سيدة الألم والأمل، الوالدة شيخة عبيد، في العقد الخامس من عمرها، لكن تفاصيل حياتها خطت على جبينها تعباً عمر يتجاوز عمرها بكثير.

سخرت حياتها بالكامل لتربية بناتها الثلاث، عندما تركها زوجها، واضطرت لترك بيتها والعودة من جديد لبيت أبيها.

ثلاث بنات أكبرهن طفلة لم تتجاوز سنواتها الست، عشن مع والدتهن في غرفة واحدة فقط، في البيت الكبير الذي ضم جدها وإخوانها وأخواتها. كان الأمر بمثابة زلزال عنيف، لكنه لم يهز عزيمتها وجلدها.

لا للاستسلام للحزن، والبكاء على ما آل إليه الوضع، سأتحدى ظروفي وسأنتصر عليها.

هكذا عقدت النية، وجعلت من واقعها، دافعاً لإكمال مسيرة قررت المضي قدماً بها بإرادة من حديد، وحنان لا ينضب أبداً، ولم يتحول طوال تلك السنوات للحظة غضب واحدة على بناتها، -بحسب روايتهن- حيث قلن : "لم تغضب أمي أبداً على ما جرى، ولم تشعرنا لحظة واحدة بأن شيئاً ما تغير في حياتنا، أو أننا مختلفون عن غيرنا من الناس.

كان حنانها غامراً وتضحياتها كافية لأن تشعرنا حتى ونحن في سن مبكرة، أن لا شيئاً ينقصنا.

كانت توفر لنا كل مطالبنا من ملابس وكتب وألعاب، حتى إنها كانت تحرص على ان تمكننا من السفر في الصيف كل عام، لكيلا نشعر بأن أبناء خالاتنا او الأسرة المحيطة بنا افضل منا أو يتميزون عنا بشيء.

عملت الوالدة شيخة مدرسة لتنفق على بناتها الثلاث وتربيهن، حرمت نفسها من كل شيء عن طيب خاطر، دون شعور بالندم أو الأسى أو الحاجة لشيء سوى أن تكون بناتها في قمة سعادتهن.

"التعليم كان هدفي الأول" هكذا تؤكد الوالدة شيخة، اذ لم ترض أن تترك أي من بناتها الدراسة لأي سبب كان، وحين دخلت إحدى بناتها الى جامعة زايد قبل عدة سنوات، كان من الضروري أن تشتري كمبيوتراً محمولاً كبقية بنات الجامعة، فعادت الى البيت وقد عقدت العزم على ألا تكمل دراستها، ليقينها أن هذا المبلغ يفوق طاقة والدتها.

"غضبت عليّ غضبا شديدا لم أعرفه" هكذا أكدت ابنتها نادية التي عادت من الجامعة وفي نيتها التوقف عن التعليم.

وأضافت : "قالت لي بحزم، ستعودين الى الكلية ولا شأن لك بكيفية الحصول على الجهاز، هذا من شأني الخاص".

وهكذا عادت الفتاة إلى الجامعة وأكملت الابنتان أيضا تعليمهما في كليات التقنية العليا وتحقق للوالدة شيخة ما أرادت.

ولم تكتف الوالدة شيخة بهذا الإنجاز "بنات متعلمات وفي أفضل أماكن العمل في الامارة" لكنها أصرت على أن توفر لهن السكن المناسب ولو بعد حين، وظلت على مدى تلك السنوات تجمع ما تستطيع تجميعه من المال لبناء المنزل الذي استغرق سنوات عدة، وهكذا عادت وبناتها الى منزلهن الخاص بهن، محققة بذلك كل ما أرادت وحلمت به، بعزيمة وحب وإصرار لم تعتره لحظة انكسار.

وتعيش الوالدة شيخة الآن في بيتها مع بناتها الثلاث الكبرى 33 عاما، والثانية 31 عاما، والثالثة 26 عاما، وحفيدتين ترى فيها فرحة لا تساويها فرحة، وتتكئ على كرسيها الأثير مرتاحة البال والضمير.