بالإيمان بالله والإرادة القوية والثقة بالنفس يستطيع المرء أن يقهر كل الصعاب التي تعترض طريقه، وأن يحقق كل أمانيه وآماله في الحياة وأن يصنع النجاح والتفوق الذي يصبو إليه، تلك هي كلمات هذه الأم لأبنائها الصغار قبل أربعين عاماً من الآن، والتي ما زالت ترددها على مسامع الجيل المعاصر من الأمهات اللاتي يشكين مر الشكوى من تربية الأبناء.
كانت أحلام المرأة كبيرة وتطلعاتها إلى مستقبل ابنائها بحجم التحديات التي واجهت الجميع في تلك الفترة التي كان التعليم فيها غير نظامي، ولا يتخطى تلك المحاولات التي بذلها المطاوعة لتعليم الناس القرآن الكريم.
كانت الأم المثابرة حريصة على أن تنهل العلم من المطاوعة، وكثيراً ما تمنت أن تواصل تعليمها حتى تحصل على أعلى شهادة جامعية.
تمنت أن تكون طبيبة لتعالج المرضى، وقد جذبتها شخصية احدى الطبيبات العاملات في رأس الخيمة في ذلك الوقت المبكر.
لم تستطع أن تحقق شيئاً من أحلامها في ظل ما كانت تمليه آنذاك المسؤوليات ورغبة كل الأسر في تزويج البنات في سن مبكرة، وهو ما كان لها بالفعل حيث تزوجت مبكراً وبدأت في تكوين أسرتها الجديدة. رزقها الله عدداً من الأبناء فسعت إلى تحقيق أحلامها بالعلم فيهم. منهم المدرس والضابط والطبيب والمهندس لينخرطوا جميعاً في خدمة هذا الوطن الذي انطلق للتو تحت راية الاتحاد والذي هو بحاجة لسواعد ابنائه المتعلمين والمثقفين. وضعت مع زوجها الخطوط العريضة لتربية أولادهما الذين رزقهما الله بهم تباعاً، كانت الدولة في تلك الفترة قد بدأت في تشييد المدارس بصورة واسعة في كافة أرجاء الدولة، وجرى الاستعانة بالمدرسين العرب، وبدت ملامح نهضة تعليمية شاملة وقف خلفها الآباء المؤسسون بكل قوة. كانت السيدة التي شارفت الآن على منتصف العقد السادس، تدرك حجم المسؤوليات والتبعات الكبيرة التي ستعانيها الأسرة لتعليم الأبناء حتى المراحل الجامعية في ظل الامكانيات القليلة التي كانت سمة العصر آنذاك. كانت التحديات تزيدها صلابة وكان حرمانها من التعليم يشعل داخلها شموع الأمل التي أبصرت بها الطريق غير أن التحدي الأكبر الذي قابلها كان في تلك المناهج الحديثة التي يتم تدريسها للمرة الأولى في المدارس والتي لم تكن معروفة عند المطاوعة. قررت على الفور التعلم مع أولادها الصغار مستفيدة من نبوغ ابنها البكر، حيث كانا يذاكران معاً كل كلمة مكتوبة في هذه المناهج التي نجحت في حفظها عن ظهر قلب ما مكنها من تدريسها بسهولة لباقي الأبناء فيما بعد. تكرر الأمر بعزيمتها واصرارها في كل مراحل التعليم خاصة المرحلة التأسيسية، التي تفوقت خلالها على كثير من المدرسين الذين كانوا يدرسون لأبنائها هذه المواد.
يقول جاسم محمد المكي رئيس قسم التوجيه الأسري برأس الخيمة، إن هذه الأم ذات الإرادة الصلبة والتي قهرت الكثير من الصعاب في بداية حياتها نجحت بمساعدة زوجها الذي كان يراقب هذه النجاحات ويشجعها عليها، في أن يكون أبناؤهما جميعا من المتفوقين وأن ينالوا ارفع الدرجات العلمية، وهم اليوم يتقلدون وظائف مرموقة في المجتمع، فمن بينهم أستاذ الجامعة والضابط والمهندس والطبيب والمدرس ومدير المدرسة. وأشار إلى أن الابناء مازالوا يذكرون انهم كانوا يظنون أن والدتهم كانت تحمل شهادة جامعية حتى المرحلة الثانوية التي كانت الأم تتركها للطالب بنفسه بعد الاطمئنان عليه وعلى تفوقه العلمي وعبر متابعته في المدرسة بشكل دوري. ويضيف: الأبوان اليوم سعيدان بأحفادهما ولايزالان يؤكدان للأجيال الجديدة ضرورة الاهتمام بالتعلم والاستفادة مما توفره الدولة من فرص سواء في الداخل أو الخارج، ليكون المرء وهو متسلح بالعلم عضواً فاعلا في المجتمع.