«كان يوماً مكفهراً مظلماً، لم ألمح فيه خيطاً للنهار، اسودّت فيه الآفاق، وخيم الصمت الموجع على كل شيء».
عبارة نطقت بها أم أحمد، بعد أن سحبت نفساً عميقاً، كما لو كانت تسحب ذكريات، خبأتها زمناً طويلاً في بئر عميق.
امرأة تبلغ من العمر خمسين عاماً، ولديها ثلاثة أبناء، سجلت ملحمة كفاح ومثابرة وعطاء، وتنازلت عن كل متع الحياة، من أجل سعادة فلذات الأكباد.
تقول: «في نهاية عام 1990، قرر أبو أولادي إطلاق الرصاص على علاقة زوجية، ملؤها الود والرحمة والإيثار، وأيضاً ثلاثة أطفال كانوا وروداً يانعة».
وتضيف: «كان ابني الأكبر أحمد يبلغ من العمر ثمانية أعوام، وبوسي تبلغ من العمر ستة أعوام. أما محمد فقد كان رضيعاً في المهد لم يتجاوز الأشهر الثلاثة.
فجأةً حكم الأب على هذه الزهور بأن تخرج من عباءة الطمأنينة، إلى العذاب، قرر الزوج أن يتزوج ويبتعد عن البيت».
وتتابع: «كانت لحظة صعبة عندما قرر أن يلقي بنا جانباً، من أجل نزوة مؤقتة طارئة.
غرق في ملذاته ولم يفكر في مصلحة أسرة، وهدم عائلة ودمار زوجة لم تتجاوز وقتها الثلاثين، خرت قواه أمام ملذاته الزائلة، وراح يبحث بين نساء الأرض، وارتمى فى أحضان من ارتضاها أن تكون زوجة ثانية».
وكثيراً ما سألت أم أحمد نفسها: لماذا حدث ذلك، وقد عشت معه أجمل قصة حب بعد الزواج؟
كان الأهل والجيران والأصدقاء يحسدوننا، ولم يتوقعوا يوماً أن هذا سوف يحدث.
كيف ساقه شيطانه إلى أن يهجر زوجة شابة جميلة مثقفة أنجبت الولد والبنت، وكانت له نعم الزوجة المطيعة المخلصة؟
وتضيف: «تعرضت لمرض عضال أثناء حملي في محمد حتى ولدته، وكدت أفقد حياتي جراء حساسية الصدر والسعال الحاد الذي كان يمزق صدري.
في هذه الأثناء، وقع في فخ نصبته له إحدى النساء، ولعبت على نقطة ضعفه، في وقت كنت لا أقوى على ممارسة دوري كزوجة.
تزوج وقبلت بمرارة أن أعيش مع نصف زوج من أجل أبنائي، غير أنه رويداً رويداً أمسك عن الإنفاق على البيت، حاولت بشتى الطرق أن اعيده إلى رشده، غير أنه في نهاية الأمر تركني وحدي في مهب الريح.
مارست دور الأم، التي تربي أولادها، وتهتم بشؤون أسرتها، ودور الأب الذي يفي باحتياجات البيت والأبناء، وكان ذلك صعباً، لأنها كانت في بداية حياتها العملية وحديثة عهد بالوظيفة.
فى صباح يوم شهد نقاشاً حاداً مع الزوج، راح يلملم ملابسه، ووجهه مبتسم، من أدراج غرفة النوم، ويضعها في حقيبة سفر سوداء.
جلست على أريكة الصالون؛ أتفرس تعابير وجهه، وأنا ألقي عليها نظرة الوداع الأخيرة.
خرج الزوج يجر حقيبته، والزوجة تجر خيبة أملها.
واسودت الحياة في عينيها، وأغلقت نوافذ الأمل، فتشت عنه طويلاً وفي كل مكان، فكانت كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، أو كمن يقتفي الدخان.
وجدته.. فرفض الإنفاق على الأبناء الثلاثة الذين يتعلمون في مدارس خاصة، فقررت أن تعيش على قدر دخلها المادي، وانتقلت إلى شقة متواضعة كان قد تركها والدها مغلقة.
وشرعت أم أحمد تعيد ترتيب أوراقها حتى تتوافق مع أوضاعها المادية.
وانتقل الأولاد من مستوى مادي مرتفع إلى مستوى أقل، واستطاعت الأم بحكمة وعقلانية أن لا تشعرهم بأن هناك شيئاً ينقصهم.
عملت وواصلت الليل بالنهار من أجل لقمة العيش، وكانت تعود متعبة فتجهز الطعام لأبنائها، ثم تتابع مذاكرتهم، وفي ذلك الوقت كانت تحاول مع والدهم عسى أن يشرح الله قلبه، لكن رحمته أصبحت أثراً بعد عين.
ثم اختفى كلياً، وأُشيع أنه توفي في حادث، عندئذٍ قررت رفع دعوى قضائية لتطليقها، إذ لا أمل فيه، ولكي تستطيع تخليص معاملات أبنائها من دون أن تصطدم بالعراقيل القانونية التي تقتضي وجود الأب.
تضيف: «الأمومة هي أسمى ما في الوجود، لذلك وعلى الرغم من أني كنت مازلت في ريعان الشباب، إلا أنني رفضت فكرة الزواج، حرصاً على أولادي.
كنت أخشى عليهم من زوج أب يقسو، فقررت أن أكون لهم كل شيء وأن يكونوا هم كل شيء.
تمسكت بأياديهم الصغيرة وتشابكت الأيادي، لم تكن الحياة سهلة فقد تعرضت لكل صنوف العذاب النفسي، وحرمت نفسي من احتياجاتها حتى أوفر متطلباتهم».
كان نجاح أولادها والاهتمام بدراستهم هما الهدف الأول لها، فالحياة مليئة بالصعاب، والعلم هو الحصن الحصين لهم، ورمت وراءها كل معاناتها القاسية التي مرت بها، وها هم اليوم قد تخرجوا من الجامعات، ومع كل نظرة إلى نجاحاتهم تتلاشى هموم مضت وآلام مرت، وينشرح قلبها بسعادة وبهجة بنجاحاتهم، وبمسيرة حياتها التي توجت بنجاح الأبناء.