيرة تحدثت بسعادة عن كفاحها في حياتها منذ تزوجت وهي فتاة صغيرة في مطلع السبعينات من القرن الماضي من رجل يكبرها عمراً، أنجبت منه 9 أبناء،: " لا أنكر أن لدي معيل ولكنه كان يكبرني كثيراً وظروف الحياة آنذاك ألقت علينا بظلالها، فراتبه البسيط من عمله كفراش في وزارة الصحة لا يصل بالأسرة الكبيرة إلى بر الامان في نهاية الشهر، بل كثيراً ما توقفت بنا سفينة الحياة في منتصف الشهر أو أقل من ذلك. كما لم تتوقف العقبات عند هذا الأمر. فهناك معاناة أخرى تصادفت مع تقاعد زوجي والذي أقعده المرض ليتوقف راتبه عند حد الـ 8 آلاف درهم فقط لأسرة مكونة من 10 أفراد".

 

عقبات ومشاق

ولكن كل هذه العقبات لم تدع "أم عبيد" تحتمل ما ألقي على كاهلها من مشاق عانت منها سنوات طويلة لتؤمن لعائلتها المأكل والمشرب ومكان يؤويها ومن سؤال الناس. ففضلت البحث عن عمل رغم عدم وجود أي شهادة أو خبرة عملية لديها، ولكنها استمعت لكلام العقل والاعتماد على قدرات يديها في صناعة المأكولات الشعبية التي يتلذذ بها كل من يأكلها، وعلى هذه الخطى الثابتة وضعت لنفسها مكاناً في السوق لتصنع ألذ وأطيب المأكولات الشعبية بمساعدة ابنتها فاطمة، واستمرت على المنوال وشاركت ولا تزال تشارك في المناسبات المحلية والوطنية. لتكمل مسيرة نجاحها في تأسيس مشروع خاص بها في منزلها بمساعدة وتعاون جمعية الفجيرة الخيرية " راعي مشروع الأسر المنتجة ".

وتضيف "أم عبيد" ضاحكة: " أسمع الكثير من التعليقات بعضها إيجابي وجيد والآخر سلبي ولكن هذه هي الحياة التي تدفع بنا إلى أماكن نحن نصنعها بأيدينا، فما أنجزته الآن أشكر الله عليه، وأحمده كثيرا في كل يوم على أنه أعانني على تربية أبنائي وتنشئتهم التنشئة الصالحة".

 

بابتسامة رضا

أضافت: " أتذكر موقفاً مازال يراودني ويبهجني دائما وجعلني بحق أتابع التحدي في دفع نفسي وأبنائي نحو النجاح، وذلك عندما حصل ابني البكر على المركز الثاني في الثانوية العامة من القسم الأدبي، حيث دهش مندوبو وسائل الإعلام الذين حضروا إلى مسكني القديم آنذاك من تفوق ابني في ظل هذه الظروف القاسية التي يبوح بتفاصيلها المنزل القديم والمتهالك ذو الغرف الثلاث.

والآن حالي والحمد لله تحسن وتجاوزت سنوات كثيرة عانيت فيها الأمرين"، مشيرة إلى أن الوهن أصاب يديها وأخذتا تخونانها، ماجعلها تجري عمليتين جراحيتين في مستشفى دبي لتتمكن من الاستمرار في مشوار حياتها المقبل بأمل وفرح كبيرين.

ومن سفر حكاية معاناتها قالت: "لم أكن أخجل من السؤال عن أبنائي في مدارسهم أو أي مكان يقصدونه وتوفير مستلزماتهم وفعل المستحيل لأجلهم دون التماس حاجتي عند الناس، فقد كنت أرى نفسي في أولادي ونجاحهم، وأسعى دائماً إلى أن يصنعوا نجاحهم بكد أيديهم، وأقول لهم: " شوفوا اللي عندكم وليس ما عند الناس"، لأنهم بذلك سيتابعون ويواصلون مسيرة حياتهم بحزم ودون خوف أو عثرات قد تعترضهم من جراء عدم امتلاكهم بعض الأشياء".

 

موقف

وتحدثت " أم عبيد " في هذا الاطار عن موقف جعل الدموع تنهمر غزيرة من عينيها، ولكنها كانت ممتزجة بالفرح والسعادة، وذلك عندما لم يتمكن الأب المريض من حضور حفل تخرج ابنه البكر، في مدينة العين، فأصرت هي على الذهاب وتكفلت لوحدها بتكلفة سيارة أجرة وذهبت لتسانده، وقالت: " بسبب فرحتي الكبيرة أغلقت باب التاكسي على أصبعي الإبهام فآلمني بشدة، وأخذت أتألم طوال الحفل، ولكنني لدى رؤيتي ابني وهو يتسلم الشهادة دخلت في نوبة بكاء.. بكاء الفرح ، وبانتهاء مراسيم الحفل ذهبت لاحتضانه وكانت هذه من الذكريات التي لن أنساها أبدا في مسيرة حبي لأبنائي في التعلم والاعتماد والارتقاء بأنفسهم".

 

سير الأبناء

وقالت أم عبيد إن أكبر أولادها " عبيد " من مواليد الاتحاد وهو الآن متزوج وله 4 أطفال ويعمل موظفاً، كان متفوقاً في دراسته وحصل على المركز الثاني على مستوى الدولة في القسم الأدبي وكان الطالب الوحيد من إمارة الفجيرة آنذاك الذي التحق في كلية التقنية العليا في العين لدراسة دبلوم إدارة الأعمال.

وتلاه " يعقوب " وهو متزوج وله أطفال، متفوق وحصل أيضا على المركز الثاني من القسم الأدبي ما دفعه للسفر إلى المملكة المتحدة لمواصلة دراسته الجامعية في إدارة الأعمال، وعاد ليعمل في القوات المسلحة حتى هذا اليوم، وابنتها " فاطمة " خريجة بكالوريوس من جامعة الإمارات تخصص تاريخ لم تحصل على عمل منذ 11 سنة، وفي نهاية شهر ديسمبر الماضي تعرضت لحادث مروري في دبي أقعدها العناية المركزة بعد حصولها على وظيفة مؤخرا هناك. وابنتها " هدى " تعمل موظفة في دار زايد للرعاية الإنسانية. فيما تعاني ابنتها " مها " مرضاً ألزمها المنزل ولم تتمكن من متابعة دراستها، فيما يعمل ابنها " علي " بعد تخرجه من الثانوية العامة في بلدية الفجيرة. وأخيرا أحمد وسعيد اللذان يدرسان في جامعة عجمان، تخصص الاول في برمجة المعلومات ويتخرج خلال العام الحالي، فيما التحق سعيد في تخصص إدارة الأعمال.