اتخذت العطاء سماء تحيط بها كل أحبابها مخيرة لا مجبرة، رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها بدءًا من طلاقها المبكر الذي لم ترمم جرحه إلا وتبعه جرحٌ آخر بطلاق ثان، مع طفلين صغيرين لا حول لهما ولا قوة سوى ام لم تتعد العشرين ربيعا لكنها تحمل اصرارا كبيرا وعزيمة على إيصال ابنائها إلى بر الأمان.

مريم الشحي الناشطة في مجال المرأة المتطوعة في اكثر من جهة مجتمعية ، الحاضرة في كل المحافل الرسمية في رأس الخيمة وخارجها تمثل بلادها بكل فخر وتترجم المعنى الحقيقي للمرأة الإماراتية المعطاء، هذه الشخصية لم تتكون من فراغ بل صاغتها أحداث الزمن وظروفه الصعبة التي واجهتها، فأصبحت اكثر قوة لتقطف عناقيد الفرح في النهاية بولديها اللذان تخرجا من كلية الهندسة والمشهود لهما بحسن الخلق والسمعة.

قالت مريم الشحي: "عشت واقع الأم المطلقة المسؤولة عن طفلين صغيرين يحتاجان إلى الحنان والحزم والعطاء والقدوة الحسنة، ورغم وجود والدي الذي ساندني في بداية الأمر، الا ان وفاته المبكرة جعلت الحمل ثقيلا علي وألزمتني بان اكون الأم والأب لولدي وان اجتهد لكي يفخر بي ابنائي وافخر بهم، مع ما يحتاجه ذلك مني من تخطيط وتهيأة الظروف المناسبة لذلك، فانا مؤمنة ان من يريد النجاح في اي امر لا بد ان يسبب الأسباب لحدوثه".

وكانت اول خطواتها في مسيرة الأمومة الناجحة بالدراسة في معهد التأهيل التربوي ، لتلتحق بوظيفة امينة سر في احدى المدارس الحكومية، وتساعد في ايجاد بيئة افضل لأبنائها عبر توفير كل احتياجاتهم.. الكماليات قبل الأساسيات، وايمانا منها بأهمية تنمية ذاتها في كل المجالات كي تنمي اطفالها، تطلعت إلى ان تستكمل مسيرتها التعليمية الجامعية، وتمكنت من ذلك بمساعدة المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي ،رحمه الله، الذي آمن بها كأم ترغب بان تكون قدوة حسنة لأبنائها، ولم تخيب مريم ظنه فتخرجت بتقدير جيد جدا مرتفع كمعلمة فصل من الانتساب الموجه في رأس الخيمة.

وتبين لها ان رعاية طفلين ليس بالأمر السهل خاصة في ظل عدم وجود الأب، فالعناية بهما ومتابعتهما ومتابعة أصدقائهما ومواهبهما وسلوكياتهما ودراستهما كانت تستنفذ كل وقتها، بحيث انهما سخرت حياتها كاملة لمتابعتهما منذ الصباح وحتى المساء، وفي كل الأوقات اثناء الإجازة التي كانت تصر خلالها على تمضيتها كعائلة في احدى المرافق العامة او عند الأهل كي تعزز لديهما روابط الأسرة والأخوة.

وتروي مريم اجمل ذكرياتها عن هذه الفترة " كنت اذهب يوميا إلى غرفة نوم ابنائي "حميد وسلطان" واروي لهما القصص ونتبادل الضحكات والأحاديث الحميمة ، ثم اضع يدي على رأسيهما وابدأ بتلاوة القرآن حتى يناما مستشعرين اريحية آيات القرآن متأملة ان تكبر محبتهما لهذه الآيات في كل مراحل عمرهما وتبارك هذه الآيات حياتهما وهذا والحمد لله ما حدث فعلا .

وقالت مريم" ان من يتعود على العطاء في حياته من المستحيل ان يتغير ، لذلك ما ان كبر ابنائي واعتمدوا على انفسهم ، حتى وجدت نفسي منخرطة في المجتمع كمتطوعة في مختلف المجالات ومتعاونة في اي مكان اطلب فيه، لأن العطاء يمثل لي متعة ما بعدها متعة وفرحة ما بعدها فرحة، ألتقط ثمارها يوميا من محبة الناس لي والأهم محبة أبنائي اللذان استطعت ان اراهما اخيرا رجلين متفاعلين مع مجتمعهما مسلحين بشهادة الهندسة متطلعين لخدمة الوطن وخدمة كل محتاج لهما وهذا هو مكسبي الحقيقي في الحياة وسعادتي الأبدية.